العنوان هجائية الحب (٦) «حرف الحاء»- حاور ولدك
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 25-يونيو-2011
مشاهدات 67
نشر في العدد 1958
نشر في الصفحة 58
السبت 25-يونيو-2011
أبناؤنا جواهر.. هكذا قال الإمام المربي العظيم أبو حامد الغزالي يرحمه الله، ولا شك في أن الجواهر تحتاج من صاحبها أن يحسن التعامل معها ولكن كثيرًا من الآباء والأمهات - للأسف الشديد - يتعاملون مع هذه الجواهر معاملة الحدادين للحديد، يريدون أن يشكلوها كما يريدون بالشدة والقسوة والنار!!
ولقد أكد الإمام ابن القيم يرحمه الله حقيقة مهمة، ينبغي أن يصغي لها كل أب وأم، حيث يقول: « وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم».... كما ينبغي لهؤلاء الآباء والأمهات أن ينصتوا جيدًا لقول الرسول ﷺ: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول»..
فإذا رأيت أبًا يقسو على أولاده، ولا يحاورهم برفق ولين، فاعلم أنه منتكس الفطرة، نزعت الرحمة من قلبه، فصارت الحجارة خيراً منه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أَوْ أَشَدَّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الحجارة لما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشْقَقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وإن منها لما يهبط من خَشْيَةَ اللهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)﴾ (البقرة: الآية 74)، ومن القسوة أن يخفت الحوار بين الآباء والأبناء، أو يصبغه الآباء والأمهات بالشدة والغلظة.
في لقاءاتي مع الأطفال والفتيان والشبان أدهشتني كثرة شكاواهم من غياب الحوار الأسري، أو من سلبية هذا الحوار.. قلت في - الآباء والأمهات يعرفون أن الحوار - نفسي ليتا من أهم وسائل الاتصال الفعالة التي تشبع - الحاجات النفسية والاجتماعية والتربوية والدينية، وأنه - أي الحوار - بناء، ووقاية وعلاج، فليعلم الآباء والأمهات أن حوارهم مع أولادهم إذا غاب أو كان سلبيا، فإن لذلك تأثيره السلبي الخطير على أولادهم، وخاصة أن الأسرة هي المؤسسة التربوية الأولى والمحضن الذي يتدرب فيه على مهارات الحياة كما يكتسب الطفل في الأسرة مهارات الاتصال واللغة، كمهارات الاستماع والتحدث وآدابهما وكل ذلك لا يمكن أن يكتسبه أولادنا إلا من خلال الحوار.
الحوار وخصائص النمو
لكل مرحلة عمرية خصائصها التي تتطلب نوعية معينة من الحوار، فإذا لم يفطن الآباء والأمهات إلى الحوار المناسب لكل مرحلة عمرية فإن من المتوقع ألا يحقق الحوار أهدافه، أو ربما يختفي الحوار تماماً بين الكبار والأولاد، وربما يكون سلبيا وله آثاره الضارة ويمكن توضيح ذلك من خلال السطور التالية.
1- مرحلة الطفولة من ٢ - ٥ سنوات:
تتميز هذه المرحلة بكثرة أسئلة الأطفال وحب استطلاعاتهم، ومن ثم فالأطفال في هذه المرحلة يجب أن نصبر عليهم ولا نمل من أسئلتهم، بل نبدي سعادتنا وترحيبنا ونجيب عنها بدقة وحكمة وهدوء.. كما أن حب الاستطلاع يحتاج من الأب والأم أن يشبعا غرائز المعرفة لدى أطفالهما.
ومعلوم عن الطفل في هذه المرحلة - أيضًا أنه يدرك الكليات قبل الجزئيات، وهذا يتطلب من الوالدين أن يركزا في حديثهما مع الطفل على الكليات لا الجزئيات.
ومن خصائص الطفولة المبكرة – أيضًا - ضعف قدرة الطفل على التركيز، ومن ثم وجب على الوالدين أن يركزا حديثهما في أمر واحد كما أن الطفل يكون في هذه المرحلة أيضًا سريع الملل، وهذا يوجب على الآباء والأمهات الإيجاز في الحديث وتجنب التطويل، وعدم إجبار الطفل على الاستماع.
