العنوان الشعر الإسلامي المعاصر في مواجهة الأفكار الجاهلية (الجزء الثاني)
الكاتب أحمد الجدع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-مايو-1979
مشاهدات 78
نشر في العدد 447
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 29-مايو-1979
حمل بعض الفرس ممن لم يتمكن الإسلام من قلوبهم معهم أفكارًا جاهلية فارسية، وحاولوا إشاعتها في المجتمع الإسلامي، وحمل كبر هذه المحاولات نفر من الشعراء وعلى رأسهم بشار بن برد، فقد بقي هذا الشاعر على ولائه لما كان يعبد آباؤه من نيران المجوس، وبقي حب النار وتقديسها في فؤاده..
وهذا الحب للنار جعل الشاعر يفضل إبليس على آدم –عليه السلام-؛ لأن إبليس خُلق من نار، والنار معبودة الفرس الجاهليين، أما آدم فهو مخلوق من طين.
إبليس أفضل من أبيكم آدم
فتبينوا يا معشر الفجار
إبليس من نار وآدم طينة
والطين لا يسمو سمو النار!
وفي هذا المعنى يقول أيضًا:
الأرض مظلمة والنار مشرقة
والنار معبودة مذ كانت النار!
وقد دفعه هواه في حب النار إلى الزراية على بني آدم جميعًا ووصفهم بالفجار، وكأنه ليس منهم!
هذه النظرة الجاهلية، المغرقة في الانحراف والضلال، تصدى لها شاعر إسلامي معاصر هو الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري، ففندها بمنطق سليم، فالنار ما وجدت إلا للإحراق والإفناء، أما الطين فإنه موطن كل نبت حي، فهو موطن النماء والحياة، فحجة بشار داحضة وبرهانه ساقط، ويبقى آدم بطينته مكرمًا، وتبقى ذريته كذلك:
إبليس من نار وآدم من طينة
والنار لا تسمو سمو الطين
النار تفني ذاتها ومحيطها
والطين للإنجاب والتكوين
وافتخر بشار بالقومية الفارسية افتخارًا شديدًا، وألح على ذكر أصله الفارسي في كثير من قصائده، وهذه أمثلة لفخره بأصله الجاهلي:
أبي خراسان وأدعو عامرا
أكرم حي أولًا وآخرا
وفي قصيدة ثانية يقول:
من خراسان وبيتي في الذرا
ولدي المسعاة فرعي قد بسق
وفي قصيدة ثالثة:
أنا ابن ملوك الأعجمين تقطعت
علي، ولي في العامرين عماد
وفي قصيدة رابعة:
نمت في الكرام بني عامر
فروعي، وأصلي قريش العجم
ولو كان بشار مسلمًا مخلصًا لما ذهبت به العصبية هذا المذهب، وحتى في انتسابه لمواليه من العرب بني عامر، فإنه أكد على هذه الجاهلية الذميمة.
وعلى مر العصور تصدى الشعراء المؤمنون لهذه الدعوة المنتنة، وأكدوا الانتماء الإسلامي في شعر رائع سار على الألسنة وتناقله الناس جيلًا تلو جيل، ومن ذلك ما قاله نهار بن توسعة:
أبي الإسلام لا أب لي سواه
إذا هتفوا ببكر أو تميم
فليهتف الناس بقبائلهم، وليدعو لآبائهم، أما المسلم الحق فإنه لا يعرف موضعًا لفخر إلا بالإسلام والإسلام وحده.
ومن ذلك ما قاله عمران بن طعان:
ونحن بنو الإسلام والله واحد
وأولى عباد الله بالله من شكر
نعم، إنها أمة واحدة يجمعها الإسلام وتؤمن بإله واحد، وميزانها معرفة هذا الإله، ولا فرق فيها بين أسود وأحمر وعربي وأعجمي.
ويفتخر المسلم ويعتز، ولكن بما فعله للإسلام، وإذا افتخر بآبائه فيما ضحوا من أجل عقيدة الإسلام ولعل أجمل وأروع ما روي بهذا الصدد ما أجاب به ولد قتادة بن النعمان عندما سأله عمر بن عبد العزيز: من أنت؟ فقال مرتجلًا:
أنا ابن الذي سالت على الخد عينه
فردت بكف المصطفى أحسن الرد
فعادت كما كانت لأول أمرها
فيا حسنها عينًا ويا حسن ما خد
نعم إنه ابن الصحابي الجليل قتادة بن النعمان، ابن الرجل الذي أصيبت عينه في معركة أحد وهو يجاهد الجاهلية وينصر الإسلام، فسالت عينه على خده، فمد رسول الله يده إليها، وردها مكانها، فكانت أحسن عينيه.
وأدرك عمر بن عبد العزيز: رضي الله عنه روعة هذا الفخر الفخر بأعمال الرجال في سبيل الله، والفخر بمكارم الرسول على المؤمنين، ومرت بذهنه مفاخر الجاهلية الرخيصة، وتفاخرها بتوافقه الحياة، فقال:
تلك المكارم، لا قعبان بن لبن
شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
ومن هذا المنطلق السليم، وبهذا المفهوم العميق لمعنى الرابطة الإسلامية الواحدة والمفاخر الإسلامية لسلامية، تصدى الشعر الإسلامي المعاصر لدعاوى العنصرية المقيتة والجاهلية الذميمة، ففند دعاواها وبين أخطارها.
واهتم الشعراء الإسلاميون المعاصرون بدعاوى الجاهلية لأن الدعوة إلى القومية ذر قرنها في هذا العصر، وظهرت منظمة مدعمة من مؤسسات ودول، وهي تحمل في ثناياها مآرب ومقاصد تجد في الوصول إليها.
ويطول بنا الاستشهاد لو أردنا أن نسرد أمثلة شاملة لردود الشعراء الإسلاميين على دعاوى القومية ولكننا اعتزازه وفخره بانتمائه للإسلام، دين الله الخالد:
إذا أخذنا أنفسنا بإيراد أمثلة موجزة فإننا نورد صورتين للأستاذ عمر بهاء الدين الأميري يؤكد فيهما رفضه للانتماء القومي والإقليمي، ويؤكد الصورة الأولى ينفي فيها اعتزازه وانتماءه للإقليمية الضيقة، ويوجه من تسأله إلى الأفق الرحب الذي فتحه الإسلام أمام المسلم، فجعل انتسابه إلى كل رقعة من الأرض ارتفع فيها صوت التوحيد:
تقول: أمن سوريا؟ قلت: بل
من المشرقين، من المغربين
أنا مسلم، وبلادي أمتداد
الأذان المجلجل في الخافقين
وقومي، وأكرم بها عروة
فكل مصل بتكبيرتين
والصورة الثانية يبين فيها شاعرنا ما جرته على أمتنا هذه القومية الذميمة، فعندما نبذ الساسة الانتماء الإسلامي، وانحازوا للقومية الجاهلية نزلت بأمتنا النكبات، وأوضاع أدعياء القومية بلادًا إسلامية عزيزة، ظلت تحت حكم الإسلام مصونة كريمة، وعندما ظللتها القومية سلبها اليهود، وناهيك باليهود سالبين وغالبين!
وادعوها قومية، ثم نادوا
بدعاوى قد عم منها البلاء
ساسة الحكم نابذوا شرعة
الله، فحفت ديارنا البأساء
أسلموا لليهود مسجدنا الأقصى
وكانت طريقهم صنعاء
أي ضير تضيع منا فلسطين
ليبقى حكامنا الزعماء!
وأغرم الجاهليون بالملذات الدنيوية، وأسرفوا في تهالكهم على الخمر والنساء، وما يتبع ذلك من الغناء واقتناء القيان المغنيات، وحفل الشعر العربي بذكر الخمر والتمدح بها ووصفها ووصف آلاتها ومجالسها، وامتلأت قصائد الشعر العربي بذكر القيان وغنائهن، ولسنا بحاجة لإثبات ذلك إلى كبير عناء، فقد ألفت الكتب ذات المجلدات في هذه الأمور، وليس كتاب الأغاني، الذي بني على أشهر أصوات الغناء، هو الكتاب الوحيد في هذا المجال، وإن كان ذكره هنا فيه مغني ومقنع.
وجاء الإسلام فحارب هذه المباذل الجاهلية، وواجه المسلمون بحزم وعزم وقفة الجاهلية الصلبة دفاعًا عن هذه القيم، ولكن نقاء وطهارة مبادئ الإسلام انتصرت في النهاية على عفن المبادئ الجاهلية ونتنها، واضطر الإسلام مبادئ الجاهلية إن تتراجع وتنزوي في ركن قصي، ولكنها لم تلق سلاح المقاومة نهائيًا، بل انتظرت فرصتها، وما إن واتتها في عصور لاحقة، عندما تهافت بعض الملوك على ملذاتهم وأطلقوا العنان لشهواتهم، حتى عادت كما كانت، بل زادت في أحيان كثيرة من غيها وضلالها، وما إن جاء العصر الحديث حتى حققت مبادئ الجاهلية في الخمر والغناء نصرا كبيرًا بسيطرتها على وسائل الإعلام من صحافة وإذاعة وتلفزة، ولكن المبادئ الأصيلة التي ينطوي عليها الإسلام بقيت تقاوم، ولا زالت ماضية في مقاومتها، ونحن على ثقة بانتصار مبادئ الإسلام، لأنها المبادئ التي تنفع الناس وتقودهم إلى الحياة الشريفة العزيزة.
ويساهم الشعر الإسلامي في التصدي لهذه الهجمة الجاهلية، وخاصة في مجال لغناء لارتباطه الوثيق بالشعر.
ومن أمثلة ذلك ما حدث في الملتقى الفكري التاسع المنعقد في مدينة تلمسان في الجزائر سنة 1395هـ إذ ألقى الشاعر المصري صالح جودت قصيدة بعنوان: «دور الشعر والفن في تعزيز أخلاق الأمة أو انحلالها» يقول فيها:
وبئس ليل ما به آهة
من أم كلثوم ومن أسمهان
تتتنت
وكان يحضر الملتقى الشاعر الإسلامي يوسف العظم، فهب يرد على هذا الزعم الباطل من شاعر الباطل، هب يرد على هذا الصوت الجاهلي الذي يزعم بأن تعزيز أخلاق الأمة يكون بإطلاق التأوهات مع المغنيات.. يقول الأستاذ العظم موجهًا أبياته إلى صالح جودت في قصيدة طويلة منها:
تقولها عفوًا وأنت الذي
يوجه الجيل لبر الأمان!
وبئس ليل ما به آهة
من أم كلثوم ومن أسمهان
فأين أين السجدات التي
نسجدها لله، لا للقيان
وأين آيات الهدى رتلت
تزين الأكوان طول الزمان
وأين صدر نابض بالتقى
وأين سيف لا يقر الهوان
وأين إيمان به نرتقي
معارج الكون، ودين يُصان
وفي سنة 1967م هزمت الجيوش العربية التي أرسلت إلى ميادين القتال وهي تحمل معها صور الفنانين والفنانات، وتودع بأصوات المغنيين والمغنيات وهم ينشدون أغنيات الحب والغرام!
ولم تكد الأسابيع تمضي على هذه الهزيمة النكراء حتى صحا المنهزمون على همسات الشعوب المقهورة تنادي بالعودة إلى الله، وتطالب بإسكات أصوات الفجور والانحلال، فهبوا يدافعون عن مباذلهم، ويؤكدون رفضهم لكل ما يمكن أن يبعدهم عنها، وسارعوا إلى إحياء الرقص والغناء، وأغرقوا الناس بالأفلام الرخيصة والأغنيات الساقطة، وتعبيرًا عن إصرارهم على خط الفسق والانحلال أرسلوا «أم كلثوم» المغنية إلى باريس لتهتف، والهزيمة ماثلة أمام العالم «هذه ليلتي وحلم حياتي»!
وبقلب يعصره الألم انبرى الشاعر الإسلامي يوسف العظم لهذه الظاهرة المفجعة، وصاح في الغافلين صيحة الغيور على الحمى المنتهك والوطن المضاع، فقال:
كوكب الشرق ضاع قومي لما
تاه في حبك القطيع وهاما
منحوك الإعجاب، يا ويح قومي
وعلى الصدر علقوك وساما
فدعيهم في كل واد يهيمون سكا
رى، ونكسي الأعلاما
لا تغني الخيام يا كوكب الشرق
وتسقي من راحتيه المداما
ففلسطين لا تريد سكارى
وربى القدس لا تحب النياما
وكان للاندفاع الشديد لمظاهر الحياة الغربية في البلاد الإسلامية أثره في اتجاهات كثيرة من الشباب، فقد انبهر هؤلاء الشباب بالألق الزائف لهذه الحضارة، وخضعوا لها واستسلموا لمفاهيمها وقيمها، بل أن بعض طلابنا الذاهبين إلى أوروبا وأمريكا ممن لم يتزودوا بشكل كاف من الثقافة الإسلامية، رجعوا من هناك يحملون الثقافة الغربية والحياة الغربية، وأخذوا يعملون على نشرها بين أهليهم وذويهم، بغض النظر عن ملائمة هذه الحضارة لمجمعاتهم، بل إن بعض هؤلاء الشباب غرق في حب الغرب وحياته لدرجة مخزية ومحزنة، فعندما لم يستطع أن يحول وطنه إلى قطعة من الغرب رجع إلى هناك بعد أن وجه لوطنه وأهله الإهانات والشتائم، وقد ذهب حب الحياة الغربية بشاعر مثل الدكتور أحمد زكي أبو شادي أن ينزل وطنه «مصر» بالمزاد ويرخص ثمنها، فهي عنده لا تساوي نفحة واحدة من ضباب محبوبته «لندن»، يقول في قصيدة يناجي بها لندن من مجموعته «مختارات من وحي العام»:
من مبدلي شمس مصر
بنفحة من ضبابك!!
هذا الشاعر الذي فشل في كل الأعمال التي مارسها في مصر، أراد أن ينتقم لنفسه من وطنه، فأفرغ فشله في قصيدة يزري فيها بمصر، ويمدح بها لندن ويتمنى لو نال نفحة من ضبابها بشمس مصر الساطعة! أرأيت كيف تنتكس الفطرة الإنسانية؟!
رجل يبيع وطنه بنفحة من ضباب بلد كان لا يزال جاثمًا على صدر وطنه، كاتمًا أنفاس مواطنيه! رجل يفضل الضباب بما يوحيه من ظلام وشك وضياع على شمس بلاده بنورها وجمالها وحيويتها؟ هذا هو النموذج الذي يضعه دعاة التغريب أمام أجيالنا، ويرفعون قدره، ويمجدون شاعريته! هذا الشاعر المستغرب لم يستوعب معنى قول الشاعر العربي:
بلادي وإن جارت علي عزيزة
وأهلي وإن ضنوا علي كرام
هذا هو موقف الإنسان الذي يحترم نفسه ويكبر ذاته، فالوطن هو الوطن مهما قست فيه الحياة، والأهل هم الأهل وإن قسوا وضنوا.
وإذا كان الإنسان العربي التائه قد فتنته لندن: فركع أمام إغرائها خاضعًا مستسلمًا، ناسيًا ما قاساه قومه من ظلم الإنجليز وبغيهم فإن الإنسان المسلم الذي زار لندن لم ير فيها سوى المظالم والطغيان فلم يفتنه نهر التيمز بضبابه بل انعكست على صفحة مائه كل خطايا الإنجليز في ربوع الإسلام واكتشفت عنده سوء النية وقبح الطوية التي تسيطر على عقول الإنجليز، وتملأ قلوبهم، فتوجه تصرفاتهم هذا ما رآه الشاعر الإسلامي كمال رشيد في لندن بنهرها وضبابها، فترجمه بهذه الأبيات المعبرة:
أية نهر الظلام، نهر المظالم
سر كما شئت في الوجود وخاصم
أنت جرعت أمتي كأس ذُل
أنت أسلمت شعبنا للهزائم
رضع الحقد منك بلفور حتى
كان عونًا لكل خصم وظالم
أية زرق العيون سود الطوايا
سوف يصحو من كان من قبل نائم
أرضكم ساحة الفساد وأرضي
واحة الطهر والهدى والمكارم
وقارن أيضًا بين ما جازى به أبو شادي وطنه من عقوق وما قابلها به من ازدراء، وبين ما يوليه الشاعر المسلم منذر الشعار وطنه من حب ووفاء:
إذا غادرت شمس هدى وفضل
وناداك الضباب اللندني
فماذا في كيانك للصحارى
وماذا بعد أنك أجنبي
فشمس مصر عند أبي شادي، مكروهة ملفوظة، وضباب لندن عند معشوق ومحبوب، يود لو نال منه نفحة بشمس مصر! خسر البيع، خسر البيع!
أما ضباب لندن عند الشعار فهو رمز الضلالة والزيف والغربة، يقابله شمس بلاده رمز الهدى والنور، بل إن صحراء بلاده، على ما توحيه أفضل عنده بأبعاد وآماد من لندن بكل ما توحيه من رقي مزعوم وتقدم ملغوم على أن التقدم والرقي إصلاحات يختلف في تعريفهما وفهمهما المهتدون والضالون!
وبعد، ما أسوأ ما قدمته الجاهلية للناس في كل العصور، وما أشد ما جنته على الأجيال والأمم! وما أروع ما قدمه الإسلام من قيم نهضت بالأمم وغمرتها بأنوار العدل والأمان.
فهل لنا إلى الإسلام من رجوع؟ وهل لنا بعد كبوة من نهوض؟
الأمل معقود على رحمة الله، ثم على المؤمنين من الرجال ومنهم الشعراء.
كل السيوف احتمال في معاركنا
حسماء، وسيف رسول الله مضمون