العنوان لحوم العلماء مسمومة ... ضوابط في العمل الدعوي
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 28-نوفمبر-1989
مشاهدات 66
نشر في العدد 943
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 28-نوفمبر-1989
- لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك أعارض منتقصيهم معلومة ومن وقع فيهم بالثلب ابتلاه الله
قبل موته بموت القلب.
الضابط الثامن
8- قيمة الأشياء بدقتها
وندرتها لا بكبرها وكثراتها
الناظر في حياة العلماء والدعاة يرى
أنهم يحرصون على النوع الثمين لا الكم المهين، فالناس كالإبل المائة لا تجد فيها
راحلة، وكذلك الكتب كثيرة قد لا تجد فيها بغيتك فعلى سبيل المثال لو نظرنا في نتاج
شيخ الإسلام ابن تيمية من الرجال لوجدناهم قليل ولكن الواحد منهم أحيا الله به
أجيالا، وابن القيم وابن كثير خير دليل على ذلك، أما مؤلفاته رحمه الله وإن عدت
مجلداتها فهي مرجع في كل فن وما من باحث منصف إلا ومؤلفات ابن تيمية رحمه الله في
صدارة مراجعه وعلى الأخص الباحث في علوم العقيدة ومتعلقاتها، وهذه القاعدة أن
الفحول من العلماء يمتازون بالدقة يعرفها العلماء قبل العامة، قال يحيى بن
آدم: كنت إذا طلبت الدقيق من المسائل فلم أجده في كتب ابن المبارك أيست منه([1]) وهذه المرتبة إنما تتحصل بعمل يمتاز فيه صاحبه عن بقية الخلق، فابن
المبارك الذي سلف ذكره اجتمع في شأنه جماعة من أصحابه فقالوا عَدُّوا خصال ابن
المبارك فقالوا: جمع العلم والفقه والأدب والنحو واللغة والزهد والشجاعة
والشعر والفصاحة وقيام الليل والعبادة والحج والغزو والفروسية وترك الكلام فيما لا
يعنيه والإنصاف وقلة الخلاف على أصحابه([2]).
والتدقيق والتحقيق يحفظ لنا المعنى
والمبنى، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم أدق ما يكونون في رواية الحديث فعن أبي
جعفر محمد بن علي قال: لم يكن أحد من الصحابة إذا سمع من رسول الله صلى الله
عليه وسلم حديثًا أحْذَرَ ألَّا يزيد فيه أو ينقص منه من ابن عمر.
الضابط التاسع
9- الاستفادة من ملاحظات
الطاعتين وعدم الالتفات لتثبيط الحاسدين
بلا شك أن السائر في طريق الدعوة
والعلم يتعرض لعثرات وتسقط منه هفوات ينبري لها من وصاله صدٌّ، وقربه بُعد، وسلمه
حرب، وهو بحمد الله فيه فظاظة، وكل ذلول من مركبه صعب، وهذا ليس من خُلقه الستر،
بل من طبعه التشهير والتعبير، وهنا لا يرد كلامه كله ولا يعفى على قلمه رسمه، بل
يستفاد مما في كلامه من حق ولا يلتفت إلى ما فيه من طعن، فللداعية خبرة وعلى
الطاعن شرُّه والداعية لا يلتفت ولا يرتجف، لسانه حاله يردد:
وكلمة حاسد من غير
جرم
سمعت فقلت مري فانفذيني
وعابوها علي ولم
تعبني
ولم يعرق لها يومًا جبيني
وما من شيمتِي شتم ابن
عمي
ولا أنا مخلف من يرتجيني
وذو الوجهين يلقاني
طليقًا
وليس إذا تغيَّب يأتليني
بصرت بعيبه فكففت
عنه
محافَظة على حسبي وديني([3])
ومع أن غالب الحاسدين نقدهم من سوء
فهم..
وكم من عائب قولا
صحيحا
وآفته من الفهم السقيم
ومع هذا كله ترى أن القادة والمربين
يتعاملون مع هذا الصنف برفق، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «أخبرني القاضي جمال
الدين بن القلانسي، أن السلطان محمد بن الملك المنصور قلاوون، استفتَى الشيخ ابن
تيمية في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلموا فيه، وأخرج فيه فتاوى بعضهم بعزله
من الملك ومبايعة الجاشنكير، وقال للشيخ إنهم قاموا عليك وآذوك أنت أيضًا، وأخذ
يحثه بذلك على أن يفتيه في قتل بعضهم، وإنما كان حنقه عليهم بسبب ما كانوا سعوا
فيه من عزله، ومبايعة الجاشنكير. ففهم
الشيخ مراد السلطان فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء، وينكر أن ينال أحدًا منهم
بسوء. وقال له: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم.
فقال له: إنهم قد آذوك، أرادوا
قتلك.
فقال الشيخ: من آذاني فهو في حل. ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه. وأنا لا أنتصر لنفسي.
وما زال به حتى حلم عنهم السلطان
وصفح.
قال: وكان قاضي المالكية ابن
مخلوف يقول:
«ما رأينا مثل ابن
تيمية: حرضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنها وحاجج عنا»([4]).
إن المنتسبين اليوم إلى الدعوة
يفهمون هذا الفهم عند تصديرهم للكتابات والفتاوى التي تهدم بالدعوات المجاهدة
ورجالاتها وهذا الرجاء للمنتسبين، أما المندسين والمتكسبين فهؤلاء ننتظر فيهم
مقولة «لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أعراض منتقصيهم معلومة، ومن
وقع فيهم بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب» (الرد الوافر لابن ناصر
ص 197).
وكذلك ليسوا بأكفاء للمحسود من
العلماء والدعاة.
لا تسبني فلست
بسبي
إن سبِّي من الرجال كريم
الضابط العاشر
- الاستمرارية في العطاء وفعل الخير وعدم الالتفات إلى المهاترات
الاستمرارية في الخير مطلب شرعي
قرآني، قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ
رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر: 99) وليس من أمر يحفظ المسلم
من الانزلاق كالعلم الصالح فهو نمو للمسلم، وحصن له من العاديات الجاهلية؛ لذلك
نرى أن الأعمش بقي قريبًا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى فالاستمرارية
نتاج الوضوح بأن العمل والسعي من أجل مرضاة الله.
وقل اعملوا يا قومنا والله يجزي
العاملين
والله موف وعده فاستبشروا بالمؤمنين
فمن سمع للمخذلين والمرجفين انتهى
الأمر به إلى الموات، قيل لحذيفة: ما ميت الأحياء؟ قال الذي لا ينكر المنكر
بيده ولا بلسانه ولا بقلبه([5]). وهذه هي النتيجة التي يريدها المشككون في النهاية.
والاستمرارية طريق العز والنتاج وهي
عنوان الجد والمثابرة والبعد عن الإسفاف والمهاترة.. قال ابن المديني: قيل
للشعبي: من أين لك هذا العلم كله؟ قال: بنفي الاعتماد، والسير في
البلاد، وصبر كصبر الجماد وبكور كبكور الغراب([6])
وهذا سمة
المجدين، وقد وُصِف أبو جعفر أحمد بن عبدالله المهدي القيرواني بقولهم: كان
في الدراسة والمطالعة آية لا يكاد يسقط الكتاب من يده حتى عند طعامه([7])
ومن
الأمور المثبطة عن الاستمرارية رؤية الأقران وقد سبقوا بالرئاسة والمال، وعلاج ذلك
أن ينظر إلى أشياعهم الذين انتشر عندهم البلاء، ذكر أبو محمد عبد الله بن موسى أنه
جلس معه أخ له يومًا فرأى حال ابن الحديدي ورئاسته وسعة حاله، فقال له
أخوه: أين كنا إذ فرقت هذه الآمال؟ فسكت عنه، فلما خرجا مر به على ربط الجذمي
فلما أوقفه على اختلاف بلائهم، قال له أبومحمد: أين كنا يا أخي إذ فرق هذا
البلاء([8]).
الضابط الحادي عشر
النهاية المشؤومة لمن تعمَّد الطعن
والانتقاص من علماء الأمة المرحومة
كلمات يرتجف لها القلب حين
سماعها: لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أعراض منتقصيهم معلومة، ومن
وقع فيهم بالثلب، ابتلاه الله قبل موته بموت القلب([9])
فالمفسد
لا يصلح الله عمله على أية حال، قال عمر بن عبدالعزيز لأحد ولاته: أما بعد،
فاعمل عمل رجل يعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين([10])
ومع عدم
صلاحية عمله فسوؤه يرجع إليه، ذكر ابن عفيف في كتابه الاحتفال قال: جاءت إلى
القاضي ابن أبي عيسى من باديته دجاج، وعلى بابه السفيه، المعتوه،
المعروف «بابن شمس الضحى» فلما رأى الدجاج قال: يا قاضي
أعطني دجاجة منهن، لابد والله أن تعطيني، وكان لا يقدر على ردِّه أحد، وإلا
جاء من حمقه بالعجب العجاب فأمر، فأعطي دجاجة منها، فمضى بها يفخر بعطية القاضي،
إلى أن اجتاز بدرب أبي زيد قرب الجامع، فإذا رجل من بنِي أبي زيد فقيه هناك، جالس
بباب داره فقال للمعتوه: من أين لك هذه؟ قال: أعطانيها الساعة القاضي،
فقال الزيادي: خدعك القاضي أعطاكها مغربلة، أي مهزولة- بلغة عجم الأندلس
الأولى- فانصرف عجلًا، وقل له إنها مغربلة، وكان القاضي يلقب مغربلة، فأبدلها
لي سمينة فهاج حمق المعتوه، ومضى على أدراجه إلى القاضي وهو في جماعة،
فقال: هذه الدجاجة التي أعطيتني مغربلة، فأبدلها لي سمينة، فعرف أنه دهيس
للتعريض به، فقال له: هاتها حتى أراها، فجسها فقال: صدقت، من أين علمت
ذلك؟ قال: قاله الفقيه الذي بموضع كذا، فسأله عن صفته، فوصفه، فاستدل على
الرجل فعرفه، وإذا به يلقب بديك البادية، فوتأت له المعارضة، فبدل له الدجاجة وقال
له: اذهب إلى ذلك الرجل واسأله أن يعطيك الديك الذي سيق له أمس من البادية
يأتيك منه نسل جيد، فانطلق المعتوه إلى الرجل الزيدي، فأصابه في جماعة، فأراه
الدجاجة، وقال: أعطنِي أنت ديك البادية الذي أتاك يكون زوجًا لها، فعلم ما
أراد، فتغير، وانتهر المعتوه، فازداد تعلقًا به وجعل يبكي ويلطم وجهه،
ويحلف «أن» لا يزول إلا بالديك، فاضطر إلى أن أخرج له ديك داره، الذي
يوقظه للصلاة فِداء من حمقه، فأخذه وانطلق وجعل الزيدي يقول: لعمري لقد انتصف
منِّي ابن أبي عيسى، وسار إليه، واعتذر له، فقال القاضي: واحدة بواحدة
والبادئ أظلم([11]).
_____________
([1]) تذكرة
الحفاظ 1/ 276 ترجمة عبد الله بن المبارك.
([2]) تذكرة الحفاظ 1/
277 ترجمة عبد الله بن المبارك.
([3]) تذكرة الحفاظ 1/
39 سيرة ابن عمر.
([4]) بهجة المجالس 1م 103.
([5]) البداية والنهاية لابن
كثير 14/ 54.
([6]) تذكرة الحفاظ 1/
154 سيرة الأعمش ابو محمد سليمان بن مهران.
([7]) تذكرة الحفاظ 1/ 375.
([8]) تذكرة الحفاظ 1/
81 سيرة أبو عمر والشعبي.
([9]) ترتيب المدارك ص 536.
([10]) ترتيب المدارك ص 823.
(11) الرد
الوافر لأبي ناصر 197.