2- مرحلة الطفولة من ٦-١١ سنة:
تزداد في هذه المرحلة قدرة الأطفال على التفكر والتخيل وعرض الأسئلة والألغاز والقصص، ويحتاج الطفل في هذه المرحلة إلى توجيه، وتزداد ثروته اللغوية، وميله إلى القراءة، ويستخدم الجمل الطويلة، ومن ثم يجب على الآباء والأمهات في هذه المرحلة تشجيع الطفل على التعبير والتحدث وفهم ما يقال، واستنتاج الحقائق، واستخدام التعبيرات والتراكيب اللغوية التي سمعها أو قرأها.
3- مرحلة المراهقة من ١٢ - ١٨ سنة:
من خصائص هذه المرحلة تمركز الفتى حول ذاته، ولذلك فما يجذبه إلى الحوار أن نحدثه عن نفسه، ونطلب منه إبداء رأيه ونستشيره، ونبث فيه الثقة بالنفس، وأن نستمع إليه أكثر، ونطلب منه أن يقيم الأمور. كما تتميز هذه المرحلة بحب البطولات والمغامرات، لذا فيحسن أن نحدث الفتيان هنا عن الغزوات والفتوحات والبطولات الإسلامية وعن قوة الشباب، وفضل الشباب وأدوارهم في الدعوة والنصر.
كيف نحاور أولادنا ؟
لكي يثمر حوارنا مع أولادنا ينبغي أن نراعي مجموعة من الأسس، أهمها التفهم والتقبل، والتعايش والتقدير.
أحسن الكلام ما قل فضوله وتمت فصوله:
نخطئ في حوارنا مع أولادنا عندما تكثر من التلقين ونسرف في إصدار الأوامر، وإعطاء التوجيهات وتكرارها، وربما بعد ذلك كله لا تحقق الهدف، ولا تبلغ المراد، بل يزداد أولادنا إصرارًا وعنادًا، ونحن السبب، ولذلك قيل أحسن الكلام ما قل فضوله، وتمت فصوله أي ما كان موجزًا وواضحًا في الوقت ذاته.. وقد قيل خير الكلام ما قل ودل ولم يمل ...
طرائق حواراتنا مع أولادنا
ثمة طرائق متعددة للتحاور مع أولادنا وهذه الطرائق في مجموعها تشكل جسورًا توصلنا إلى حوار ناجح مع أولادنا، وإذا أسأنا استخدامها أدت إلى هدم العلاقات بيننا وبين أولادنا، وتقويض أواصر المحبة بين الأولاد والآباء.. ومن أهم هذه الطرائق
1 - التربية والتعليم:
بعد التعليم أكثر الطرق شيوعًا، حيث - يرى الآباء أن مهمتهم الأولى مع أولادهم هي التعليم والإرشاد، وتربية أولادهم على القيم لـ والأخلاق.
2- الحوار الوجداني العاطفي:
فقد يتضجر الأولاد، وقد يغضبون وربما ينفعلون على الآباء والأمهات، وهنالك من - الآباء - الغضب بمثله. الحكمة ألا نواجه - نحن الآباء بل نفهم مشاعرهم وأحاسيسهم و م واحتياجاتهم . فنتعاطف مع مشاعرهم بية وقدوتنا في رفيقاً رقيقا لينا ذلك رسولنا ، فقد كان رفية بشوشاً مع الأطفال ومع الناس. جميعا، ولم يغضب لنفسه قط، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء أعرابي إلى النبي نبي فقال تقبلون الصبيان، فما تقبلهم فقال قال النبي ﷺ: «أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة» (رواه البخاري ومسلم).
3- التشجيع والإثابة
فكلما شجعنا سلوكًا إيجابيًا يصدر من أولادنا كان ذلك أدعى إلى تعزيز هذا السلوك وتكراره، فشجع أولادك على كل تصر صرف صحيح يصدر منهم.
4- التفاوض والمرونة
فمن الحكمة أن تكون مرنًا، وأن تخضع القضايا الخلافية بينك وبين أولاد ولادك للحوار والمناقشة، ومن الخطأ أن تصر في في كل مرة أن تصدر أوامرك الحاسمة، وعلى على الأولاد أن ينفذوها دون مناقشة وليس هذا هذا يعني عدم المحاسبة على الخطأ، بل المقصود أن تناقش أولادك فيما اختلفتم فيه، وأن تتيح الفرصة للحوار والإقناع، ثم يكون الصفح هو أساس التعامل.
أقوال سلبية شائعة وتصويبها
من الأقوال السلبية التي سمعتها كثيرًا في حوارات الآباء والأمهات مع أولادهم قولهم:
أ-هذا غباء منك ... والصواب أن يقول الأب أو الأم: «دعنا نتحاور لنعرف الحقيقة».
ب- أنت لم تنجح في فعل كذا ... والصواب أن تقول: «لقد حاولت، فهيا نجرب مرة ثانية وستنجح إن شاء الله» .
ج- لن تفلح أبدا ما دمت لا تسمع كلامي وتخالفني ... والبديل أن تقول: «ابني، حبيبي وقرة عيني» ..
لماذا غاب حوارنا مع أولادنا
١ - إفشاء الأسرار:
فبعض الآباء يعد ابنه بأنه لن يذيع له سرًا، فيسر الولد لأبيه ببعض الأسرار، ثم يفاجأ ابنه بأن السر الذي بثه لوالده علم به جميع أفراد الأسرة، وبذلك يكون الأب هو المتسبب الوحيد في كف ابنه عن التحاور مع والده، وخاصة فيما يتعلق بأسرار الابن.
إن جهل الآباء والأمهات بطبيعة أولادهم كفيل بأن يحجب الأولاد عن آبائهم أسرارهم ومن ثم يجب على الوالدين أن يؤمنا أسرار أولادهما، وأن يجيدا مهارات الاستماع للأبناء والبنات.
٢ - أنا أعلم منك:
كثير من الآباء يردد على سمع أولاده: «أنا أعلم منكم أنتم لا تعرفون مثلي، خبراتكم بالحياة ضعيفة.... » وإن كان ذلك صحيحًأ لكن ينبغي الاقتصاد في التلفظ به من قبل الآباء والأمهات، كما أن كثيرًا من الآباء غالبًا ما يبررون بذلك اتخاذهم قرارات أولادهم، ولا يدربون أولادهم على اتخاذ القرارات.
وبالإضافة إلى ذلك، فمن أسس الحوار التربوي أن تشعر أولادك - وأنت تحاورهم - أنهم مثلنا، يستطيعون اتخاذ القرارات، وكما أنهم يخطئون ويصيبون؛ فنحن كذلك مثلهم نخطئ ونصيب، فذلك يدفعهم إلى الإقبال على التحاور معنا، ويمنحهم الثقة بالنفس ويشعرهم بالأمان وهم يناقشوننا، ويبيحون لنا بأسرارهم، لأننا حينئذ نشعرهم بأننا أصدقاء لهم لا أصحاب سلطة فحسب.
3-بخلنا بوقتنا على أولادنا
فكثير من الآباء تضطرب عندهم الأولويات، فيعطي أولاده بقايا وقته وتستغرقه الاحتياجات المادية والترفيهية وذلك يينس أولادنا من نيل التحاور مع الآباء ويسبب لهم أزمات نفسية، ومن ثم ينفرهم من الآباء والأمهات.
4- حقوق الأولاد:
فكثير من الأولاد يحجمون عن التحاور مع آبائهم بسبب الخوف من رد فعل الأب أو الأم، فإذا أردت أن يقبل عليك أولادك لإجراء حوار فعال فينبغي أن تضبط نفسك، حتى وإن حدثك ابنك في معضلة أو مشكلة كبيرة فاحفظ هدوءك قدر الإمكان، لأن ذلك سيشجع ولدك على التحدث والبوح بما عنده وهذا أيضًا يساعدك على علاج مشكلات أولادك قبل أن تتضخم.
فما أكثر ضياع الأولاد لغياب الحوار والأسرة، فعلى الآباء والأمهات أن يكونوا أكثر صبرًا وتحملاً لمشكلات أولادهم، وأن يدركوا أن أولادهم مهما أخطؤوا فإن الخير ع في أن يعاونوهم بدلا من أن يصطدموا بهم ولن تستطيع أن تساعد ابنك إلا إذا أشعرته بأنك تحبه، ولن يصل إليه هذا الشعور إلا إن حافظت على هدونك في حوارك وتفهمت ظروفه ومشكلته لأننا لو قسونا عليهم وإن كانت نيتنا العلاج فسوف ينقطع الحوار وسيبحثون عن بديل، وغالبًا ما يكون هذا البديل أصحابهم الذين يفقدون الخبرة مثلهم ..
(*) أستاذ المناهج والتربية الإسلامية المساعد
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل