العنوان المقاومة الفلسطينية والخيار الصعب
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1982
مشاهدات 106
نشر في العدد 577
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 29-يونيو-1982
تطورات درامية والهدف بسط سلطة الدولة المركزية وضمان أمن إسرائيل!
أمام المقاومة حلان: المقاومة والصمود أو الاستسلام الجماعي.
المقاومة تستجيب للمطالب الدولية والعربية وتعرض الانسحاب للمخيمات.
عجز الغزو عن تدمير المنظمة عرض الإدارة الأمريكية للنقد الشديد فاستقال هيغ احتجاجًا على الخط المعتدل في إدارة ريغان.
دولتان في لبنان الأولى مارونية مستقلة والأخرى تابعة لسوريا!
خطة أمريكية جديدة تقوم على تسيس العمل الفلسطيني ونزع سلاحه.
إسرائيل تريد دولة مركزية توقع معها معاهدة سلام وتطرد الفلسطينيين!
الوزان: ابتزاز عسكري.
عرفات: سحب الأسلحة الثقيلة.
استقال هيغ.
ريغان مع هيغ.
جنبلاط: الكل ضد الفلسطينيين.
فهل يسقط بيغن؟
شارون دخول بيروت وارد.
أبو أياد: ثلاثة عروض.
وايتبرغر: هل أقنع ريغان؟.
إذا كانت أحداث أيلول عام 1970م قد وضعت المقاومة الفلسطينية في وضع خيار بين مواصلة العمل العسكري، أو العمل السياسي لتحقيق هدف العودة والتحرير، فهي اليوم تواجه في لبنان خيارًا أصعب هو التخلي نهائيًّا عن سلاحها وتحولها إلى حركة سياسية إعلامية، وأصعب ما في هذا الخيار أنه مفروض عليها عسكريًّا بفعل الغزو اليهودي للبنان وسياسيًّا بفعل ضغوطات لبنانية محلية وعربية ودولية، فتجريد المقاومة من سلاحها كما قال المبعوث الأمريكي فيليب حبيب في نهاية الأسبوع الماضي عليه إجماع عربي ودولي»!
في ضوء ذلك ينطرح سؤال مهم هو: ما هو مستقبل المقاومة الفلسطينية في لبنان؟ وما هو مصير الفلسطينيين والقضية الفلسطينية؟، سواء حصلت المواجهة في بيروت أم تم ترتيب حل سياسي؟
القتال أو الاستسلام
تقول صحيفة الأوبزيرفر البريطانية في تحليل لها نشر في الأسبوع الماضي أن هناك بالنسبة للمقاومة الفلسطينية «حلين اثنين لا ثالث لهما، أما أن تستسلم بصورة جماعية، أو تواصل القتال إلى أمد يستطيع فيه الرأي العام العالمي إجبار الإسرائيليين على الاعتراف بمنظمة التحرير كهيئة سياسية».
فالغزو اليهودي منذ أن خطط له شارون بموافقة وزير الخارجية الأمريكية المستقيل إليكساندر هيغ كان يستهدف بالدرجة الأولى تحطيم منظمة التحرير الفلسطينية وتجريدها من السلاح والقضاء على القضية نهائيًّا، وذلك بحصرها في حق الإدارة الذاتية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وقطع الطريق على أية مطالب عربية أو دولية بالاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي بات المجتمع الدولي بما فيه بعض الأطراف في الإدارة الأمريكية مستعدًا له، وقد كان مقررًا للغزو أن ينجز هذه المهمة خلال أربعة أيام أو أسبوع على الأقل، وبناء على هذه الخطة باركت الولايات المتحدة هذا الغزو ودافعت عنه على لسان متحدثين رسميين في مقدمتهم الرئيس ريغان؛ ولذا فقد عجلت الإدارة الأمريكية بتقديم مساعدات عسكرية «لإسرائيل»، كما استخدمت الفيتو مرتين منذ بداية الغزو لمنع اتخاذ قرار بإدانة «إسرائيل»، ومطالبتها بالانسحاب الفوري من لبنان إلا أن الغزو اليهودي طال أكثر من المعقول ولم ينجز المهمة التي غامر بها بيغن وشارون فالمقاومة الفلسطينية بقيادتها لا تزال في بيروت مستعدة للقتال المستميت ولإحكام الخطة، فقد طرحت من خلال المشكلة اللبنانية وهي أزمة الشرعية ووجود القوات الأجنبية على حد تعبير القوى المارونية والقوى المعارضة للمقاومة الفلسطينية في لبنان، وغلفت بالغيرة على سيادة لبنان وضرورة استقراره بوجود سلطة مركزية قوية.
دولتان
وكما قلنا في تحليل سابق في العدد الماضي، فإن العامل الحاسم في رسم الصورة النهائية للبنان تعتمد على إسرائيل والولايات المتحدة من جهة والمقاومة الفلسطينية من جهة أخرى، لأن القوى الأخرى المؤثرة في المعادلة اللبنانية تندرج بصورة أو بأخرى في صف الرأي الإسرائيلي أو الأمريكي، وقد ذهبنا إلى احتمال أن تنقسم لبنان إلى دولتين دولة للنصارى في منطقة الجبل ودولة للمسلمين يتم فيها استيعاب الفلسطينيين المهجرين من الجنوب، والمنطقة المارونية ويقترح أن تكون تابعة لسوريا كما قال وليام كوانت عضو مجلس الأمن الأمريكي السابق، وأما أن يظل لبنان دولة واحدة تكون السلطة المركزية فيها للكتائب التي رشحت بشير الجميل للرئاسة في الانتخابات القادمة على أن يستجيب لمطالب اليهود بإجلاء الفلسطينيين من الجنوب وتجريدهم من السلاح وإقامة منطقة عازلة عمقها 45 كيلومتر، وتقوم السلطة اللبنانية المركزية بتوقيع معاهدة سلام مع «إسرائيل» على غرار اتفاقيات كامب ديفيد، وقد صرح بيغن وشارون أكثر من مرة أنه لا يمكن الانسحاب من لبنان قبل الموافقة على تلك المطالب مشددًا على ضرب المقاومة الفلسطينية ضربة قاضية، وخلال الأسبوعين الماضيين وفي أعقاب زيارة بيغن للولايات المتحدة واجتماعه بكل من هيغ وريغان كانت برقيات الأنباء تجمع على تلاقي وجهات النظر بين الطرفين.
استقالة هيغ
لكن بعد استقالة هيغ: هل تغير الأمر؟ وما الذي حدث؟
يقول المراقبون بأن الرأي المعتدل إزاء الغزو اليهودي والذي يقوده أمثال واينبرغر وليام كلارك وبيكر في الإدارة الأمريكية، وشارلز بيرسي في مجلس الشيوخ هو الذي انتصر وأقنع الرئيس ريغان بأن التمادي في تأييد الغزو اليهودي للبنان يحرج الولايات المتحدة مع أصدقائها العرب المعتدلين ويعرض مصالحها للخطر، كما أن التمادي في تأييد «إسرائيل» قد يقود إلى موجة تطرف عربي يدفع إلى زيادة التوتر في المنطقة. الأمر الذي قد يدفع قوى دولية للمشاركة في اللعبة مع الولايات المتحدة، وبالرغم من وجاهة هذا الرأي إلا أننا نعتقد أن الخوف الأمريكي هذا مصدره التحسب من ردة فعل شعبية قوية تقود للضغط على الأنظمة الموالية لها.
من هذا المنطلق، ولأن الغزو اليهودي بات يكلف «إسرائيل» تكاليف باهظة بشريًّا وماديًّا انعكس على معارضة شعبية ونقد في الكنيست لشارون وايتان؛ أخذت إسرائيل والولايات المتحدة استغلال الغزو لكسب معركة سياسية ضد المقاومة والوجود الفلسطيني في لبنان، وقد بدأ بيغن منذ منتصف الأسبوع الماضي وحين كان لا زال في الولايات المتحدة. يصرح بأن الغزو حقق أهدافه وأن المعركة أصبحت الآن سياسية، لكن شارون لا زال يصرح بأنه ليس من المستبعد أن تدخل قواته بيروت بالرغم من إعلان «إسرائيل» الاستجابة لطلب حبيب يوم الجمعة الماضي بوقف إطلاق النار في جميع مناطق القتال!
تطورات درامية
وإذا كان الأمر كذلك؛ فلماذا تطورت الأمور بشكل دراماتيكي في نهاية الأسبوع الماضي؟
استقالة الوزان من رئاسة الحكومة اللبنانية مع ستة وزراء آخرين.
استقالة رئيس الحركة الوطنية اللبنانية وليد جنبلاط في لجنة الإنقاذ.
استقالة وزير الخارجية الأمريكي هيغ المؤيد لإسرائيل وتعين وزير خزانه سابق هو جورج شولتز خلفًا له، وهو معروف بأنه ذو عقلية مهنية اقتصادية، وله علاقات جيدة مع دولة نفطية كبيرة.
الإعلان عن اجتماع وزراء الخارجية العرب يوم السبت الماضي بدلًا من اليوم.
أرجأ حبيب زيارته لتل أبيب مرتين، وقد ترافقت هذه التطورات مع سيطرة «إسرائيل» على جزء من طريق بيروت دمشق الدولي من جهة عالية، وانسحاب القوات السورية من بحمدون! قال الوزان في معرض بيان سبب استقالته: لا أستطيع العمل في ظل الابتزاز والتصعيد العسكري، أما جنبلاط فقال: إن الكل بما في ذلك لجنة الإنقاذ يريدون الفلسطينيين! وإن «إسرائيل» تريد قتل الفلسطينيين ولا تسمح حتى باستسلام مشرف! وبعد أن انتقد المنظمة لأنها لا تعترف بالواقع وأن محاولتها شراء الوقت تتسم بالغباء! وأنه لا بد من إلقاء السلاح! لأنه لا فائدة منه عاد في اليوم التالي ليعلن عن استعداده للاعتصام في بيروت مع المقاومة وراح يحذر من تحول المقاومة إلى فرق اغتيال ضد الأنظمة العربية المتخاذلة!
لا بد إذن من جديد، ولا بد أن طبخة سياسية بدأت النيران تستعر تحتها؛ فماذا في الأفق؟
طبخة سياسية
كان حبيب قد نقل للمقاومة عن طريق لجنة الإنقاذ مطالب إسرائيلية بتجريد المقاومة من سلاحها وانسحابها من بيروت، ودخول الجيش اللبناني محلها واستسلام القيادات الفلسطينية، وإعطاء تصور عن الوجود الفلسطيني بعد الانسحاب وضرورة إيجاد حل لتواجد القوات السورية في لبنان ونزع السلاح من المقاومة والقوات اللبنانية المشتركة، وأنه ما لم ترد الحكومة اللبنانية على هذه المقترحات، فإن بلاده لا تستطيع منع «إسرائيل» من القيام بعمل عسكري! ولا تزال المطالب الإسرائيلية تربط بين نزع سلاح المقاومة، والانسحاب من بيروت والوجود الفلسطيني والسوري في لبنان.
أما المقاومة على لسان عرفات وأبو إياد فقد وافقت على الانسحاب من بيروت والانكفاء مع أسلحتها في المخيمات الفلسطينية بشرط انسحاب قوات الغزو مسافة عشرة كيلومترات عن بيروت بل إن «إسرائيل» رفضت ثلاثة عروض من المقاومة كشف عنها أبو إياد في حديث على الهواء مع إذاعة مونت كارلو يوم الجمعة الماضي حيث قال «العرض الأول كان: أن ينسحب الإسرائيليون بعض الكيلومترات وبعد ذلك يدخل الجيش اللبناني إلى القطاع الغربي من بيروت وننكفئ نحن في مخيماتنا، أما العرض الثاني فهو: بأننا مستعدون لقبول جيش لبنان بدون قوات طوارئ دولية تفصل بين القوات الإسرائيلية والقوات المشتركة» وقد رفض هذا العرض بشدة ورد عليه بقصف شديد هذا اليوم.
وقال: إن العرض الثالث هو تصور طلب من المقاومة بطبيعة الوجود الفلسطيني المسلح وغير المسلح في لبنان بعد الانسحاب الإسرائيلي وقال أبو إياد: إن هذا العرض الذي لم يكشف عن تفصيلاته قد قدم مكتوبًا يوم الخميس الماضي للسيد الوزان.
وذهب إلى أن رفض هذه التنازلات يعني أن هناك مخططًا أطرافه «إسرائيل» والولايات المتحدة وبعض الأطراف اللبنانية يقضي بتدمير بيروت وتدمير السكان الآمنين فيها».
احتمالان
وإزاء هذه التطورات هنالك احتمالان مطروحان:
الأول: هو ما قاله أبو إياد وهو احتمال دخول بيروت، وتدمير القسم الغربي فيها على المقاومة والسكان.
الثاني: هو عدم دخول بيروت الغربية واستخدام الحرب النفسية لتحقيق حل سياسي بإشراف وهندسة الولايات المتحدة.
فبالنسبة للاحتمال الأول لا زال واردًا عند «إسرائيل» طالما ظل بيغن وشارون في السلطة بالرغم من جميع الانتقادات الداخلية، ولكن بشرط ضمان حصر الخسارة البشرية إلى أدنى حد ممكن، وتأتي في هذا السياق لعبة الإعلان عن وقف إطلاق النار وأحكام السيطرة على مداخل بيروت وانسحاب القوات السورية من بحمدون.
أما الاحتمال الثاني: فيشهد له استقالة هيغ والاتصالات العربية الأمريكية وانتقاد حبيب لهيغ وبيغن وإرجائه زيارته لتل أبيب مرتين، وطبقًا لهذا الاحتمال هناك فرضيتان:
الأولى: تقسم لبنان إلى دولتين وهذا يفسر استقالة الوزان والوزراء المسلمين واستقالة جنبلاط من لجنة الإنقاذ الوطني، وانسحاب سوريا من يحمدون مقابل ضم شمال لبنان.
توجه أمريكي جديد
الثانية: انتصار الخط المعتدل في إدارة ريغان إزاء الغزو اليهودي للبنان وتبني خطة أمريكية لم تتضح بعد؛ قالت مصادر دبلوماسية عربية: إنها وصلت إلى عدد محدود من العواصم العربية، ومن المقرر أن يكون بيغن قد عرض هذه المقترحات على حكومته في جلسة استثنائية لحكومته وفي الكنيست، وتقول مصادر غربية أن الخطة الأمريكية تستهدف تسيس العمل الفلسطيني داخل لبنان وتجريد كل المقاومة والمخيمات الفلسطينية من جميع أنواع الأسلحة وتسليمها للجيش اللبناني الذي سيتولى بعد انتشاره الإشراف الأمني على هذه المخيمات، وتضيف المصادر أن هناك شبه إجماع على أنه بدون وضع صيغة سياسية شاملة للقضية الفلسطينية، فإن موجة من ردود الفعل العنيفة قد تسود المنطقة والعالم كله ضد «إسرائيل» والصالح الأمريكي وتقودها المنظمات الفدائية الفلسطينية، وهذا ما تخشاه العواصم في أوروبا وأمريكا.
ولم تستبعد مصادر سياسية عربية أن تعرض هذه الأفكار الأمريكية بعد موافقة «إسرائيل» عليها من خلال الدعوة لعقد مؤتمر قمة عربي تأخذ إطارًا جماعيًّا!
ومن أجل هذا ذهب تحليل لجريدة السياسة الكويتية أن سقوط هيغ يعني سقوط بيغن، وإمكان حل القضية الفلسطينية قبل نهاية عام 1982م لكن تبقى كلمة الفصل للمقاومة؛ صحيح أنها في وضع لا تحسد عليه وأنها تواجه مؤامرة دولية وعربية ولبنانية لكن الصمود وعدم الاستسلام سيضع حدًّا للمطامع اليهودية.
الحل الصحيح
أما على المدى البعيد فإن الحل الصحيح يكمن في بحث قيادة العمل الفدائي الفلسطيني عن عمقه الإسلامي وفك ارتباطها بكل الأنظمة العربية التي لا تشك لحظة واحدة أن معظمها يتآمر عليها لسبب وحيد هو أنها تحمل السلاح في وجه اليهود، وما لم تفطن المقاومة لذلك فإن كل الظروف ستساعد على تجريدها من سلاحها ومن فاعليتها السياسية كذلك. فاليوم صمود، وغدًا التحام مع القاعدة الإسلامية العريضة بعيدًا عن الإقليمية، أو الفكر البشري القاصر، وعندها يتحقق النصر- بإذن الله. خاصة وأنه طبقًا لبنود الخطة الأمريكية لتصفية القضية الفلسطينية سيتوزع الفلسطينيون على عدد من الدول العربية للإقامة الدائمة فيها وتلك فرصة لتوعية الشعوب الإسلامية بحقيقة القضية وأطراف التآمر عليها، فماذا ستنبئ الأيام القادمات؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل