العنوان أعداء المسلم.. الجزء الرابع
الكاتب صالح الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1978
مشاهدات 74
نشر في العدد 399
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 13-يونيو-1978
ليس من شك في أن الحديث عن النفس ذو مجال واسع وعريض، وإن كان التعبير عنها بأنها المشاعر التي تدعو الإنسان إلى الدعة والراحة فإنه يمكن أن يتعدل الوضع فتكون تلك النفس المطمئنة الوادعة الآمنة، فالنفس في معناها الكبير تعني الفرد ذاته، ويكون وضعها حسب مجاهدته لنفسه، قال سبحانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ (الشمس:7) ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس:8) ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (الشمس:9) ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس:10).. وصلاح النفس يكون بإبعادها عن العصاة وأصحاب السوء والحرص على العبادة من الفروض والنوافل والاهتمام بسلوك محاسن الأخلاق، ويكون الصلاح بضبط النفس عن التمادي في اللهو والغي والغفلة فإذا جلس المسلم في مجلس دار فيه حديث السوء عليه أن يتجنب الخوض في ذلك وإن أمكنه تغيير مجال الحديث فهو الأفضل قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (النساء:140).
ولا تتم استقامة النفس بعد الحذر من العصاة واتخاذ الموقف منهم في التأثير عليهم وعدم التأثر بهم، ولكمال الاستقامة يجب على المسلم أن يتخذ الحذر من أمور تعيق حركته والتزامه إن أساء فهمها ولم يدرك التصرف الحكيم في التعامل معها، وتلك بقية القائمة الثانية بعد النفس والعصاة ومن ثم تتدرج الأمور الأخرى.
3- الأموال: إن التوسع في مفهوم المال يزيد على الجانب النقدي المصرفي ويصل إلى ما يملكه الإنسان من ممتلكات من بيت وسيارة وأثاث وغير ذلك، ورؤية أن الأموال تشمل كل ما من شأنه ملكًا للشخص فيه ميزة أخذ الحذر والدقة في الصرف، ولضرورة المال في حياة الإنسان بالذات في عصر مادي –جاءت التحذيرات الواضحة في الآيات والأحاديث من النهي عن تبذير المال وعن الإسراف واستعمالاته في غير حقه وجاء التأكيد في القرآن والسنة على الحث في الإنفاق في سبيل الله وتحديد مجالات الصرف والتهديد البالغ للبخلاء ومانعي الزكاة-.
وبيانًا لما أشرنا إليه ربنا سبحانه وعلمه لنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نذكر بعضنا من تلك النصوص قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً..﴾ (الرعد:22) ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾(البقرة:3) ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد:7) ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران:92).
ومن آيات التهديد في منع الزكاة وعدم الإنفاق في سبيل الله قوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة:195) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾(الأنفال:36).
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (التوبة:34) ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (التوبة:35).
أما الأحاديث في موضوع المال من الترغيب والترهيب فقد بيَّن لنا الرسول صلى الله عليه وسلم كيف أن الله يربي لأحدكم صدقته كما يربي أحدكم فلوه -فرسه- بمعنى أن الصدقة الصغيرة تكبر وتنمو وكل ذلك يكون حسنات وفي جانب الترهيب حسبنا بيان الرسول صلى الله عليه وسلم في مانع الزكاة.
إذ يقول ما معناه: يكون لأحدكم شجاعة أقرع –ثعبانًا كبيرًا- فيأخذه ب-همزتيه –شدقية- ويقول له: أنا مالك أنا كنزك - الحديث. وهذا في مانع الزكاة أما من لا تلزمه الزكاة فلا يعتبر نفسه سلم تمامًا ما لم يكن طيبًا قانعًا سخيًا كريم النفس إذ الشح والبخل ليس من صفات المسلم، إن المال نعمة من نعم الله سبحانه الكبيرة ولأهميته البالغة كان السؤال عنه يوم القيامة فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ما معناه: «لا تزل قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيمَ أفناه؟ وعن شبابه فيمَ أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم وضعه؟ أو عن علمه فيم عمل به؟» الحديث.
وتشكل مجموعة الآيات والأحاديث في المال نهجًا اقتصاديًا متكاملًا إذ يتعدى إعطاء الصورة المثلى النموذجية للفرد إلى رسمها إلى المجتمع عامة بل وإلى التعامل بشكل عام مع العالم.
إن تمسك المسلم بالموازين الشرعية في استخدام المال وكسبه يعصمه من التدهور في الدنيا سواء بافتقاره أو بطيشه حال غناه وينجيه في الآخرة من عذاب الثبور.
4- الوالدان والإخوة
5- الأهل والأولاد:
إن هناك تلازمًا فيما يتعلق بموضوع الوالدين والإخوة والزوجة والأولاد باعتبار أن كلًا منهما يشكل الأسرة التي يعيش فيها الفرد فإما أن يكون وضعه فيها أنه ابن أو أخ أو يكون وضعه فيها أبًا يعول الأسرة.
إن هناك تحذيرًا عامًا من الفتنة الحادثة في الأسرة وفي تدبير شئون الحياة قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (التغابن:15).
وتتوالى الأمثلة فيما يحدث من الفتن في مجال الأسرة فقد ذكر لنا الله سبحانه في كتابه العزيز موقف إبراهيم عليه السلام من أبيه قال سبحانه: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ (مريم:48).
وموقف نوح عليه السلام من ابنه قال سبحانه: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (هود:46).
وموقف امرأة فرعون من زوجها الطاغية فرعون قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (التحريم:11).
ولعل في ذلك كفاية لما يحدث من نزاع وفتنة في مجال الأسرة وزيادة عليه من تاريخنا الإسلامي في إرشاداته الناطقة مثال ما كان من مواقف صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم من ذويهم فالصحابة في صف الإيمان وأهليهم سواء كان الواحد منهم أبًا أو أُمًا أو ابنًا أو أخًا أو أختًا في صف الكفر، فهذا مصعب بن عمير رضي الله عنه في صف الإيمان وأمه وأخوه في صف الكفر، وهذا أبو عُبيدة عامر بن الجراح في صف الإيمان وأبوه في صف الكفر وهكذا الشأن عند كثير من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
والعداوة المقصود فيما يعتبر عدوًا للمسلم هو أي معوق ومثبط له عن مواصلة دعوته وحركته وتعزيز رفعة هذا الدين حتى لو كان ذلك من أقرب الناس إليه سواء أكان والديه أو زوجه وأولاده، وعلى المسلم أن يترفق ما أمكن محاولة في كسب أقاربه إلى صفه وإلا فالصد أولى أما إن حدث العدوان فلا ينس أن قدوته أبو عُبيدة ومصعب بن عمير وعبد الله بن أبي رضي الله عنهم في مواقفهم من ذويهم ومنهم الأب والأخ.
ولعل الأمثلة المطروحة أوضحت ما أمكن كيفية وجود العداء ويفضل نظر موضع –جنسية المسلم عقيدته- من كتاب “معالم في الطريق”.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل