; الإسلام والكونغرس «٤٢».. حركة أمل والابتعاد عن النموذج الخميني | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام والكونغرس «٤٢».. حركة أمل والابتعاد عن النموذج الخميني

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 20-مارس-1990

مشاهدات 67

نشر في العدد 959

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 20-مارس-1990

  • الغارات الإسرائيلية تدفع أمل إلى الصدارة في مجتمع الشيعة.
  • تدهور العلاقة بين أمل وفتح بدأت منذ عام 1980.
  • أمل تؤيد انتشار الجيش وسلطة الحكومة للحد من نشاط الفدائيين.
  • نسبة الجنود في الجيش اللبناني تسير لصالح المسلمين بعكس نسبة الضباط.
  • شمس الدين طلب من القوات الفلسطينية الانسحاب من القرى في الجنوب.

عرضنا في الحلقة السابقة من هذه الدراسة عن أمل للنقاط التالية: حقيقة العلاقة بين أمل وإيران، وكيف أن شيعة لبنان لا يرحبون بالنموذج الخميني، ورأينا الأبعاد الاجتماعية والسياسية لحركة أمل، والعلاقة بين الفلسطينيين وسكان القرى، وكيف ارتبط سكان القرى بأمل، وبينا أن الهاجس الأساسي عند القرويين كان هاجس الأمن الذي شعروا بإمكان توفره في أمل، ولذلك ارتبطوا بها، وها نحن نستكمل طرح بقية القضايا في هذه الحلقة.


45- انهيار الأهداف المثالية للحرب:

ومع تعدد الميليشيات والجماعات في لبنان، كان هناك إفراط في البرامج السياسية المليئة بالوصفات المتعددة لشفاء أمراض لبنان، ومن المهم في هذا الخضم من الاقتراحات السياسية أن نتعرض لبيان السبب الذي يصعب من أجله تحديد البرنامج السياسي لأمل، أو أي جماعة سياسية أخرى، ومن المهم أيضًا أن نعرف أن المثاليات الكبرى التي يعتقد الناس فيها ويحاربون من أجلها هي نتاج خسائر أي حرب. لقد بدأ الصراع اللبناني في عام 1975 وكان يلاحظ تضاؤل مثاليات المشتركين في الصراع بصورة ملفتة للانتباه، وفي الوقت الذي كانت تدعي فيه الميليشيات المتحاربة أن لها عقلانية سياسية، كان الصراع بينها يصل وبسرعة إلى شكل من أشكال البراغماتية العسكرية، تبدأ الحروب بأهداف كبرى ثم يدور الصراع على أهداف صغرى، لقد انطلقت حوادث العنف المتعددة من شرارة تافهة مثل المواجهة عبر نقطة تفتيش، أو قتل، أو خطف الأصدقاء والأقارب، أو مجرد الرغبة في الحصول على مكسب أو غنيمة، وعادة ما تبرر الحرب وقتال الناس فيها بالأهداف المستقبلية التي يسعون إليها. أما في بيئة مثل لبنان فإن استئصال الظروف التي ولدت الصراع لن يتحقق إلا باستنفاذ طاقة المتقاتلين، أو بحدوث نتائج حاسمة تتمثل في تحقيق نصر أو حدوث هزيمة.


46- جدول أعمال الحركة ومشكلة عدم الأمن:

كانت أمل تتحرك قبل غزو 1982 عبر خطين مكملين لبعضهما، الخط الأول خط غير معروف على المستوى العام، أما الخط الثاني فهو معلن، وكما رأينا على المستوى المحلي فإن الدافع الأساسي للانضمام للحركة أو تأييدها، ينحصر ببساطة في إسعاف لبنان من مشكلة عدم الأمن، وهي تلك المشكلة التي تضرب بأطنابها في كل أنحاء لبنان، وكان يعتقد أن مصدر التهديد الأساسي لأمن المجتمع الشيعي هو الفدائيون الفلسطينيون ومؤيدوهم في الحركة القومية اللبنانية، ولهذا نُظر إلى أن وجود المقاتلين الفلسطينيين وحلفائهم يعني دعوة للهجوم الإسرائيلي، ولم يكن الخوف مرتكزًا على الهجمات الإسرائيلية فقط، وإنما لأن جوار الفلسطينيين كان يعني أيضًا مصادرة الأراضي الزراعية والمباني العامة والخاصة، والتعرض للتهديد والأذى الدائمين، ولا يأتي التهديد في الفدائيين فقط، وإنما من جماعات مسلحة وجماعات شبه عسكرية عبر لبنان. أدت الغارات الإسرائيلية المتوالية- سواء أكانت بالمدفعية أم بالقوات الجوية- إلى تشتت مواقع الفدائيين، وكان الفلسطينيون أهدافًا سهلة للبنادق الإسرائيلية، أما الذين دفعوا الثمن فهم القرويون، ومن هنا كان مصدر قوة أمل في أنها ستقيد حركة الفدائيين، وتجعلهم هم أنفسهم الأكثر تعرضًا للهجوم الإسرائيلي، وبناء على ذلك يمكن القول بأن جدول أعمال أمل الضمني يعمل على إبعاد الفدائيين من الاقتراب من المجتمع الشيعي وإضعافهم بالتالي.


47- آثار نمو حركة أمل على التنظيمات الأخرى:

كان من المستغرب أن تجد اعترافًا بآثار نمو الحركة من قبل الرسميين فيها، ومن قادة التنظيمات المكونة للقوات المشتركة، لقد كانت تلك الجماعات مهددة في الغالب- وبطريق مباشر- من انبعاث الحركة، وكانت قد شنت حملات هجومية تهدف إلى استئصال الحركة، وإبعادها عن الساحة، من هذه التنظيمات على وجه الخصوص الجبهة العربية التي كان ارتباطها ببغداد مثيرًا لكراهيتها لأمل، كما كانت الفئات الشيوعية المختلفة منافسة قوية لأمل في تجنيدها للشيعة، وضمهم لصفوفها.


48- أمل-فتح:

وفي الوقت الذي اعترف فيه المسؤولون في فتح بأن أمل تشكل لهم تهديدًا قويًّا، فإنهم قد سلموا في الوقت ذاته بحتمية الحفاظ على إظهار علاقات طيبة مع معظم التنظيمات الشيعية على الأقل، وقد تجنبت فتح الدخول في عداء مع أمل؛ إلا أن الرسميين في أمل قد سارعوا إلى التعبير عن عدم ثقتهم في فتح، واعتقدوا بأنها تحرض على القيام بأنشطة معادية لهم؛ لكنهم اعترفوا في نفس الوقت بالفائدة المؤقتة التي يمكن أن يجنُوها من التنظيم الأكبر: منظمة التحرير. نظرت أمل إلى المنظمة كوسيط هام، وتشكل فتح بلا جدال تنظيمًا متفوقًا في القوات المشتركة، وهي الجماعة الوحيدة القادرة على فرض انضباط على معارضي أمل، وكانت أواخر مارس 1980 هي الفترة الانتقالية في العلاقة مع فتح؛ حيث اشتعلت معركة دموية في الشوارع بين أمل من جانب والجبهة العربية والتنظيم الشعبي الناصري من جانب آخر، وقُتل فيها سبعة وعشرون فردًا، مما أدى بياسر عرفات رئيس فتح ورئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة إلى أن يقطع حضوره لمؤتمر فتح الرابع في دمشق، والعودة فورًا إلى بيروت للتوسط في حل الصراع.


49- اتجاهان داخل أمل حول الوجود الفلسطيني المسلح:

مع صيف 1980 كان هناك اتجاهان داخل حركة أمل حول الوجود الفلسطيني المسلح، كان أكثر الاتجاهين اعتدالًا نابعًا من التعاطف مع القضية الفلسطينية والاعتراف بعدم إمكانية إنهاء وجود الفدائيين بحل سريع وسلمي، وبأن أعداء أمل يرتبطون بحكومتي العراق وليبيا. لم تكن فتح بالنسبة لأصحاب هذا الاتجاه مجرد وسيط يمكن الاستفادة منه، بل إنها حليف يجدر التحالف معه. أما أصحاب الاتجاه الثاني وهو الاتجاه السائد في الجنوب حتى الثمانينيات، فيعتقدون أن المقاتلين الفلسطينيين وكل الأجانب الآخرين المتطفلين هم المسؤولون عن استمرار متاعب لبنان، ولهذا فهم يرون أن أي علاقة مع فتح أو أي تنظيم آخر للفدائيين مسألة تكتيكية وانتقالية فقط. وبالرغم من هذا الخط المؤيد للفدائيين سواء من جانب المسؤولين في الحركة، أو من جانب الجريدة الأسبوعية لأمل؛ فإن هذا الود الجزئي بين أمل وفتح فسد باضطراد في الفترة من 1980 إلى 1982، حيث ازدادت الصدامات بينهما، وتلاشت دعوى التفاهم، وفي حين حاولت فتح الحفاظ على بعض الضبط فوق الحركة عبر لجنة محلية مشتركة تسيطر هي عليها أصلًا، وعبر أشكال أخرى من الضبط والتهديد؛ فإن التشتيت الجغرافي لأمل وانتشار قيادتها، ونمو وسرعة التأييد لها، قد جعل محاولات فتح غير مؤثرة بشدة.


50- أمل والجيش اللبناني:

ومن بين الأهداف غير المعلنة للحركة التي تستحق المزيد من التركيز عليها، هو تأييدها العام المستمر لانتشار الجيش اللبناني في كل لبنان، وفي الوقت الذي مثلت فيه الجبهة اللبنانية والحركة القومية اللبنانية أبنية شرعية بديلة؛ فإن أمل التزمت بثبات بإعادة تأسيس سلطة الحكومة المركزية، وهذا اتجاه محافظ تمامًا، يبدو منه أنه يخدم مصالح جماهير الشيعة التي تفكر في الأمن، وفي قدر عادل من السلطة. ولم يكن اتجاه أمل هذا مرغوبًا فيه عند حلفائها السابقين الذين استمرت نظرتهم إلى الجيش على أنه قوة يسيطر عليها المارون تعارض- وعلى وجه التحديد- الحركة القومية وحلفاءها من الفلسطينيين. وبالرغم من صعوبة الوقوف على الأرقام التي تعكس الشكل الطائفي للقوات المسلحة اللبنانية؛ فإنه يمكن القول بأن تجنيد الضباط يسير تمامًا عبر خطوط طائفية صارمة، خمسون من المسلمين، وخمسون من المسيحيين، مع توزيعات مناسبة داخل كل فئة أساسية من هاتين الفئتين، تضم تحتها قائمة بحوالي سبعة عشر مذهبًا، وهناك بعض التقديرات التي تقول إن نسبة الجنود تسير لصالح المسلمين، أما نسبة الضباط فتسير لصالح المسيحيين، وتعكس سيادة المارون من رتبة الرائد فأعلى. ويأتي تأييد أمل للجيش اللبناني مؤكدًا لموقفها المضاد للقوات المشتركة، وأدى موقف أمل هذا إلى تغذية الشكوك حولها- أو حول جانب منها على الأقل- في أنها ليست إلا غطاء مكتب مخابرات الجيش اللبناني، وبالرغم من أن تأييد أمل زاد من حرارة بعض القلوب في هذا الجيش؛ فإنه لم يظهر أن الجيش قد قدم دعمًا هامًّا لأمل.


51- أمل والحكومة:

بالإضافة إلى تأييد أمل للجيش؛ فإنها فكرت في إشراك نفسها في أي برنامج أو أي مؤسسة ترمز إلى الحكومة الشرعية في لبنان، كما انتهزت علاوة على ذلك كل فرصة تُلزم الحكومة فيها بتوسيع سلطتها، وكما لاحظنا سابقًا فإن أمل قد ركزت باستمرار على عدم تحيز الحكومة إلى جانب هؤلاء الذين يعيشون المأزق في الجنوب، ومن أكبر الأمثلة على هذا الاتجاه هو مجلس الجنوب الذي أُنشئ عام 1970، وكان يهدف إلى تغذية التنمية الاقتصادية فيه، أدى الفساد المتفشي في المجلس إلى أن يكون هدفًا مستمرًّا لنقد واحتجاجات أمل. في سبتمبر 1980 احتلت أمل مكاتب المجلس في صيدا، ومنعت العاملين فيه من دخول المبنى، وطالب نبيه بري في نفس الوقت بتعويضات مناسبة ومحددة لهؤلاء الذين تضرروا ومن فقدوا أملاكهم، وهددت أمل الحكومة بالإطاحة بالمجلس إذا لم تستجب لمطالبها. يعني كل ذلك أن أمل قد اختارت هدفًا مربحًا بهجومها على المجلس، وأنها بذلك قد اختارت قضية ذات اهتمام عام، وأجبرت الحكومة الضعيفة لرئيس الوزراء سليم الحص على أن تتخذ موقفًا أو تبدي اهتمامًا على الأقل برفاهية المواطنين، وبهذا تكون أمل قد ربطت نفسها بذكاء مع المهمة الحكومية الشرعية.


