; هندسة التأثير.. كيف تستثمر إمكانات الآخرين؟ | مجلة المجتمع

العنوان هندسة التأثير.. كيف تستثمر إمكانات الآخرين؟

الكاتب د. علي الحمادي

تاريخ النشر السبت 16-أغسطس-2008

مشاهدات 121

نشر في العدد 1815

نشر في الصفحة 58

السبت 16-أغسطس-2008

صانع التأثير يدرك أن وقته محدود وأن ماله لا يلبي كل احتياجاته، وأن جهده أدنى من طموحاته، وأن عقول المجموعة خير من عقل الفرد، وأنه ضعيف بنفسه قوي بالآخرين ومن ثم، فعليه أن يستثمر ويستفيد من عقول الآخرين وأموالهم، وأوقاتهم وجهودهم، وعلاقاتهم، وجميع إمكاناتهم، ومواهبهم وقدراتهم لصالح مشروعه الذي يرید به صناعة الحياة والتأثير فيها.

كما أن عليه أن يدرك أنه مهما حاز من المواهب والإمكانات والعلاقات فليس بإمكانه الإستغناء عن الآخرين، وهذا شأن البشر جميعاً، ومن كان هذا هو شأنه فحري به أن يفكر بذكاء أكبر، وذلك بأن يضم جهود الآخرين إلى جهده ويستثمر إمكاناتهم لصالحه ولقد أثنى الله تعالى على المؤمنين لإستثمار عقول بعضهم بعضاً وذلك بالمشاورة فقال: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾  (الشورى:38).

كما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بمشاورة المؤمنين فقال: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران:159).

ولذا روي في الأثر ما خاب من إستخار، ولا ندم من إستشار ولو تأملنا سيرة المصطفى لوجدناه في حرص دائم على استثمار جهود أصحابه لخدمة الدعوة الإسلامية وكان يخص الأذكياء منهم والمثابرين وأصحاب الطموح والهمم العالية. 

ففي يوم (الخندق) إستثمر خبرة سلمان الفارسي في حفر الخندق، وحفر الخنادق في الحروب أمر لم تعهده العرب من قبل ولكنه معروف عند الفرس، وسميت الغزوة بإسم (الخندق)، وكان الخندق من الأسباب المادية الرئيسة في النصر يومئذ وإستثمر مكانة نعيم بن مسعود في العرب ودهاءه ليخذل عن المسلمين في معركة الأحزاب، وكان عمله هذا سبباً في تفكك الحلف الذي عقده اليهود مع المشركين من العرب وإستثمر خبرة عثمان بن عفان وعبد الرحمن إبن عوف، وأبي بكر الصديق في تحريك القوافل للتجارة من المدينة إلى اليمن والشام وبعضها إلى العراق وإستثمر خبرة خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وسعد بن أبي وقاص، وأبي عبيدة عامر بن الجراح، وغيرهم في الحروب بعد إسلامهم فكانوا قادة الفتوح وفي مجال الشعر إستثمر حسان بن ثابت وغيره من الشعراء فيما يسعد به نفوس المسلمين ويرد به على شعراء المشركين إذ كان للشعر حظوة كبيرة عند العرب.

وكان يلزم كل كاتب وقارىء من الصحابة أن يعلم آخرين من إخوانه القراءة والكتابة لخدمة القرآن الكريم ولنشر العلم بينهم.

واستثمر فطنة وعلم زوجه عائشة رضي الله عنها في تعليم النساء حتى أصبح كبار الصحابة يستفتونها بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في أهم المسائل وأعقدها.

ولا يكفي إستثمار عقول الآخرين وأوقاتهم وأموالهم وجهودهم بل لا بد من إستثمار عواطفهم، ومشاعرهم لمصلحة المشروع التأثيري النافع ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستميل الآخرين ويرغبهم ليغرس في نفوسهم الأخوة والمحبة في الله، وعندها يستثمر هذه العواطف الأخوية الصادقة لصناعة حياة إسلامية سامية ولنصرة دين الله تعالى. ففي فتح مكة كان الموقف صعباً بالنسبة للمشركين؛ إذ النبي صلى الله عليه وسلم قد دخلها فاتحاً منتصراً، وأهلها خائفون على أنفسهم بعد عدائهم الشديد له ولأصحابه، وإخراجهم لهم من أوطانهم وتشريدهم وقتالهم ظلما وعدوانا، رغم كل ذلك إلا أن النبي فاجأهم بالعفو والصفح، فامتلك بذلك قلوبهم وعواطفهم، ثم استثمرها في سبيل الله تعالى، وكان بيت أبي سفيان بن حرب منبعاً للعداء والحقد ضد رسول الله وأصحابه، ولكنهم يوم الفتح وجدوا كل الوفاء والتقدير من رسول الله، حيث أصبح بيتهم مأمنا للناس وقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم توبتهم وإسلامهم، فملك قلوبهم بإذن الله تعالى، فكان في ذلك خير كثير على الجميع لذا يقف أبوسفيان يوم حنين، مدافعاً عن النبي وكان ممن ثبت معه، وحينما إنطلقت الفتوحات الإسلامية خرج أبوسفيان وزوجه هند، وولداه معاوية ويزيد ليكونوا من رواد الفتح الإسلامي لبلاد الشام، وكان أبوسفيان رجلاً متمرساً في الحروب وفنونها ودروب القتال وخططه، فكان يشير على خالد، وأبي عبيدة رضي الله عنهم بنصائحه، وكانا يستمعان إليه، ويأخذان بمشورته وأضحى أبناء أبي سفيان، معاوية ويزيد أعلاماً في قيادة الخلافة الإسلامية وتركوا بصماتهم في دنيا الناس. ومن الأسباب المهمة في استثمار الآخرين التفويض والتمكين (Delegation Empowerment) أما التفويض فهو أن تعطي قدراً من الصلاحيات والسلطات للآخرين، بحيث يتم الإتفاق على مقدار هذه الصلاحيات وحدودها وضوابطها وطبيعتها، ومتى يتم الرجوع إليك.

وأما التمكين فهو مرحلة متقدمة من التفويض إذ يتم فيها إعطاء صلاحيات كاملة للآخرين، بحيث يتم الإتفاق معهم على أهداف معينة ثم يترك لهم كافة الصلاحيات في إتخاذ ما يرونه من قرارات وأساليب ووسائل مناسبة، وذلك بعد إعطائهم ما يحتاجونه من موارد (مادية أو بشرية) لتحقيق هذه الأهداف.

ولعل أبرز مثال على التمكين ما يحدث في الأندية الرياضية عندما يتم تعيين مدرب للفريق، حيث يتم الإتفاق مع مدرب متميز، وذلك بأن يحدد له الهدف الحصول على الكأس أو الدوري مثلاً ويعطي ما يحتاجه للنجاح في تحقيق هذا الهدف، ثم يعطي الصلاحيات الكاملة في اختيار من شاء من اللاعبين، وفي طريقة التدريب، وزمنه ومكانه، وفي خطة الدفاع والهجوم إلخ وفي هذا المقام فإننا نوصي بأنه إذا توفرت الأمور الستة التالية فإن على الرؤساء تمكين مرؤوسيهم دون خوف كبير وهذه الأمور الستة (والتي يمكن تسميتها ب نموذج التمكين) هي:

1- الإستراتيجية الواضحة. 

2-الاختيار السليم للأفراد.

٣- التدريب المستمر.

4- النظام الفاعل للتحفيز

5-المناخ الملائم للإنجاز المتميز (إنجاز فوق العادة).

6- التقويم السليم للأداء.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 42

155

الثلاثاء 05-يناير-1971

رد على إسفاف المشبوه

نشر في العدد 74

224

الثلاثاء 24-أغسطس-1971

عداء اليهود للأمة الإسلامية

نشر في العدد 216

127

الثلاثاء 03-سبتمبر-1974

بريد المجتمع (216)