الثلاثاء 25-أكتوبر-1988
لقد طال انتظاره لرؤية مولوده الحبيب حسان، فهو الذكر الأول بعد خديجة وعائشة، وكان فرحه كبيرًا لسلامة زوجه، ولذا حرص أن تبقى مرتاحة في السرير ريثما تقوى على القيام بحقوق البيت وإكرام الضيوف. وقد تبرعت أخته زينب بملازمتها وبالقيام بما يحتاجه البيت وبما تطلبه خدمة الضيوف والمهنئين.
أشرقت شمس ذلك اليوم الربيعي فوهبت الكون دفئًا وحيوية ونشاطًا، وشعر أبو حسان بإشراق السعادة في نفسه وأحس بأنه متجاوب مع هذا الكون الواسع تلهج شفتاه بالشكر والثناء لله ويردد لسانه ذكر الله القادر الواهب المنعم. ودخل المطبخ فرأى أخته زينب:
- قواك الله يا زينب.. سيصل ضيوفنا غدًا، فماذا أعددت لنا؟
- أرى يا أخي أن نقدم لهم سمكًا مشويًّا ومقليًّا لأنهم من سكان الداخل، ويرغبون في أكل السمك الطازج.. والسمك متوفر في أسواقنا.. ولكن...
- ولكن ماذا؟
- المشكلة مشكلة الليمون.. إنك تعلم أن السمك لا يمكن أن يقدم للضيوف بدون ليمون...
- ولكن غدًا هو يوم الأحد.. وهو دور الليمون والباذنجان في الجمعيات التعاونية.. وسأصحو مبكرًا وأذهب لأخذ دوري وسآتيك بالليمون اللازم، ولن يأتي وقت الغداء إلا وتكونين قد أعددت السمك وأحضرت أنا الليمون.
رأی أبو حسان نفسه يبسط السماط متهلل الوجه مرحبًا بضيوفه واضعًا صحون السمك المشوي والمقلي.. وما يكمل المائدة من صحون «السلطة» والمقبلات الأخرى.. وسره أن يرى صحنين فيهما أرباع مقطعة من الليمون.. وما أن اكتمل كل شيء حتى عزم على ضيوفه بالتفضل لتناول الطعام.. وبدأ الضيوف بالطعام.. وبعد لحظات نظر أبو حسان إلى صحني الليمون فلم يجد فيهما أي قطعة، فازدرد ريقه وندت قطرات من العرق البارد من جبينه.. ورجا الله في سره ألا يطلب أحد ليمونة؛ لأن هذا آخر ما كان في الثلاجة.. وشرد قليلًا في تفكيره ولم يقطع عليه شروده إلا صوت عمر:
- إذا سمحت -يا أخ أبا حسان- أريد ليمونة لأنني أحب السمك مغسلًا بالليمون.
- حاضر.. يا أخ عمر..
وخجل أن يقول ليس في البيت ليمون.. وهم أصدقاؤه الكرماء الذين أكرموا ضيافته عدة مرات.. ونهض عن السفرة وقال في نفسه:
- سأذهب إلى البقالة القريبة، وعسى أن أجد فيها الليمون وأعود مسرعًا.
- مرحبًا ياعم أبو جميل، هل أجد عندك كيلو أو نصف كيلو من الليمون؟
أفتر ثغر أبي جميل قائلًا: اليوم الأحد، ولن تجد الليمون إلا في الجمعية التعاونية.
واحتار أبو حسان هل يرجع خالي الوفاض ويعتذر من عمر، أم أنه يذهب إلى البقال أبي عدنان لأنه كما يقال عنه: نمس، يعرف كيف يدير نفسه مع رجال التموين، وأنك تجد عنده ما تريد ولو كان لبن العصفور.
واتجه مسرعًا إلى بقالة أبي عدنان، وشرد في طريقه وأقلقه أن يكون قد سبب إزعاجًا لضيوفه أو إحراجًا لصديقه عمر أمام أصدقائه، وراح يلعن في سره الجمعيات التعاونية التي قننت على الخلق سبل رزقهم، وسأل نفسه بحنق:
- كيف لا أجد الليمون ونحن من سكان هذه البلدة الساحلية التي تحيط بها البيارات من كل الجهات.. لقد أشغلونا في لقمة الطعام وأصبح هم الواحد منا أن يؤمن رغيفه، وزيته، وسكره... لقد صار نهارنا جريًا ولهاثًا وانقلب ليلنا إلى تفكير وهم. وداعبت خياله المنهك ذكريات جميلة فلاحت أمامه صورته وهو طفل يذهب إلى البقالة القريبة فيجد كل ما يطلبه بدون تعب وبدون خوف من زيادة في السعر؛ لأن كل شيء متوفر وكثير في الأسواق.. وتذكر كيف كان البائع يلاطفه ويكرمه ويمازحه حتى لا ينصرف إلى غيره فتكسد بضاعته ويصيبها البوار.. ثم قال في صوت شبه مسموع: ضيقوا علينا فضيق الله عليهم.
وانتبه إلى نفسه الشاردة أمام دكان أبي عدنان، ودخل وهو على يقين بأنه سيحظى ببقيته، وبادر أبا عدنان قائلًا:
- من فضلك أريد كيلو من الليمون.
فابتسم أبو عدنان وقال: أطلب كل شيء إلا الليمون.. وأنصحك أن توفر على نفسك التعب، فلن تجد ذلك إلا في الجمعية.. اذهب وسيعينك الله على شدة الزحام.
قلب أبو حسان شفته السفلى، وحك مقدمة رأسه، ثم أخرج منديلًا قطنيًّا وأخذ يمسح عرقه المتصبب وقرر أن يذهب إلى الجمعية التعاونية وألا يعود إلا وفي يديه غنيمة المنتصر.. واتجه بسرعة إلى الجمعية؛ ولكن تأنيبًا داخليًّا كان يأكل ضميره:
- عيب عليك أن تترك ضيوفك.. ليتك اعتذرت وأبديت عذرك.. لا بد أنك أزعجتهم بغيابك..
وغاص في لجة واسعة من الأسى والتأنيب، واتجه ليقطع الشارع المؤدي إلى الجمعية.. ولم يسمع إلا زعيق صوت عجلات سيارة مسرعة.. ثم غاب عن الوجود.. وإن كان يحس إحساسًا ضعيفًا بأصوات الناس ولفظهم.. وكيف أركبوه في صندوق عربة نقل واتجهوا به إلى المستشفى.. وأحس كيف أدخلوه إلى الإسعاف.. وسمع بثقل الطبيب وهو يقول: إن إصابته خفيفة ولا بد له من حقنة في الذراع حتى يصحو. وأمسك الطبيب ذراعه وغرس الحقنة فحرك ذراعه بسرعة فارتطمت بالسرير، وفتح عينيه فرأى نفسه نائمًا على سريره في غرفة النوم، وزوجته النفساء وأطفاله حوله.. ووجد لسانه يلهج:
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. الحمد لله.. إنه حلم.. الحمد لله الذي لم يكن ذلك حقيقة.. قاتلهم الله.. إن همومنا تلاحقنا إلى فراشنا.. وقام ليلبس ثيابه ويسرع إلى مبنى الجمعية ليأخذ دوره في الزحام حتى يأتي بالزيت والليمون قبل وصول ضيوفه.
أبو ياسر
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل