; القذافي وسياسة الهروب إلى الأمام ...؟ | مجلة المجتمع

العنوان القذافي وسياسة الهروب إلى الأمام ...؟

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يونيو-1993

مشاهدات 76

نشر في العدد 1054

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 22-يونيو-1993

  •  

    ·       القذافي يقول في خطاب ألقاه عام 1989: «الحركات الإسلامية تعتبر زندقة، والذي يدخل فيها يستباح دمه، وهو زنديق لا بد من سحقه».
    ·       عدد الليبيين المعارضين المقيمين خارج ليبيا يزيد على 50 ألفًا، وهذا رقم كبير مقارنة بعدد السكان.

    الخطاب الرسمي حول «الدولة الجماهيرية» التي تكون فيها السلطة والثروة والسلاح بيد الشعب، وتقوم على المبادئ الإسلامية، وأما على المستوى الخارجي فقد تركزت الأولويات على تحقيق الوحدة والتضامن العربيين بدرجة أولى، وعلى صعيد القارة الأفريقية باعتبار أفريقيا العمق الاستراتيجي للفضاء العربي بدرجة ثانية، مع التصدي للإمبريالية والصهيونية.

     لكن بالنظر إلى الواقع ماذا تحقق من هذه المبادئ؟ وما مدى مساهمتها في تفاعل الشعب الليبي وبقية الشعوب العربية والإسلامية الإيجابي للخروج من الأزمة الحضارية التي تعيشها الأمة؟ أم أنها بقيت مجرد شعارات فضفاضة استفزازية تسببت في إنهاك الرأي العام في الداخل والخارج، وتحريك القوى الدولية الكبرى لضرب طاقات البلاد واختراق الصف العربي؟

     

    المرتكزات الفلسفية للكتاب الأخضر

    يمثل الكتاب الأخضر والنظرية العالمية الثالثة المرتكزات الأساسية التي تجسد العقلية السياسية للقيادة الليبية، فهذه «الأسس النظرية» تعتمد مقولات أراد منها صاحبها أن تكون وسطًا بين الماركسية والإسلام، ومن أكبر الشعارات التي نادى بها أن السلطة والثروة والسلاح بيد الشعب في دولة جماهيرية، التحزب فيها خيانة، والناس «شركاء لا أجراء»، ومعلوم أن مثل هذه المقولات لم تكن وليدة مخاض اجتماعي واقتصادي وسياسي داخل الشعب الليبي، وإنما قامت على تصورات ورؤى واجتهادات فلسفية تبناها القذافي، ولكن المحللين يعتبرونها خليطًا من النصوص الماركسية ومن القراءات لمفكرين اجتماعيين وسياسيين قدامي/ قدامى ومعاصرين، والأرجح أنها جاءت لتكريس سلطة العقيد، بعد أن تبين فشل سياسة «الثورية» في السنوات الأولى من حكمه.

     

    فالذي رفع شعار «من تحزب خان» هو الذي كون حزبًا باسم «الاتحاد الاشتراكي العربي» عام 1971 في إطار «الجمهورية العربية الليبية»، قبل أن يتحول إلى لجان ومؤتمرات شعبية ومحورية في عهد الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية، في بداية النصف الثاني من السبعينات، وبالتحديد في 2 آذار 1977 تاريخ مؤتمر سبها، والزعم بأن السلطة والثروة والسلاح بيد الشعب يناقضه الواقع منذ أن قامت «ثورة الفاتح».

     

    القوانين الاستثنائية وتكريس السلطة

    ففي نفس اليوم 11/12/1969 الذي أعلن فيه عن الدستور المؤقت للنظام الجديد، تمت المصادقة على «قانون حماية الثورة»، يعاقب بمقتضاه بالإعدام كل معارض مسلح، وبالسجن كل إنسان انتقد النظام، أو شارك في مظاهرة أو إضراب ضده (1) ورغم أن هذا الدستور لا يتحدث عن رئيس دولة أو رئيس مجلس قيادة الثورة إلا أن الواقع يؤكد بأن القذافي هو الرئيس الفعلي لهذا المجلس، وأصدر عدة قرارات وقوانين باسم المجلس، وشكل الوزارة برئاسته في أكثر من مرة، وترأس المجلس الأعلى للهيئات القضائية، والمجلس الأعلى للتخطيط والقوات المسلحة وعين نفسه القائد الأعلى لها، وأصدر الأوامر بتلك الصفة بالدخول في معارك مسلحة في أوغندا ولبنان والتشاد، وإرسال وحدات عسكرية إلى كوبا ونيكاراغوا ورومانيا، وشكل محاكم عسكرية وثورية لمحاكمة المعارضين، واحتفظ بحق تشديد الأحكام والوصول بها إلى الإعدام، وإصدار الأوامر بتنفيذها، وانفرد بتحديد شكل نظام الحكم، وتحديد الاتجاه السياسي للدولة عن طريق فرض الكتاب الأخضر والنظرية الثالثة، ووقع اتفاقيات تعاون ومعاهدات عسكرية مع العديد من رؤساء الدول، وقام بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الدول، وأعاد تلك العلاقات لأسباب يحددها هو وحده، والمبررات لا يشاركه فيها الشعب الليبي... وحتى «مؤتمر الشعب العام» الذي يعتبر أعلى سلطة في ليبيا لا تملك وفوده- وليس نوابه «يختارهم الشعب، أو بالأحرى اللجان الشعبية برفع اليد وليس بالانتخاب»- حق القرار، ودورهم يتمثل في نقل توصيات اللجان الشعبية (2)، وكل الحوارات داخل هذه الهياكل ليست من باب المشاركة الفعلية والمباشرة في السلطة، لأنها لا تصل إلى مستوى اتخاذ القرار الرئيسي، واستغلها النظام للتنفيس عن الشعب وتحويل الرأي العام عن أزمة الشرعية الدستورية التي يعاني منها النظام بعد أكثر من 20 سنة من الحكم.

     

    يقول القذافي في أحد خطبه: أنا لم أحكم ليبيا ولا ليوم واحد؛ لأني عارف نفسي دكتاتور، وما نقبل شريك في الحكم، وأنا لو كنت نحكم، نحكم بالحديد والنار، ونجركم للجنة بالسلاسل، وعلشان عارف نفسي دكتاتور، أنا ما حكمتش أبدًا، وسلمت السلطة للشعب من أول يوم.

     

    التدهور الاقتصادي وفشل السياسات

    وخلاصة كلامه أن الانحرافات الحاصلة ليس مسؤولًا عنها رأس السلطة، وإنما الشعب، وتدخل في هذا الصدد كل أخطاء التسيير على المستوى الاقتصادي والاجتماعي وكذلك السياسي والعسكري.

     

    ففي المجال الأول، فإن الواقع اليوم يعكس وضعًا اقتصاديًّا متدهورًا، قد يكون للحصار الدولي دور مهم في تكريسه، ولكن علاقات التوتر مع الغرب وأمريكا بالخصوص لم تتحول- رغم قدمها- إلى حصار فعلي إلا خلال السنوات الأخيرة، فأين البنية الاقتصادية القوية بعد حوالي ربع قرن من الحكم بالنظر إلى الثروات المادية التي تتمتع بها ليبيا؟ أين عائدات كنوز النفط والغاز والمشاريع الضخمة مثل «النهر الصناعي العظيم» وفوائد الامتيازات الاستراتيجية الجغرافية- السياسية «موقع مميز- سواحل ممتدة آلاف الكيلومترات على البحر الأبيض المتوسط- تعدد الجيران العرب والأفارقة.. على شعب لا يتجاوز الـ 4 ملايين نسمة؟ وتكفي الإشارة إلى خطاب القذافي بمناسبة الذكرى الـ 23 لثورة الفاتح، والذي اعترف فيه بعجز الخزانة العامة الليبية عن دفع رواتب بعض الموظفين المدنيين، وهدد بأن عدم الانصياع للقرارات الثورية سوف يدفعه إلى إغلاق البلاد لمدة شهر أو شهرين، وتحويلها إلى نار ودخان، والعجز المالي صورة مصغرة من فشل السياسات الاقتصادية باسم الاشتراكية الجماهيرية.

     

    ويؤكد شهود عيان وجود مظاهر الفقر في ليبيا، وسيطرة الأجانب على إدارة الحياة الاقتصادية في المجال التجاري، وحتى الفلاحة في جنوب البلاد يقوم عليها أجانب، بحيث يشتغل الليبيون في خدمات النقل «سائقو سيارات أجرة» أو يضطر شبابهم إلى الاندماج في الجيش باعتباره القطاع الذي يتمتع بامتيازات، كما انتشرت السوق السوداء في اتجاه مالطا وتونس.

     

    الإنفاق العسكري والأمني

    أما عن مجالات إنفاق الثروات الليبية، فإن جزءًا كبيرًا منها ذهب إلى عدة منظمات وحركات ثورية مثل الجيش الجمهوري الأيرلندي باسم مساندة حركات التحرر الإمبريالية، إلى جانب المبالغ الطائلة التي تصرف في التسلح وحماية النظام، وأمن القذافي.

     

    ففي مجال التسلح، تعتبر ليبيا إلى وقت قريب أحد كبار موردي السلاح في العالم، وتمتلك أسطولا عسكريًّا هائلًا فالإحصائيات تشير إلى أنه خلال عشرية السبعينات، ارتفع مبلغ الاستثمارات إلى 10984 مليون دولار واستورد الجيش الذي بلغ عدد رجاله 55 ألف رجل عام 1980 قرابة 40% من الأسلحة المباعة في أفريقيا بنسبة سكانية أقل من واحد على مئة بالمقارنة إلى مجموع سكان القارة، وأغلب الأسلحة المستوردة من الاتحاد السوفييتي، ونتيجة لهذا التسلح الليبي المكثف ارتفعت ميزانيات التسلح في دول المنطقة المجاورة لليبيا (3).

     

    وفي الجانب الأمني أحاط النظام الليبي نفسه بقوات خاصة محلية وخارجية، والعديد من الملاحظين يعتبرون أن اللجان الثورية أحد ركائز النظام الحالي هي بمثابة «حراس الثورة» الساهرين على إثبات ولاء الجماهير للسلطة عبر الحملات الدعائية، والتكوين الأيديولوجي، ومراقبة المعارضين، بمعية رجال المخابرات المنتشرين في كل مكان.

     

    قمع المعارضة والتصفيات الجسدية

    وقد استغل النظام الشعار الذي فرضه «من تحزب فقد خان» لضرب كل نفس تحرري أو معارض داخل دائرة السلطة أو خارجها، وقد انطلقت المحاكمات السياسية منذ الأيام الأولى من الانقلاب في 1969 في صفوف أعوان النظام الملكي السنوسي، ثم في صفوف الجيش، بل ضد عناصر من مجلس قيادة الثورة نفسه وفي صفوف المثقفين والطلبة والحركات السياسية، وعلى رأسها ذات الانتماء الإسلامي، والجدير بالملاحظة أن سياسة القذافي مع خصومه تتنزل فيما يسميه بالتصدي لأعداء الثورة.

     

    وهذا النعت كان ومازال بمثابة السيف المسلط على رقاب كل من تسول له نفسه الإصرار على عدم الخنوع إلى الأوامر المفروضة على الشعب، بل إن القذافي تبنى علنًا في العديد من المناسبات التصفية الجسدية في الداخل والخارج ضد «أعداء الثورة»، فقد خطب في 7/4/1976 قائلًا: «أنا بدأت المعركة، والله العظيم لن أتراجع حتى ينزف الدم ويجري في الشوارع مع أعداء الثورة....». وقد أعلن في خطاب له في 8/3/1979 بأنه «إذا حكم على شخص بالإعدام في أي مكان من العالم لأنه ضد الثورة، عليكم أن تعملوا من أجل أن ينفذ هذا الحكم فيه في أي مكان من العالم».

     

    الموقف من الحركات الإسلامية

    أما فيما يتعلق بتعامل القذافي مع الإسلاميين، فقد قام عام 1989 باعتقال الآلاف من شباب ليبيا الملتزم دينيًّا، وأعدم العشرات منهم، وقد أشار إلى ذلك بمنتهى الوضوح في خطابه الذي ألقاه في 7 أكتوبر 1989 حيث قال: «الحركات الإسلامية تعتبر زندقة، والذي يدخل فيها يستباح دمه، ولا يمكن أن تشفع فيه شفاعة الشافعين، وهو زنديق لا بد من سحقه، هو مسكوه بس علشان يأخذوا منه الحقائق، أما هو مفروض قتل على الفور»، ثم أضاف: «من الآن فصاعدًا كل واحد تثبت عليه الزندقة يسحق فورًا».

     

    ومن بين الحركات الإسلامية المعارضة ما يطلق عليهم اسم «الإخوان المسلمون» و«الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا» التي أسسها محمد يوسف مقريف عضو سابق في مجلس قيادة الثورة، وسفير سابق للجمهورية الليبية في الهند، وذلك في أكتوبر 1981 بالخرطوم. وتصدر هذه الجبهة مجلة «الإنقاذ».

     

    التناقضات السياسية والتحولات الخارجية

    ومن خلال ما تقدم يتبين وجود توتر داخلي بسبب عدم توفر قنوات تعبير حقيقية للمعارضة السياسية، عدا الهياكل القائمة تحت إشراف السلطة «المؤتمرات واللجان الشعبية» مما يفسر اضطرار المعارضة المنظمة إلى السفر إلى الخارج، وتقول الإحصائيات إن 50 ألف ليبي معارض يعيشون في الخارج عام 1985، على نسبة سكانية لا تتجاوز 3 ملايين دون الأخذ بعين الاعتبار عدد الأجانب المقيمين في ليبيا» (6).

     

    وأمام هذا الوضع فإن دولة الجماهيرية تحولت تدريجيًّا إلى نظام قبلي، تتزعم فيها قبيلة القذاذفة «نسبة إلى القذافي، الاسم الأصلي قذاف الدم»، وتشير مصادر متعددة إلى أن «الثروة» والسلاح والسلطة احتكرتها القبائل الكبرى بحيث تجد مكتوبًا على الحائط شعار «الثورة يحميها القذاذفة والمقاريف» نسبة إلى «المقريف»، وتسمى قبيلة جلود بـ «الحصاينة»، وتتواجد هذه القبائل في الجنوب بالخصوص، في حين تتمركز اللجان الثورية في المدن.

     

    الخروج من العزلة والتنازلات الدولية

    وأثرت هذه العزلة على مواقفه من حرب الخليج الثانية، والتي اعتبرها حربًا لا طائل منها، وفي 11 آذار «مارس» 1991 عاب أمام رؤساء المغرب العربي موقف العراق تجاهه. والخطوة الموالية التي سار فيها القذافي محاولة إرضاء الأمريكان، فقد صرح يوم 27 آذار 1991 بقوله: «إذا كان الأمريكان يرغبون في إعادة العلاقات معنا فأهلًا وسهلًا بهم» لكن قائد الثورة يعلم جيدًا الثمن الذي يجب دفعه لتطبيع العلاقات مع القوى الكبرى.

     

    فماذا سيكون موقف الفلسطينيين لو علموا يومًا بأن القذافي مستعد لزيارة الكيان الصهيوني مقابل رفع الحصار عنه، وتطبيع العلاقات معه؟ عندها يسقط شعار التصدي للإمبريالية والصهيونية في الماء، وتحكم التجربة الليبية على نفسها بالإفلاس والموت.

     

    الهوامش:

     (1) Encyclopédie Universalis ص 756.

     (2) نفس المصدر ص 757.

     (3) ليبيا المعاصرة، جوليات باسيس، دار هرماتان – فرنسا 1986 – ص 127-129.

     (4) نفس المصدر ص 123.

     (5) سياسة أفريقيا الليبية روني أوتاياك، دار كارتالا– فرنسا– 1986، ص 80.

     (6) ليبيا المعاصرة، ذكر سابقًا، ص 173.

     (7) مجلة الإنقاذ، السنة الثامنة، العدد 31، مايو 1990.

     (8) سياسة ليبيا الأفريقية، ذكرت سابقًا، ص 208.

     (9) مجلة أفريقيا الفتاة، جون أفريك، عدد 1580- 10-16/10/1991.

     

    اقرأ أيضا:
    الكتاب الأخضر

     


     


     


الرابط المختصر :