; في موكب الدعوة | مجلة المجتمع

العنوان في موكب الدعوة

عنوان تمهيدي في المحراب

الكاتب عطية محمد سعيد

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1975

مشاهدات 40

نشر في العدد 257

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 08-يوليو-1975

تكلمنا في أعداد سابقة من مجلة «المجتمع» عن معرفة الله وأسمائه الحسنى وأثرها في نفس المؤمن العارف بالله، وأوضحنا أن من اهتدى لمعانيها وأدرك أسرارها فقد عثر على الكنز الذي لا يفنى، والنعيم الذي لا ينضب، ومن حُرم من ذلك فقد حرم الخير كله؛ مما دعا الإمام ابن تيمية- رحمه الله- أن يقول كلمته المشهورة في حرمان ومسكنة أهل الدنيا الذين خرجوا منها ولما يذوقوا هذا النعيم ويتعرفوا على تلك الأسرار.

وحديثنا اليوم عن آثار هذه المعرفة الكاملة لله وأسمائه وصفاته في نفوس الأنبياء والمرسلين، وكيف أنها كانت غذاء أرواحهم وإلهام عقولهم وقلوبهم ومصدر عزتهم وسر قوتهم في صراعهم ضد قوى الباطل مجتمعة.

طبيعة الدعوة إلى الله

إن المهمة التي أرسل الله بها رسله وأوكلهم بتبليغها للناس هي ما يمكننا أن نسميها- بتعبيرنا العصري- مهمة انقلابية ثورية، فهو ثورة تحريرية في عالم المعتقدات تحرر الناس من الخرافة وعبادة الأوثان وتهديهم إلى عبادة الله وحده.

وثورة اجتماعية في العلاقات العامة بين الناس تهدم الفوارق الطبقية والعرقية التي تقوم على الأنساب والأموال والاعتبارات المادية، وتقيم على أنقاضها مبادئ الأخوة والمساواة بين الناس في الأصل المشترك بينما تفسح المجال للتفاضل في مراتب التقوى والعمل الصالح: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13).. «كلكم لآدم وآدم من تراب».

وثورة في المعاملات المالية والتجارية من الحيف وتطفيف الميزان إلى الإنصاف والتعامل بالقسط.. ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۖ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَۚ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ (هود: 84)، ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ* الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ المطففين: 1-3.

وثورة على الترف والانسياق وراء الشهوات الهادمة التي تهدم كيان المجتمع: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16).

وثورة على العلاقات الجنسية المنحرفة ومظاهر العهر والتفسخ التي تنخر في كيان الأمة: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ تَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ* أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ (العنكبوت: 28- 29)، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَاۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 32).

وأخيرًا ثورة على الطغيان والاستبداد السياسي الذي يتسلط على رقاب الناس فيسومهم سوء العذاب فيذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، وينصب أشخاص أصحابه آلهة تُعبد في الأرض من دون الله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾ (القصص: 38)، ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَىٰ أَنْ تَزَكَّىٰ * وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ * فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ * فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ * فَحَشَرَ فَنَادَىٰ * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ * إِنَّ فِي ذَٰلِكِ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَىٰ﴾ (النازعات: 15-26).

هذه هي مهام الدعوة إلى الله التي أرسل بها رسله وجاءت بها الرسالات الدينية من عنده، وهي كما نرى مهمة عسيرة جدًا.

وكما أوضحتُ أنها مهمة ثورية انقلابية تدعو إلى التغيير الشامل لكل الأوضاع والمعتقدات والعادات، واستبدال شريعة الله التي تضمن إحقاق الحق وإبطال الباطل ونصرة المظلوم وحماية المستضعف بالقوانينِ الجائرة والنظم الفاسدة.

وتنفيذ أي بند من هذه البنود يحتاج إلى قوة ضاربة تحمي الرسول وتدفع عنه السوء حتى يستطيع تبليغ ما أُمر به.

فما حقيقة القوة التي أمد الله بها هؤلاء الرسل حتى يقوموا بإحداث التغيير المطلوب؟

هل أمدهم بالرجال والذخائر؟

هل زودهم بالسلاح والعتاد الحربي؟

هل أنزل عليهم معامل الذخيرة ومصانع الحديد ومناسج الدروع؟

وإذا كان كل هذا لم يحدث.. فكيف إذن يستطيع هؤلاء أن يبلغوا دعوتهم ويحققوا أهدافهم الدينية؟

مصدر العزة والقوة

وللإجابة على مصادر القوة في دعوات الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، نحب أن نقف وقفات قصيرة مع بعض هؤلاء النبيين والمرسلين عليهم السلام لنتعرف على أسرار الصمود الذي استطاعوا أن يهدوا به العروش ويدكوا بهِ القلاع.

لقد خرج موسى عليه السلام من مصر خائفًا يترقب بينما كان في إبان قوته ونضرة شبابه، وعاد إليها بعد عشر سنوات قضاها في مدين رسولًا يحمل دعوة الخلاص.. لقد كلمه ربه في جبل الطور وأمره بدعوة فرعون الطاغية المتألِّهِ إلى عبادة الله وترك الظلم.

فتلقى موسى أمر الله بالقبول، ولكن نفسه البشرية تحركت بكل ما فيها من خوف البطش والتنكيل لما تعرفه من جبروت فرعون وشدة بأسه، ولما تحسه في قرارتها من العجز عن تبليغِ هذه الدعوة الجريئة: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِيۖ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَاۚ بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ (القصص: 33-35).

ومرة ثانية يرتفع صوت موسى ليخاطب الحق عز وجل معربًا عن نفسه وأخيه عن تهيبهما للوقوف أمام فرعون: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَىٰ﴾ (طه: 45).

فماذا كان الجواب؟!

هل أمدهما الله؟!

هل أعفاهما من المسؤولية؟!

هل أنزل عليهما الكتاب والجنود؟

لقد كان الرد الإلهي قويًا وحاسمًا معًا جعل موسى يمضي في قوة وعزمٍ لتنفيذ أوامر الله من دون تردد: ﴿قَالَ لَا تَخَافَاۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾ (طه: 46).

ومنذ تلك اللحظة لم يبالِ موسى بشيء أبدًا رغم كل ما أحاط بدعوته من ظروف قاسية رهيبة.. فذهبَ إلى فرعون رابط الجأش وجادله في قوة وعزم، ولما بدأ فرعون يتعالى عليه ووصفه بالجنون والسحر هدده موسى: ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا * قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ (الإسراء: 101-102).

ومرة ثانية واجه موسى موقفًا حرجًا وهو يخرج ببني إسرائيل ليجتاز بهم البحر ويدركه فرعون بجنوده، ويسقط بنو إسرائيل من الفزع في اضطراب وذعر.

وجد موسى نفسه وحيدًا في الميدان يواجهه البحر بأمواجه، وفرعون بجنوده، وبنو إسرائيل الذين أُسقط في أيديهم فكادوا يموتون من الهلع.

وفي هذه اللحظات يتذكر موسى العهد فيستهين بكلِّ ما يحيط بهِ من أهوالٍ.. ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّاۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَۖ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ الشعراء: 61-65.

وجاء من بعد موسى دور خاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليه وهو يصدع بالدعوة في ربوع مكة وينال من الأذى ما يقابل حتى اضطر أن يلجأ هو وصاحبه إلى الغار فلحق بهما المشركون حتى إن أحدهم لو نظر تحت قدميه لرآهما.

وفي تلك اللحظات الرهيبة بكي أبو بكر قائلًا: إني لا أبكي على نفسي يا رسول الله وإنما أبكي عليك.

فماذا كان رده صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف؟ قال له في إيمان الواثق من النصر: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما».

وأنزل الله قوله في ذلك: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة: 40).

فكانت هذه من محمد كأختها من موسى هي المَدَدُ الذي لا ينتهي والمعين الذي لا ينضب والقوة التي لا تقف أمامها جحافل الأرض مجتمعة، وقد عبر بعض الصالحين عن هذا المعنى فقال: «إذا كان الله معنا فمن علينا؟!».

نصر:

لقد انتصر الحق الأعزل على الباطل المدرع، وعلت كلمة الله فكانت هي العليا رغم ضجيج الباطل وكثرة أصواته وآلاته، ومضت سنة الله في الخلق بانتصار الحق على الباطل على توالي العصور والأزمان..

فانتصر هود على عاد.

وصالح على ثمود.

وإبراهيم على النمرود.

وموسى على فرعون.

ومحمد -صلوات الله وسلامه عليه- على جاهلية قريش.

وطوت دعوة الحق على أيديهم ألوية الخرافة والوثنية والسحر والظلم والطغيان، ورفعت مكانها راية الحق والعدل بين العالمين.

وصدق الله وعده: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: 18)، ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81).

وبذلك تحقق الوعد الصادق الذي لا يتخلف أبدًا: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات: 171-173)، ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (غافر: 51).

أين نحن من النصر؟

ما توفرت لدعوة الإسلام في يوم من الأيام الإمكانيات والوسائل الكفيلة بتطبيق الدعوة مثل ما توفرت الآن، فالمطابع تقذف بملايين النسخ من الكتب الإسلامية كل يوم، وأجهزة الإعلام قد دخلت كل بيت تحمل كلمة الله، ووسائل المواصلات قد قربت كل بعيد ويسرت أداء المناسك، ومكبرات الصوت قد تكفلت بإبلاغ صوت الأذان لكل غافل، إلى غير ذلك من وسائل ومخترعات.

ورغم كل هذا أرى دعاة الإسلام يشكون مر الشكوى من تحلل المجتمعات الإسلامية وسقوط الدول والممالك المسلمة واحدة تلو أخرى تحت وطأة الشيوعيين والأحكام الاستبدادية وخروج الناس من دين الله أفواجًا كما دخلوا فيه من قبل أفواجًا.

فما السر في ذلك؟

يا دعاة الإسلام:

افهموا أنفسكم وتحسسوا قلوبكم.. هل أنتم مع الله أم مع غيره؟ وهل تعتمدون عليه أم على وسائلكم وإمكانياتكم؟ وهل تستشعرون حاجتكم وفقركم إليه أم تمنون عليه بما تقومون به من أعمال؟

﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواۖ قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الحجرات: 17).

وأخيرًا.. يا دعاة الإسلام: اعلموا أن زادكم في المعركة هو زاد من سبقكم من رسل الله وهو محبة الله لكم فجاهدوا أن تأخذوا نصيبكم من هذا الزاد. واعلموا يقينًا أن الله لن يكون مع الناكثين ولا المتهوّكين الذين يريدون «فرنجة» الإسلام.

وإنما هو مع الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار، فكونوا منهم يكن الله معكم، وهو حسبكم ونعم الوكيل.

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل