; الإسلام والكونجرس الحلقة 3 - الأصولية العنقاء في تقرير السفير | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام والكونجرس الحلقة 3 - الأصولية العنقاء في تقرير السفير

الكاتب أحمد إبراهيم خضر

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-1989

مشاهدات 96

نشر في العدد 916

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 16-مايو-1989

هل صحيح أن الظاهرة الإسلامية تظهر وتختفي كما هو حال العنقاء؟

ما هي المنولوجات التي حددها الأمريكان للتعامل مع الإسلاميين؟

عرضنا في الحلقتين السابقتين نص الخطابين اللذين ألقاهما «جون اسبوسینو» و«هیرمان إیلتز» أمام اللجنة الفرعية التابعة للكونجرس الأمريكي وهي تناقش ما يسمونه بقضية «الأصولية الإسلامية والتطرف الإسلامي» وما سببته من مشاكل للولايات المتحدة في سعيها للحفاظ على مصالحها في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. وقد طابقنا حيثيات التقرير الذي كتبه الدكتور (اسبوسينو) على نص الخطاب الذي ألقاه أمام اللجنة فلم نجد فارقًا ذا بال أما بالنسبة للسفير (إيلتز) فلم تكن العشر دقائق التي تحدث فيها كافية لإبراز النقاط «الهامة جدًّا» التي أوردها في تقريره، ولهذا فإننا أعطينا لهذا التقرير أهمية خاصة. والسفير (إيلتز) خبير متمرس في شؤون العالم الإسلامي كتب تصوراته عن الإسلام والأصولية الإسلامية ما يعتبره خلاصة خبرة خمسة وثلاثين عامًا قضاها بين المسلمين، وسنتناول متضمنات هذا التقرير بالعرض والتحليل في هذه الحلقة والأخرى التي تليها.

 

أسئلة:

 

سنصوغ في هذه الحلقة جانبًا من جوانب هذا التقرير في صورة أسئلة نبحث عن إجاباتها في التقرير نفسه لعلها تلقي الضوء على أمور قد نكون نحن في حاجة إلى الوقوف عليها.

 أولًا: لماذا كان الفهم الأمريكي لحقيقة الصحوة الإسلامية بطيئًا؟

 

يكشف التقرير أن الفهم الأمريكي لحقيقة الصحوة الإسلامية كان بطيئًا حتى بين أفراد الحكومة الأمريكية ذاتها، ويرجع بطء هذا الفهم إلى أن الأمريكيين قد فُطموا على مبدأ فصل الدين عن الدولة وما تصوروا مطلقًا أن هناك حركة سياسية في العالم المعاصر يمكن أن تربط بينهما، خاصة وأن هذا النموذج السياسي الذي يقوم على الربط بين الدين والدولة يعتبر في نظرهم نموذجًا باليًا. لكن ما حدث على الساحة الإسلامية أحدث ما يسميه السفير في ص ٣٢ بمفارقة تاريخية واضحة.

خطأ التفسيرات الأمريكية:

 

ثانيًا: أين الخطأ في التفسيرات الأمريكية وغير الأمريكية للصحوة الإسلامية؟

 

أوضح التقرير أن هذه التفسيرات التي تفهم دوافع حركات العالم الثالث في حدود العامل القومي ليست دقيقة دائمًا. وهذا هو الذي فعله الأمريكيون الرسميون الحكوميون وغيرهم من الأكاديميين عندما نظروا إلى الصحوة الإسلامية من نفس المنظور، بل إنهم كانوا مقتنعين بأن ما يسمونه بحمى الصحوة الإسلامية سوف تغرق في بحر القوميات لكن الذي حدث بالفعل أثبت لهم خطأ هذه التفسيرات. فالتأمل الدقيق في حركة البعث الإسلامي عبر التاريخ أظهر أنه بعث دائري في طبيعته وأن كل فترة تاريخية من فتراته طورت أشكالًا خاصة من الارتباط بين الدين والقومية.

 

ولهذا فإن التقرير يؤكد أن حركات البعث الإسلامي ظاهرة مستمرة تظهر وتختفي (كالعنقاء). وهي ذات طبيعة دائرية بمعنى أنها تدور من سكون إلى حركة بفواصل زمنية تمتد من خمسة عشر إلى عشرين عامًا، ويرفض التقرير كلية ما يعتقده الرسميون الأمريكيون وهؤلاء الباحثون في الشرق الأوسط (الذين يدورون في فلكهم وكل همهم الظهور أمام الأمريكيين وعلى شاشات التلفزيون الأمريكية مظهر العلماء الفاهمين لما يجري في بلادهم ويتاجرون بإسلامهم لحساب الأمريكيين، أو بمظهر الخبراء في قضية الأصولية الإسلامية على الساحة المحلية في بلادهم) يرفض التقرير كلية ادعاءاتهم بأن طول فترة السكون الإسلامي إنما تعني التوقف الفعال للإسلام كقوة دينية سياسية وأنه أيًّا كانت هذه الفواصل الزمنية التي تفصل بين السكون والحركة فإن هذا البعث يعيد إظهار نفسه أشد مما كان ويهدد استقرار النظام القائم بل ويتحدى أصدقاء هذا النظام في الخارج.

 

نظرية التحديث:

 

ثالثًا: هل نجحت نظريات التحديث الغربية في القضاء على أماني الإسلاميين بإمكانية تطبيق الإسلام في العصر الحاضر؟

 

يمثل ما جاء في التقرير بخصوص هذه النقطة صفعة قوية لأساتذة نظريات التحديث في جامعاتنا، فيعترف التقرير بأن نظريات التحديث الغربية ترفض الدين عامة والإسلام خاصة بل إنها تراه معوقًا للتحديث كما يعترف التقرير صراحة بأن الإسلام أثبت- على عكس توقعات الخبراء- أنه حي وقوي وقادر على المواجهة.

 

يقول التقرير في ص ٣٣

 

    (إن النظريات الأمريكية عن التحديث قد رفضت الدين تمامًا ورفضت الإسلام بصفة خاصة ولم تعطه وزنه الحقيقي بل كانت تتمسك بمقولة أن هذا الإسلام العتيق هو أحد العوامل المعوقة للتحديث. وقد أظهر خبراء التحديث في السنوات الخمس الماضية فهمًا سطحيًّا لإمكانية تطبيق الإسلام في الحياة المعاصرة وكانت توصياتهم في هذا الصدد قصيرة النظر.

 

لقد أثبت الإسلام- على عكس ما نحاه الخبراء- بأنه حي وقوي وقادر على مواجهة الحكومات التي قبلت بشكل أعمى هذه الصور من التحديث واعتقدت أنها في حاجة إليها وأنها بإمكانها إجبار شعوبها على قبول صور التحديث هذه، حتى ولو كان ذلك على حساب القيم الاجتماعية عميقة الجذور في الثقافة الإسلامية).

 

الحكومات والتحديث:

 

رابعًا: أين يتجه البندول الآن؟ في اتجاه الأصوليين أم في اتجاه العصريين العلمانيين أو الحداثيين؟

 

يشير التقرير إلى أنه كان هناك صراع دائم عبر التاريخ الإسلامي بين الأصوليين ودعاة التحديث، ففي حين يرغب الأصوليون في إحياء نموذج المجتمع السلفي ويرون أن مصادر القانون الإسلامي في القرآن والسنة والإجماع والقياس، فإن العصريين على النقيض منهم يرون أن هذه المصادر وليدة القرن السابع والثامن، وأنها ليست صالحة لمقابلة المتطلبات المتغيرة في القرن العشرين. وقد ظهرت نظريات التحديث وبرزت في فترات السكون الإسلامي واتجه قادة البلاد الإسلامية للفصل الفعلي بين الدين والدولة وحصر الشريعة في المسائل الشخصية، وكان (السادات) على رأس هؤلاء القادة إلا أن البعث الإسلامي قد أعاد البندول إلى الاتجاه الآخر، فعلى الرغم من أن العصريين كانوا أعلامًا بارزة في الست سنوات- التي سبقت التقرير- أصبحوا الآن نمطًا قديمًا في كثير من دول العالم الإسلامي وأصبح الإسلاميون اليوم هم القوة السياسية والاجتماعية.

 

ويتحدث التقرير عن تغير موقف الحكومات من قضية التحديث وكيف أن هذا الموقف يتناقض بوضوح مع ما كان الحال عليه منذ عشر سنوات مضت. وفى ص ٣٢ يوضح التقرير كيف كان ينظر إلى العناصر الإسلامية على أنها عناصر عتيقة وكيف تغير هذا الموقف فيقول (مع بعض الاستثناءات كانت أصوات المسلمين من ذوي العقلية العصرية هي السائدة وكان ينظر إلى العناصر الإسلامية الأصولية على أنها عناصر عتيقة أما الآن فإن تغيرات- فلكية- قد حدثت وخاصة في السنوات العشر الأخيرة.. إنها تغيرات ثورية).

 

هل هو مستحيل؟

 

خامسًا: هل الإطاحة بالنظم العلمانية أمر مستحيل الوقوع؟

 

      علمت التجربة الأمريكيين بأنه مهما بلغت درجة بطش النظام وقهره وتعذيبه للإسلاميين وأنه مهما وقفت الولايات المتحدة إلى جانب هذا النظام فإن الإطاحة به أمر ليس مستحيل الوقوع، بالرغم من إمكانيات التقدم التكنولوجي الهائل التي يعتقد أنها قد تتحكم في الموقف، وأنه يمكن للإسلاميين إقامة حكم إسلامي قادر على الصمود بفاعلية أمام ضغط الدولتين العظميين. وإن كان الأمريكيون يتصورون أن مثل هذه العملية تحتاج إلى قائد إسلامي قوي وملهم وعلى درجة من قوة التصميم تجعله قادرًا على تحقيق الهدف.

 

يقول التقرير في صفحة 30

 

(إن وجود حركة إسلامية يقودها قائد ملهم على درجة من التصميم لقادرة في ظل عصر يتميز بالتقدم التكنولوجي الهائل ليس فقط على الإطاحة بنظام علماني بل على الصمود بفاعلية أمام ضغط الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي).

 

حدود المد الإسلامي:

 

سادسًا: هل يمكن حصر المد الإسلامي داخل حدود معينة؟

 

إن هذا الأمر ليس ممكنًا- كما يقول التقرير- فإن النجاح الذي يحققه الإسلاميون في بلد ما يتردد صداه في كل دول العالم الإسلامي. وقد أدى التوالي السريع للنجاح ذي الدرجات المختلفة للأصوليين في بعض بلدان العالم الإسلامي إلى التأثير بشدة على إخوانهم في بلاد أخرى.

 

يقول التقرير في ص30

 

(إن هذا التوالي السريع من نجاح حركات الأصولية الإسلامية المتعدد الدرجات جعل الإسلاميين في كل الدول الإسلامية من المغرب إلى ماليزيا إلى الفلبين وحتى إلى الاتحاد السوفياتي- الذي تنمو فيه القوميات الإسلامية بسرعة- جعلهم يفكرون في إثبات وجودهم).

 

الاحتواء:

 

سابعًا: كيف يُسترضى الإسلاميون؟ وما هو تكنيك احتوائهم؟ وهل يعلم الإسلاميون ما يخطط في هذا الصدد؟

 

يؤكد التقرير أن الحكومات التي يسودها المسلمون قد وجدت أنه من الحكمة أن تسترضي الإسلاميين وأن تحقق لهم مطالبهم ومن أبرز وسائل الاسترضاء بصفة عامة (رفع مكانة الشريعة الإسلامية وجعلها أساسًا للتشريع- الحد من استخدام الكحول- تطبيق الحدود الإسلامية على المواطنين والأجانب على السواء- التشديد على مسائل الأعراف الاجتماعية مثل احتشام المرأة). ويقول التقرير في ص ۳۱ (وجدت العديد من الحكومات أنه من الحصافة أن تسير في هذا الاتجاه ولو بدرجات مختلفة وخاصة تلك التي تربطها علاقة وثيقة بالولايات المتحدة وهناك من الإسلاميين في هذه الدول من يدرك أن حكومته تحاول استرضاءهم أو أن توفق بينها وبينهم أو أنها تتراجع عن مواقف لها مع الأصوليين قبل أن يفوت الأوان ويصبح الوقت متأخرًا).

 

ويستشهد التقرير بتكنيك احتواء الإسلاميين في مصر فيقول (وبعد اغتيال السادات وجدت الحكومة نفسها في صراع مع الإسلاميين ولهذا اتبعت تكنيكًا لاحتوائهم حقق بعضًا من النجاح) ويقوم هذا التكنيك على الاسترضاء النسبي- انتقاء وقت استخدام القوة- تغيير منظورات شباب الأصوليين بعقد محاورات دينية معهم بقصد إعادة تعليمهم للدين. ويشير التقرير صراحة في ص ٥٤- ٥٥ إلى (أن هناك اعتقادًا بين أفراد الشعب المصري بأن الإسلاميين سوف ينفجرون مرة أخرى فى صورة مظاهرات أو اغتيالات، وإني لأرى أكثر من دليل على سيادة النفوذ الإسلامي الأصولي في الجامعات المصرية سواء بين شبابها أو أساتذتها).

 

الخروج من الساحة:

 

ثامنًا: هل هناك أمل في خروج الإسلاميين من الساحة؟

 

لا يرى التقرير أملًا في ذلك.. يقول السفير في ص ٥٦ (لن تبتعد الأصولية الإسلامية- في حكمي- عن الساحة، بل على العكس من ذلك سيبقى تشددها حيًّا لفترة من الزمن بسبب هذه العوامل الممتزجة مع بعضها مثل التناقضات الاقتصادية والاجتماعية السائدة، فساد نظم الحكم القائمة- ركود عملية السلام- تصرفات إسرائيل- تأييد الولايات المتحدة لإسرائيل).

 

المعالجة الأمريكية:

 

تاسعًا: هل بإمكان الولايات المتحدة أن تعالج مشاكلها مع الأصوليين؟

 

يعترف التقرير بأن الإجابة على هذا السؤال ليست سهلة وذلك لأن سياسة الولايات المتحدة تقوم على الحضور الكامل في المنطقة لضمان أمن ووجود إسرائيل وأن الولايات المتحدة سوف تستمر في تأييدها لإسرائيل ولن تقبل أن تجبر إسرائيل على تغيير موقفها. ولهذه الأسباب سيظل التصادم مع الأصوليين مستمرًّا.

 

قضية الإرهاب:

 

عاشرًا: هل الإسلاميون إرهابيون حقًّا؟

 

لا يشك السفير في أن مختطفي الطائرات (إرهابيون) لكنه يطالب بإعادة النظر فى مفهوم الإرهاب فهذا المفهوم فضفاض في نظره. وهؤلاء الإرهابيون كما يقول السفير لا يرون أنفسهم إرهابيين، بل هم جند الله الذين يستخدمون الأسلوب الوحيد الممكن لمحاربة القوة المادية الهائلة للولايات المتحدة، وهو- أي السفير- وإن يرى أن ذلك هو مجرد تبرير فإنه يدعو إلى تفهم هذه الأفعال، ليس في حدود هذه القسوة المجنونة لإرهابيين تقليديين إنما يجب أن تفهم على أنها مثير يتضمن أسلوبًا متشددًا لإجبار الولايات المتحدة على تغيير سياستها العدوانية فى الشرق الأوسط طمعًا في إزالة الوجود الأمريكي من المنطقة أو الحد من نفوذه.

 

يقول التقرير في ص ٤٧ (إنه إذا لم تفهم الأسباب والدوافع الحقيقية التي وراء تصرفات الأصوليين فإنه لن تفهم مطلقًا طبيعة الصراع الإسلامي- الأمريكي الحالي. سنظل نتحدث ونتحدث مع الآخرين بدلًا من أن نحل مشاكلنا مع الأصوليين. يقول «جوداه مانجز»: إن مونولوجين لا يصنعان حوارًا ومعنى هذا أن مشكلتنا مع الأصوليين يجب أن تخرج من حدود هذه المونولوجات التي لا معنى لها وأن تدخل معهم في حوار حقيقي).

 

المسلم والمواطنة:

 

حادي عشر: لماذا لا يقبل المسلم أن يعيش كمواطن من الدرجة الثانية؟

 

يقول السفير في ص ٤٩ من التقرير مكررًا بعض عباراته (إننا نؤمن بالفصل بين الدين والدولة ونجد صعوبة في إدراك إمكانية وجود نظم لا تقوم على هذا الفصل. ونحن أمة تعتقد في التحديث السريع وينظر معظمنا إلى الإسلام الأصولي على أنه أحد عوائق التحديث. ومنذ عدة قرون حينما كان الإسلام يسود المنطقة كان اليهود والنصارى يعيشون كذميين تحت حماية الدولة العثمانية لكن الموقف قد تغير اليوم. الآن في إسرائيل وفي الأراضي المحتلة وفي القدس يعيش المسلمون كذميين وكمواطنين من الدرجة الثانية. (إنه من الصعب على أي مسلم يعيش وفي خياله دائمًا تاريخه العظيم أن يقبل أن يكون مواطنًا من الدرجة الثانية. ولهذا فإن إقرار الولايات المتحدة بأن يعيش المسلمون كمواطنين من الدرجة الثانية يجعلها هدفًا لانتقادات الأصوليين).

الرابط المختصر :