; تحليل سياسي.. المقياس الأمريكي «للإرهاب» والصراع العربي الصهيوني | مجلة المجتمع

العنوان تحليل سياسي.. المقياس الأمريكي «للإرهاب» والصراع العربي الصهيوني

الكاتب جواد الحمد

تاريخ النشر الأربعاء 02-يونيو-1993

مشاهدات 63

نشر في العدد 1052

نشر في الصفحة 42

الأربعاء 02-يونيو-1993

الإرهاب المزدوج: التناقض في التعريف الغربي للظاهرة
1. تصاعد العنف وتغير قواعد النظام الدولي

تصاعدت خلال السنوات الثلاث الأخيرة موجات من أعمال العنف المضاد في مختلف أنحاء العالم. ويذهب تفسير بعض الخبراء في شؤون السياسة الدولية أن تغير قواعد النظام الدولي والعلاقات الدولية بسبب انهيار الاتحاد السوفياتي، وتفرد الولايات المتحدة كقوة دولية أولى، إضافة إلى تنامي النزاعات القومية والدينية في مختلف أنحاء العالم، ناهيك عن تردي الأوضاع الاقتصادية في كثير من دول العالم حتى في أوروبا ذاتها، إن كل ذلك كان سببًا مباشرًا وأساسيًا في تصاعد الأعمال المسلحة المتبادلة خصوصًا بين قوى المعارضة والحكومات، إضافة إلى استهداف المصالح والأشخاص الأميركيين، وعلى الأخص في أمريكا اللاتينية.

لكن الحديث الدولي عما يسمى «بالإرهاب» سبق ذلك بكثير، وعلى الأخص حين بدأت وزارة الخارجية الأمريكية بإصدار تقرير سنوي عن الأعمال التي تعتقد أنها إرهابية، وحصلت في مختلف أنحاء العالم وذلك منذ عام 1968.

وازداد الاهتمام الدولي بهذه الظاهرة مع أوائل الثمانينات وأواخر السبعينات؛ حيث عمل المجتمع الدولي عبر الأمم المتحدة وعبر مؤسسات إقليمية واتفاقات ثنائية لمحاصرة هذه الظواهر وملاحقتها، ولكن ذلك لم يكن على أساس مبادئ محددة مشتركة، اللهم إلا فيما يتعلق بالقواسم المشتركة العامة لحكومات العالم. ويظهر جانب الخلاف الأساسي في عملية تعريف «الإرهاب» والعمل «الإرهابي» حيث اختلف التعبير بين دولة وأخرى.

2. ازدواجية المعايير الأمريكية في تعريف الإرهاب

ففي الوقت الذي يعتبر في دول عدم الانحياز ومثيلاتها أن مواجهة قوة الاحتلال والاستعمار عمل مشروع، ولا يدخل في نطاق الإرهاب، فإن دول الغرب وعلى الأخص الولايات المتحدة الأمريكية تصر على اعتبار استخدام السلاح لتحقيق الأهداف السياسية إرهابًا دون الإشارة إلى استثناء حالات الاحتلال بالقوة.

وقد أثار صدور تقرير الخارجية الأمريكية حول الإرهاب في العالم لعام 1993 ردود فعل متفاوتة، وكان من أبرز ردود الفعل الغاضبة هو رد فعل القوى الفلسطينية وبعض الدول العربية والإسلامية، حيث تنظر إلى هذا التقرير باعتباره نموذجًا للانحياز، والإرهاب الفكري والاقتصادي الذي تمارسه أميركا ضد بعض الدول، إضافة إلى انحيازها الملحوظ للكيان الصهيوني على حساب الشعب الفلسطيني وحقه في تحرير وطنه، والدفاع عن حقوقه ومقاومة الإرهاب والعدوان الصهيوني ضده.

ففي الوقت الذي يعتبر التقرير الإرهاب القيام بأعمال ضد أهداف غير عسكرية، فإنه يؤكد أن الجندي المسلح ما دام خارج ساعات الدوام أو ما دام في حالة عدم ممارسة العداء فهو هدف غير عسكري؛ أي جنود الاحتلال الصهيوني في الضفة والقطاع والقدس يعتبرون أهدافًا غير عسكرية ما داموا لا يقومون بإطلاق النار أو ممارسة إرهابهم، وهو استثناء عجيب، فُصِّل لخدمة أغراض أميركية وصهيونية. وحول الإرهاب الدولي ومجموعاته فيشترط لها ممارسة العمل الذي يشارك فيه مواطنو أكثر من دولة، وربما على أكثر من أرض، وهو تعريف لا ينطبق على العديد من الجهات التي أطلقت عليها الخارجية الأمريكية بأنها تقوم بأعمال إرهابية، وخصوصًا المنظمات الفلسطينية التي تقاتل قوات الاحتلال وبالذات حركة (حماس) التي لا تعمل خارج الأراضي المحتلة.

وإمعان النظر في الحملة الدولية التي قادتها الولايات المتحدة لمكافحة «الإرهاب الدولي» تشير بوضوح إلى غض طرف أميركي متعمد عن ممارسة الدولة الصهيونية للإرهاب في فلسطين ولبنان والجولان، بل ورعايتها واحتضانها وتشكيلها لمجموعات إرهابية بكل المقاييس مثل «فرق الموت» التابعة للقوات الصهيونية، والتي تتخفى بملابس عربية، وتقوم باغتيال عناصر معنية من نشطاء الانتفاضة فيما اصطلح تسميته «بالمطاردين»، بل وأحيانًا تقوم بقتل عناصر أخرى حتى الأطفال، كما أثبتت منظمة العفو الدولية بتقاريرها المتلاحقة. ويتغاضى التقرير تمامًا عن الأعداد الكبيرة للأطفال والنساء المدنيين الذين لقوا مصرعهم على أيدي المستوطنين اليهود وقوات الجيش، وحرس الحدود والمخابرات الصهيونية، ليلتفت إلى مصرع ضابط في الجيش الصهيوني على يدي عنصرين من حركة «حماس». وفي الوقت الذي يسمى فيه منظمات فلسطينية ليس لها أي عمل عسكري منذ أكثر من عشر سنوات، فإنه لم يسم أي منظمة أو حزب يهودي يدعو إلى العنف، ويمارس الإرهاب ضد المواطنين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، بل ويدعو إلى إفناء العرب أو طردهم من كل فلسطين.

3. الإرهاب وفقًا للمصالح السياسية

كما أنه ثمة مقياس يلحظ في ثنايا التقرير الأمريكي وتصريحات جهات غربية ودولية، بل وأحيانًا عربية بأن أي عمل ضد الحكومات المعتدلة أي ذات العلاقة الحسنة بالغرب يعتبر إرهابًا، بينما لا تعتبر ممارسات هذه الدول ضد أي مجموعات فكرية أو سياسية في بلادها إرهابًا رغم أنها تطال كل آدميّة وحقوق الإنسان. وفي نفس الوقت اعتبار المعارض أو التمرد بل والثورة المسلحة ضد أي نظام لا يدين بالولاء أو الصداقة - على أقل تقدير - للغرب وعلى الأخص الولايات المتحدة بأنها عمل مشروع، بل وتعمل في بعض الأحيان على دعمه، وربما اعتبرت رد فعل هذه الحكومة على هذا التمرد عملًا إرهابيًا.

إن قضية الإرهاب والأعمال الإرهابية أصبحت قضية معقدة في ظل التعامل معها وفق المصلحة السياسية الغربية، وليس وفق منطوقها الإنساني. ومن هنا فإن تجاهل الغرب لرعاية الدولة الصهيونية وممارستها للإرهاب، وتهديد دول إسلامية أخرى ربما تؤدي حركات تحرر وطني، وبالأخص الحركات الفلسطينية والإسلامية بوضعها على قائمة الدول التي ترعى الإرهاب، وتطبيق عقوبات اقتصادية أميركية ضدها، إن ذلك يؤكد عدم نزاهة التوجهات الغربية في مكافحة الإرهاب المحلي والدولي، ويستلزم من العالم الإسلامي حكومات وشعوبًا تقديم رؤية موضوعية بمفهوم الإرهاب القائم على إزهاق النفس والروح بغير حق، والابتزاز والقتل بلا رحمة في الحروب، وغيرها، وذلك مدخل مناسب لإعادة الممارسات الإرهابية الصهيونية ضد الفلسطينيين، والصربية ضد البوسنويين وغيرها إلى مكانها الطبيعي في قائمة أعمال الإرهاب، والدول التي تقف خلفها بأنها دول ترعى الإرهاب، كما تدعو إلى الحذر من الوقوع في فخ التعريفات والتصنيفات الأمريكية في داخل المنطقة العربية والإسلامية، وما تجره من صراعات داخلية، وتسعير الحرب الأهلية، وإشاعة عدم الاستقرار في المنطقة، وضرورة مناقشة قضايا الخلاف الداخلي سواء بين المعارضة والحكومات، أو بين قوى شعبية مختلفة بروح الوحدة والمصير المشترك، دون التهديد أو الإرهاب.

ولا شك أن العبء الأكبر يقع في هذا المجال على الحكومات باعتبارها صاحبة السيادة والقانون، ومالكة السلطة والقوة، وأخيرًا نجحت جهود إسرائيل داخل أروقة الكونجرس الأمريكي.






 اقرأ أيضا

ازدواجية المعايير الدولية في مكافحة الإرهاب، بين المصالح والمبادئ!!

تعريف الإرهابي المحلي والعالمي

الرابط المختصر :