العنوان أبعاد الدور الأوروبي فيما يسمى «الشرق الأوسط»
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1997
مشاهدات 74
نشر في العدد 1243
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 25-مارس-1997
الفيتو الأمريكي الأخير كان استعراضًا لموقع أمريكا تجاه الأوروبيين وليس العرب وحدهم.
● السياسة الأوروبية تقوم على استفزاز العرب حتى يتمردوا على الهيمنة الأمريكية.
استخدام واشنطن مؤخرًا ما يسمى «حق» النقض- الفيتو لم يجدد طرح قضية العلاقات الأمريكية- العربية على أساس الهيمنة، مقابل العلاقة الأمريكية- الإسرائيلية على أساس تحالف اندماجي فحسب بل طرح أيضًا قضية موقع الدول الأوروبية على هذه الأرضية، فمشروع القرار مشروع أوروبي، والموقف الأوروبي كان خلال جولتي وزير الخارجية الفرنسي دي شاريت، ووزير الخارجية الألماني كينكل في المنطقة، واضحًا للعيان أكثر مما كان في مناسبات ماضية، بل وظهر بقوة حتى على لسان وزير الخارجية البريطاني ريفكيند، في تصريحات تجاوز بها مواقف بريطانية سابقة، واقترب من الأرضية الأوروبية المشتركة إلى حد لا بأس به.
ولا حاجة هنا إلى الحديث عن «نوعية» المواقف العربية تجاه الاستهانة الأمريكية المتكررة، حتى بلغت عبر مستوى توجيه صفعة، الفيتو الأخيرة بصورة مباشرة إلى الدول العربية وزعمائها وكأنها صدرت بتوقيت مدروس مقصود إلى عرفات مغادرًا واشنطن، ومبارك قادمًا إليها. وحسين قبيل وصوله بأيام ويترك هذا إحساسًا بالأسى والإشفاق، ولكن لا ينبغي تحت وطأة هذا الإحساس التسليم بالدور الأوروبي على علاقة ودون النظر في دوافعه وأهدافه وأبعاده، ودون تقييمه عبر تقدير الحدود التي يتحرك في إطارها.
والشروط الواجب توفيرها كي يحقق بعض الميزات أو يخفف على الأقل من عواقب المساوئ وبالأحرى الكوارث المرتبطة بالمسيرة الراهنة، بدءًا بكامب ديفيد، مرورًا بمدريد وأوسلو، وحتى استكمال ما يتم إعداده تحت عنوان منظومة شرق أوسطية جديدة.
المشاركة .... بقيادة أمريكية
ويبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية أرادت من خلال «الفيتو» استعراض موقعها تجاه الأوروبيين لا الدول العربية فقط، فمما يؤسف له أن المسؤولين الأمريكيين لم يعودوا يشعرون بالحاجة إلى وضع الشعوب العربية والمسلمة في حسابهم، أو الحذر من احتمال انتشار المرارة والغضب في صفوفها، هذا علاوة على أنهم لا يجدون منذ زمن طويل حاجة إلى وضع الدول العربية وزعمائها منفردين ومجتمعين في حساباتهم وفيما يتخذونه من مواقف وخطوات في قضايا ترتبط أوثق ارتباط بحاضر بلادنا وشعوبنا ومستقبلها ... وهو ما ساهم فيه مضي غالبية تلك الدول العربية على آثار أنور السادات حذو النعل بالنعل بعد أن وضع أوراق القضية المصيرية في الأيدي الأمريكية بنسبة ٩٩%، وحول نصر العبور إلى نكبة سياسية، تتجاوز بأخطارها القريبة والبعيدة سائر ما سبقها من نكبات عسكرية.
بل ولم تعد الحكومة الأمريكية تحاول التمويه على وقوفها داخل الخندق الإسرائيلي أو احتضان الإسرائيليين داخل خندقها عن طريق اصطناع إخراج، سياسي مخادع، يحفظ ماء الوجوه، ويمكن من إيجاد الذرائع واختلاق ألوان التبرير، لتمرير ما يراد تمريره...باسم سلام استسلامي، وشرعية دولية «مزيفة».