52- أمل وسوريا:

وعن علاقة أمل بسوريا فإنه يجب الاعتراف بأنها محكمة، هناك تسليم بأن أسلحة أمل تصل إليها عبر سوريا، وأن السوريين لعبوا دورًا هامًّا في تدريب ميليشيات أمل منذ 1980 على وجه الخصوص، في فبراير 1982 أكد بري علاقة حركته مع حكومة دمشق في بيان أبرز فيه العلاقات الخاصة العسكرية والأمنية والاقتصادية والثقافية بين سوريا ولبنان، وأن إسرائيل هي عدو لبنان الرئيسي. وكانت علاقة أمل بسوريا برهانًا آخر على الخطر الذي تشكله أمل على القوات المشتركة، ومنذ يونيو 1976 وإثر التدخل السوري إلى جانب الجبهة اللبنانية، أصبحت العلاقات بين سوريا وفتح وحلفائها باردة جدًّا، إلا أنه يجب أن نعيد إلى الأذهان أن موسى الصدر كان قد تخاصم مع الحركة القومية اللبنانية في عام 1976 حينما أيد السوريين ضد حلفائه السابقين، وليس غريبًا أن نفترض أن أمل كانت إلى حد ما وسيلة.


53- تدهور العلاقة بين أمل ومعارضيها:

مع أوائل 1982 تدهورت العلاقات بين أمل ومعارضيها إثر اندلاع الحرب في عدد من القرى الجنوبية. في أبريل 1982 نشب القتال في بيروت، وفي ست عشرة قرية في الجنوب، وقالت مصادر أمل أن عناصر فتح أو المنحازة لها قد قذفت بالمدفعية المعهد الفني في برج الشمالي لمدة عشر ساعات. وكانت أهم نتائج هذه الصدامات أن تمكنت أمل من السيطرة على العديد من القرى التي كانت محل نزاع فيما قبل الصدامات، وفي الوقت الذي لم تكن فيه الحركة هذا التنظيم العسكري الجيد؛ فإنها قد أظهرت مهارات تكتيكية هامة إلى درجة أنها قد قامت بالعديد من أنواع الهجوم الخادع والمضلل. إلا أن الأكثر أهمية من ذلك هو أن لجنة التنسيق العليا التي يسيطر عليها السوريون، والتي تتكون من منظمة التحرير وحركة أمل والحركة القومية اللبنانية وسوريا قد اتفقت على ألا تشغل المنظمة نفسها بقضايا الأمن اللبناني.


54- أمل والمقاومة الفلسطينية مرة أخرى:

برزت في الشهور التي سبقت الغزو الإسرائيلي حدة التناقضات التي فصلت القوات المشتركة عن أمل، وظهر تدهور العلاقات بينهما في تصريحات متضاربة لكل من صلاح خلف "أبو إياد" المعروف بأنه القائد الثاني في فتح، ورجل الدين الشيعي الشيخ محمد مهدي شمس الدين، حينما سئل خلف في ديسمبر 1981 عن علاقة فتح بأمل، أجاب بقوله: "ليس هناك صراع في الحقيقة بين المقاومة الفلسطينية وحركة أمل، إن العلاقات بينها طيبة". وبعد شهرين من هذا التصريح قال خلف معلقًا على نفس الموضوع بعد أن نفد صبره مع أمل: "إننا نخاطب إخواننا في حركة أمل - وليس المتآمرين في أمل - نخاطب الإخوة القوميين الذين نعرف أن لهم زمام المبادرة في أمل، ويشاركون في القيادة المشتركة والقوات المشتركة في الجنوب، بأنه بإمكاننا منع كل العناصر الشريرة والمتآمرة في مختلف المناطق من التآمر على الجنوب اللبناني، ونحن نعيد تأكيدنا بأننا مهتمون بحركة أمل إلى الدرجة التي نقول فيها إنهم سوف يكونون معنا في نفس الخندق في قيادة مشتركة واحدة". وبعد قتال أبريل وجه شمس الدين نقده الأول العام للفدائيين والحركة القومية اللبنانية، قال شمس الدين بعبارات قوية فُسرت بأنها تعكس موقف كل الشيعة وحركة أمل: "إن مجلس الشيعة الأعلى يطالب المسؤولين في المقاومة الفلسطينية والحركة القومية أن يتوقفوا فورًا عن ضرب القرى، وأن يبعدوا عنها حملة البنادق، وأن يسحبوا الأسلحة الموجهة إليها، إن استمرار هذا الحال سيكون له انعكاساته الهامة على الموقف العربي الكلي، إن شعب الجنوب يواجه الآن الرصاص العربي الذي يفترض أن يوجه ضد إسرائيل، إنهم يطردون من منازلهم ليس من قبل إسرائيليين، وإنما من قبل إخوانهم العرب". وحتى نبيه بري الذي كان يتخذ سابقًا موقفًا استرضائيًا عامًا، لم يتردد في توجيه نقده لقيادات المنظمة في الادعاءات بأن الفلسطينيين لم يشتركوا في صدامات أبريل. "يتبع"

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1319

الثلاثاء 17-مارس-1970

كلمة حق