لقد تبدلت بعد سقوط الشيوعية المعطيات العالمية وبعد حرب الخليج المعطيات الإقليمية للتعامل الأمريكي مع الدول العربية التي انطلقت مثل واشنطن تمامًا، في التعامل مع المعطيات الجديدة عبر الصورة التي سعت واشنطن بنفسها إلى نشرها، تحت عناوين الانفراد الأمريكي بالزعامة العالمية، وترسيخ نظام عالمي جديد على هذا المقاس هذا على النقيض من الأوروبيين الذين لم يسلموا قط بهذه الصورة، بل وجدوا في المعطيات الجديدة الناجمة عن سقوط الشيوعية ما يستدعي تطوير تعاملهم مع الأمريكيين، وهو ما انطلقت منه مبادرات أوروبية عديدة على مختلف المستويات وفي مختلف الميادين، وكان منها مؤخرًا موجة التحدي الأوروبي برداء فرنسي للهيمنة الأمريكية بين«المحيط الهادر والخليج الثائره» في العام الميلادي الماضي، عن طريق جولة الرئيس الفرنسي جاك شيراك في المنطقة.
وما يجري على صعيد العلاقات الأوروبية- الأمريكية في المنطقة منذ ذلك الحين يجري داخل هذا الإطار، ويتضمن في بعض جوانبه جهودًا أوروبية وأمريكية للبحث عن بقايا نقاط الالتقاء ونقاط الاختلاف، مع محاولة التغطية على الاختلافات الناشئة عن صراع النفوذ تغطية دبلوماسية محضة، وهو ما طرحت من أجله عن طريق ألمانيا في الدرجة الأولى- صيغة جديدة بعنوان «مشاركة الدور الأوروبي» للدور الأمريكي بدلًا من التنافس معه أو محاولة الحلول مكانه.
أثناء جولة شيراك المشار إليها كان تعامل واشنطن مع الأوروبيين «فظًّا بصورة صارخة»، كما وصفه عدد من الدبلوماسيين الأوروبيين، عندما دعت الحكومة الأمريكية إلى ما عُرف بقمة النفق وتجاهلت الاتحاد الأوروبي تمامًا وهذا ما يسري الآن أيضًا على الفيتو، الأمريكي ضد مشروع القرار الأوروبي، وكأنه يريد التأكيد للأوروبيين تأكيدا قاطعًا، أنه لا مانع من تحركهم في المنطقة ولكن تحت هيمنة الزعامة الأمريكية، ووفق ما تقرره وتخطط له وتصنعه فقط فالمشاركة المطلوبة، أو المسموح بها هي في حدود المشاركة التنفيذية فقط وهذا بالذات ما لا يريده الأوروبيون.
وكانت الدبلوماسية الأمريكية قد تعمدت إعطاء الانطباع بأنها ترحب بالدور الأوروبي كشريك، وأن الأرجح في المجلس الدولي هو الامتناع عن التصويت فحسب، فكانت مفاجأة الفيتو شديدة على مستوى الرأي العام الأوروبي على الأقل، ولا ينفي ذلك أن الساسة الأوروبيين كانوا يضعون في حسابهم عدم التزام واشنطن بموقف إيجابي لا ينسجم مع المرحلة الراهنة لتطور العلاقات الأوروبية- الأمريكية بمجموعها، وليس فيما يسمى «الشرق الأوسط» فقط، ولم يكن يخفى أثناء جولة وزيرة الخارجية أولبرايت، ثم جولة وزير الدفاع الأمريكي كوهين في أوروبا، أن الاختلافات بين الطرفين استشرت في ميادين عديدة، وليس في المنطقة العربية فقط بدءًا بتحديد المعالم الكبرى للسياسة الأطلسية تجاه موسكو، وانتهاء بقضايا فرعية عديدة مثل قضية إيرلندا الشمالية بالنسبة إلى بريطانيا والجزائر بالنسبة إلى فرنسا، وحتى قضية طائفة Scientology بالنسبة إلى المانيا ولا حاجة إلى التذكير بأمثلة عديدة معروفة أخرى، كقضية تعيين الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، أو تطوير مياكله التنظيمية والقيادية، أو التعامل مع أحداث منطقة البحيرات الكبرى بإفريقيا، أو المقاطعة الأمريكية لكوبا وإيران وليبيا، وغير ذلك مما لم بعد يمثل «اختلاف وجهات النظر» في قضايا منفصلة عن بعضها بعضاء بل هو الخط العام الجديد الذي يحدد نوعية العلاقات الأوروبية- الأمريكية في الوقت الحاضر.
تنافس... أم صراع؟
إن الأرضية التي يتحرك عليها الدور الأوروبي الراهن فيما يسعى منطقة الشرق الأوسط تختلف اختلافًا جذريًّا عن عما كانت عليه في حقبة الحرب الباردة، ومن المعالم الرئيسية لهذا الاختلاف:
كانت الدول الأوروبية الاستعمارية سابقًا في مرحلة تقهقر عالمي على الصعيدين العسكري والسياسي، ومرحلة إعادة بناء نفسها اقتصاديًّا، وهي الآن في مرحلة تحرك مكثف لاستعادة مواقع نفوذ أمني وسياسي لنفسها عالميًّا.. إلى جانب ما حققته من مواقع النفوذ اقتصاديًّا وماليًّا
وكانت انذاك على استعداد طوعًا أو كرها للتسليم بالزعامة الانفرادية الأمريكية القائمة على حاجة الأوروبيين المصيرية، إلى المظلة النووية الأمريكية الواقية، بينما هي تسعى الآن سعيًّا حثيثًا للخروج من فلك الهيمنة الأمريكية على مختلف الأصعدة، أوروبيا وعالميًّا.
وكانت الدعائم المشتركة بين المصالح الأوروبية والأمريكية في مواجهة الشيوعية عالميًّا انذاك، أكبر بكثير من عوامل التنافس والصراع الاقتصادي والمالي العالمي الذي لم ينقطع قط بينما أصبحت عوامل هذا التنافس والصراع هي الأقوى والأظهر للعيان عند مقارنتها بما بقي من مصالح مشتركة مع عدم التهوين من شأنها.
ولا يزال القدر المشترك من المصالح المادية وأرضيتها الحضارية المشتركة، يحول دون أن تكسر حدة الصراع الأوروبي- الأمريكي- القشرة الباقية من تلك المصالح، ليأخذ صورة علنية، تسقط القناع الدبلوماسي التقليدي، وتؤدي إلى مواجهة إثر أخرى عندما يظهر سبب من الأسباب المباشرة لذلك، كما كان في التعامل مع جولة شيراك أو مع مشروع القرار الأوروبي في مجلس الأمن الدولي، ولكن هذا لا ينفي أن عناصر الصراع أصبحت أرسخ مما مضى، وأن من المنتظر لها أن تنمو لا أن تضمحل في المستقبل المنظور، وهنا تأتي منطقة ما يسمى بالشرق الأوسط، كجزء من المنطقة العربية الإسلامية بمجموعها، لتحتل المكانة الأولى بالنسبة للأوروبيين في هذا الإطار، جغرافيًّا فهي من القارة الأوروبية أشبه بأمريكا الوسطى والجنوبية من الولايات المتحدة الأمريكية واقتصاديًّا فارتباط الاقتصاد الأوروبي بالنفط العربي الآن وما يتوقع أن يصبح عليه في المستقبل المنظور، وكذلك ارتباطات النشاطات التجارية والمالية الأوروبية بالأسواق العربية والإسلامية القريبة الآن وفي المستقبل المنظور
أشد وأوسع نطاقًا إلى حد بعيد من ارتباط الاقتصاد الأمريكي بالمنطقة، إلا فيما يتعلق باعتماده على توسيع نطاق مواقع استغلاله العالمية للحيلولة دون تفوق منافسيه من أوروبا واسيا عليه، ويضاف إلى العنصرين الجغرافي والاقتصادي العنصر الأمني منذ فترة وجيزة، فقد كان المعسكر الغربي، يصنف المنطقة كحلقة أو حلقات متجاورة في إطار الطوق الأمني المفروض حول المعسكر الشرقي، وتحولت المنطقة الإسلامية ما بين إيران والمغرب في هذه الأثناء وبعد سقوط الشيوعية إلى حلقة أو حلقات متجاورة من الطوق الأمني الأمريكي، الذي يكاد يحاصر القارة الأوروبية نفسها.
لا ينبغي التهوين من شأن تطور نوعية العلاقات الأمريكية- الأوروبية وأثره على نوعية المواقف الأوروبية من مجرى ما يسمى «إحلال السلام في الشرق الأوسط»، وهو سلام «أمريكي- إسرائيلي» من بدايته إلى سائر ما وصل إليه حتى الآن، الأمر الذي يدركه الأوروبيون و«تسلم» به الأطراف العربية، وصحيح أن الأوروبيين يريدون أن يتحقق هذا السلام، ولكن بصورة مغايرة لما يريده الأمريكيون، بحيث لا يتحول مشروع نظام الشرق الأوسط الجديدة إلى حلقة من حلقات الحصار الأمريكي للمنطقة الأوروبية نفسها.
الأوروبيون ينطلقون في مصالحهم الذاتية بطبيعة الحال، ولتحقيق مطامع أخرى لم تعد قابلة للتحقيق بالضرورة في نطاق ما كان من ارتباط أطلسي وثيق، ولكن ليس هذا هو ما يفسر السلبية العربية تجاه الدور الأوروبي في المنطقة إن الأطراف العربية، بما فيها الطرف الفلسطيني ما تزال مترددة أو ممتنعة عن التعامل مع المبادرات الأوروبية خارج نطاق الحدود التي ترسمها معالم «السلام الأمريكي- الإسرائيلي» وهذا ما تعنيه في نهاية المطاف حجج تتردد من قبيل أن الأوروبيين لا يستطيعون التحرك بضغوط مؤثرة على الطرف الإسرائيلي، أو أنهم يعطون الأولوية المصالحهم على جميع الأحوال وهي مع الأمريكيين والإسرائيليين أكبر منها مع المنطقة العربية، مما أصبحت تردده ألسنة وأقلام عديدة في المنطقة العربية، تحرص على ما يبدو على استمرار الاحتكار الأمريكي للهيمنة على صناعة القرار أكثر من الحرص على تخفيف وطأة السلام المزعوم الذي يريد أن يعطي الطرف الإسرائيلي حقوقًا مطلقة، على كل صعيد... كما هو الحال مثلا مع الوان التفوق العسكري النوعي والممارسة الفعلية لتوجيه الضربات الآن مع الاستعداد المتواصل- رغم السلام المزعوم- لتنمية الطاقات الذاتية لتوجيهها في المستقبل أيضًا متى شاء الإسرائيليون والأمريكيون وحيث يشاؤون، أو كما هو الحال مثلًا مع وجوه التفوق الاقتصادي والتقني بإعطاء الأولوية المختلف أشكال التغلغل الصهيوني في المنطقة، تحت عناوين التطبيع، تجاه سائر الخطوات المحدودة بمحتواها وأثرها أصلًا المطلوبة من الإسرائيليين
في إطار الشعار المرفوع لمسيرة مدريد وفق صيغة "الأرض مقابل السلام"، وهذا مع استمرار ألوان المقاطعة والحصار وتصعيدها، وتوجيه الضربات المباشرة وغير المباشرة لكل بادرة حقيقية من بوادر النهوض الاقتصادي والتقني في المنطقة العربية والإسلامية، بدءًا بلقمة الطعام وانتهاء بقطعة السلاح.
التمرد العربي المفقود
لقد بدأت السياسة الأوروبية فيما يسمى الشرق الأوسط، تسلك أساليب استفزازية للدول العربية كي تتحرك وتتجاوب، وليس تجاه إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية فقط، وكأنها تطلب من المسؤولين في الدول العربية أن يتمردوا على الهيمنة الأمريكية، فلا يستجيبون، وكان يلفت النظر على سبيل المثال، أن الساسة الأوروبيين كانوا أشد حرصًا من الفلسطينيين أنفسهم على أن تشمل زياراتهم في مدينة القدس المغتصبة المؤسسة المعروفة باسم بيت الشرق، بعد أن جعلتها السلطات الإسرائيلية رمزًا لتأكيد اغتصابها للقدس بكاملها ورفض أي وجود للسلطة الفلسطينية فيها، ولو كان رمزيًّا وبصورة غير مباشرة، ثم أغلقتها مع سواها على طريق مزيد من التهويد للمدينة المغتصبة، وانعكس هذا السلوك الأوروبي في إلغاء بعض الزيارات أو في الإعلان المباشر عن التنديد بالموقف الإسرائيلي بهذا الصدد، كما صنع الفرنسيون، أو على الأقل تأجيل الزيارة بضعة شهور كما صنع ساسة أوروبيون آخرون، بمن فيهم وزير خارجية ألمانيا التي لا تخفي الحملات الصهيونية المتواصلة لإبقائها رهن قيود الجرائم النازية.
ويحاول الأوروبيون فتح أبواب جانبية إضافية، وهو ما تعنيه مثلًا الجهود المبذولة تحت عنوان «الشراكة الأوروبية- المتوسطية»، أما في إطار مجرى الأحداث ذات العلاقة المباشرة بقضية فلسطين بالذات أو ما أصبح يسمى بعملية إحلال السلام في الشرق الأوسط فيدرك الأوروبيون أن تصعيد مواقفهم يمكن أن يؤدي إلى خروجهم من الميدان بصورة نهائية وأن يقتصر دورهم على تقديم رؤوس الأموال والاستثمارات في حدود ما تسمح به المخططات الأمريكية والإسرائيلية فقط. فالفارق كبير بين ما كان في حقبة الحرب الباردة أثناء الصراع على النفوذ بين الشرق والغرب، حيث كان لكل طرف مناطق نفوذه وأتباعه بغض النظر عن التسميات وبغض النظر في هذا الموضع عن تقويم السياسات المحلية، وما يجري في الحقبة المرحلية الراهنة لتطور خارطة العلاقات الدولية، حيث لا يجد الأوروبيون ما يجده الأمريكيون من مناطق النفوذ والاتباع.
وكان مما يلفت النظر على سبيل المثال أيضًا أن الحرص الأوروبي على استقبال ياسر عرفات والتمجيد به وبدوره، وتأييد موقفه، إبان فتح النفق الصهيوني تحت المسجد الأقصى كان حرصًا كبيرًا، انعكس فيه الانزعاج الأوروبي من امتناع واشنطن عن دعوة الاتحاد الأوروبي إلى ما سُمى «قمة النفق» ولكن الطرف الفلسطيني أو الفلسطيني والأردني آنذاك، لم يظهر حدًّا أدنى من التجاوب العملي عن طريق الإصرار مثلًا على المشاركة الأوروبية كشرط لعقد اللقاء الذي لم يؤد واقعيًّا إلى إخماد «انتفاضة النفق»، كما أخمدت ثورة انتفاضة الثمانينيات الميلادية من قبل، وليس صحيحًا أن الإصرار على مثل ذلك الشرط لا يؤدي إلى نتيجة، فيما لو اقترن بتعزيز انتفاضة النفق آنذاك، وهذا ما يؤخذ من مثال آخر عندما أصر السوريون واللبنانيون على المشاركة الفرنسية في قضية جنوب لبنان قبيل سقوط بيريز، وتحت تأثير عمليات المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما أدى بالفعل إلى فتح الثغرة الوحيدة الجديدة أمام الفرنسيين عبر لجنة المراقبة الدولية في المنطقة.
كذلك فمما يلفت النظر أن «الفيتو» الأمريكي الأخير الذي أسقط مشروع القرار الأوروبي، لم يؤد إلى أي تغيير في برامج توثيق العلاقات العربية- الأمريكية في إطار ترسيخ هيمنة واشنطن وهيمنة انحيازها العلني المتبجح إلى الطرف الإسرائيلي، حتى في القضايا التي تزعم عدم وجود خلاف مع الطرف العربي بصددها كالجزء الشرقي من القدس المحتلة، فكان أن اتخذت زيارة الرئيس المصري للولايات المتحدة الأمريكية مجراها بمعزل عن «الفيتو» الأمريكي وعن مصير القدس نفسها، كما كان مقررًا للزيارة من قبل، بل وانعكس ذلك أيضًا في عدم التجاوب المصري- بالمقدار المناسب- مع الدعوة الفرنسية الصادرة عقب الفيتو مباشرة لتعاون أوثق في معالجة القضايا المطروحة على الساحة.
لقد وجد التمرد الأوروبي المتصاعد تدريجيًّا على الهيمنة الأمريكية عالميًّا أصداء إيجابية مبدئية على الأقل في منطقة جنوب شرق آسيا، فوصل التعاون بين الطرفين إلى مستوى بدأ يؤثر على معالم الخارطة المستقبلية للعالم في هذه المنطقة.
وكذلك بصورة محدودة في أمريكا الجنوبية فترك آثاره هناك أيضًا، فضلًا عن الصين واليابان مما سبق وعكس نتائج منظورة في موازين القوى الدولية، ولا تخلو سائر هذه الميادين من نكسات بطبيعة الحال، ولكنه لم يجد في المنطقة العربية والإسلامية حتى الآن- باستثناء تركيا في الآونة الأخيرة وإيران من قبل في إطار ظروف وشروط مختلفة- أي لون من ألوان التمرد بنكسات أو دون نكسات على هيمنة الزعامة الأمريكية التي تتطلع إلى الانفراد في صناعة القرار عالميًّا، وفي كل منطقة إقليمية على حدة.
ولا ينفسح المجال للتفصيل في هذا الموضع إنما لا غني عن التنويه بأن التمرد المطلوب والتلاقي في ذلك مع الأوروبيين، لا يعني اتباع سياسة تجاه أوروبا، كتلك التي ثبت خواؤها وإخفاقها ما بين المعسكرين في حقبة الحرب الباردة من قبل، فنتائج التبعية الأجنبية على مستقبل الأرض الإسلامية بمجموعها نتائج واحدة، سواء كانت الهوية سوفييتية أو أمريكية أو أوروبية أو سوى ذلك إنما المطلوب هو التمرد على التبعية الأجنبية نفسها، والتعامل في الوقت المناسب وبالأسلوب المناسب مع عجلة المتغيرات السريعة على الساحة العالمية، فللأوروبيين في المنطقة مطامعهم وإن أعطوها عنوان المصالح ويسعون لفرض هيمنتهم إلى جانب الهيمنة الأمريكية أو مكانها، وليس إلى دعم استقلالية القرار وحرية التطور وحق التقدم في المنطقة الإسلامية وفق ما تفرضه المعطيات العقدية والحضارية والتاريخية والذاتية وما تؤكده المواثيق الدولية الحديثة على السواء، وهذا مما يجب وضعه في الحسبان عند التعامل مع الجهود الأوروبية الراهنة، ولكن لا ينبغي على أي حال الاكتفاء بردود الفعل الشكلية المحدودة، والمنفردة من بلد إلى بلد المنفصلة عن بعضها بعضًا من واقعة إلى أخرى، كما هو الحال الآن، ووسط إصرار يثير أقصى درجات الاستغراب والعجب، إلى جانب الأسى والغضب على التمسك بقيود الهيمنة الأمريكية بالذات، سيان كم بلغت من درجات التبجح والاستهانة بالعرب والمسلمين، وبقضاياهم المصيرية، وبدولهم وزعمائها، دون تمييز.