; هزيمة الباطل.. الحلقة السابعة | مجلة المجتمع

العنوان هزيمة الباطل.. الحلقة السابعة

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 30-ديسمبر-1986

مشاهدات 65

نشر في العدد 798

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 30-ديسمبر-1986

ستغلبون وتحشرون:

وثالث

مقومات الثقة بالنصر الاستيقان من هزيمة الباطل، وهي عقيدة لا بد أن يستحضرها دعاة الحركة الإسلامية، ذلك أن هزيمة الباطل حتمية في سنن الله تعالى، فلا يُمكن أن يُمكَّن لأهل الباطل، وتستقر الحياة دون هيمنة منهج الله في الحياة، ومهما طالت حياة الباطل، فإنها جولة ما تلبث أن تنقضي وتهلك، ويكون بهلاكها عبرة للآخرين.

فلقد تربى الرعيل الأول على آيات كقوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (آل عمران: 12)، حقيقة لم تتزعزع بسبب شدة البطش، ولا لطول جولة الباطل، ولا دموية أهله وشراستهم، ولا لكثرة العدة والعتاد، ولا حتى لكثرة أتباع الباطل؛ بل بسبب أن الباطل بذاته ومن تركيبته الشاذة بناء منهدم؛ إذ يقول تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81). 

الباطل الزهوق:

يقول الإمام القرطبي «وزهق الباطل: بطل الباطل، ومن هذا زهوق النفس، وهو بطلانها، يقال: زهقت نفسه تزهق زهوقًا وأزهقتها ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ أي لا بقاء له، والحق الذي يثبت».[1]

فالباطل زهوق، وإن بدأ حيًّا تدب فيه الحياة، لكنها حياة مزيفة، مصنوعة، ما تلبث أن تتوقف إذا انجلت الزينة والأصباغ، وبدأ اللون الحقيقي الشاحب، الدال على الموت المؤكد لهذا الباطل، يقول الأستاذ سيد قطب: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ لأنه لا يحمل عناصر البقاء في ذاته، إنما يستمد حياته الموقوتة من عوامل خارجية وأسناد غير طبيعية، فإذا تخلخلت تلك العوامل، ووهت هذه الأسناد تهاوى وانهار، فإما الحق فمن ذاته يستمد عناصر وجوده، وقد تقف ضده الأهواء، وتقف ضده الظروف، ويقف ضده السلطان، ولكن ثباته واطمئنانه يجعل له العقبى ويكفل له البقاء؛ لأنه من عند الله الذي جعل «الحق» من أسمائه وهو الحي الباقي «الذي لا يزول».[2]

الفجر القادم:

وعندما دخل سيد قطب رحمه الله هو ورفاقه السجن الحربي بسبب كلمة الحق، ولاقى هو وصحبه من التعذيب ما لاقى، أراد أن يجدد حقيقة «زوال الباطل» في نفوس أصحابه الذين ربما تزعزعت في نفوس بعضهم هذه الحقيقة لشدة البلاء الذي أصابهم، فصاح صيحة الواثق..

«أخي ستبيد جيوش الظلام 

ويشرق في الكون فجر جديد

فأطلق لروحك إشراقها 

ترى المجد يرمقنا من بعيد».[3]

رابعًا: الاستيقان من نصر الله

تثبيت القلوب:

يقول تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (المجادلة: 21)، يقول الحافظ بن كثير: «أي قد حكم وكتب في كتابه الأول وقدره الذي لا يخالف ولا يمانع، ولا يبدل بأن النصرة له، ولكتابه ورسله وعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة»،[4] ويقول الشيخ السعدي: «وهذا وعد لا يخلف ولا يغير، فإنه من الصادق القوي العزيز، الذي لا يعجزه شيء يريده».[5]

ويقول تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (المائدة: 56) هذه الآيات وغيرها تأتي لتثبيت قلوب المؤمنين، وتغرس فيهم الرجاء بالنصر، حتى يصلوا في ذلك إلى درجة اليقين الذي لا شك فيه، بأن النصر قادم لا محالة، يقول سيد قطب: «قد يعد الله المسلمين الغلب لتثبيت قلوبهم، وإطلاقها من عوائق الواقع الحاضر أمامهم -وهي عوائق ساحقة في أحيان كثيرة- فإذا استيقنوا العاقبة قويت قلوبهم على اجتياز المحنة، وتخطي العقبة، والطمع في أن يتحقق على أيديهم وعد الله للأمة المسلمة، فيكون لهم ثواب الجهاد، وثواب التمكين لدين الله، وثواب النتائج المترتبة على هذا التمكين».[6]

إني مغلوب فانتصر:

يقول تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ  فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾ (القمر: 9 ,10)، فالله ينصر فردًا واحدًا إذا ما بذل كل ما لديه من طاقة وجهد وسبب، وتوجه بعدها لله يطلب النصرة، فكيف بالجموع المؤمنة التي تطلب النصرة إذا ما بذلت كل ما بوسعها وطاقتها من أجل نصرة دين الله، فالله الذي غمر الأرض بالطوفان من أجل فرد مؤمن، لجأ إليه بعد ما بذل كل ما بوسعه؛ لقادر على تحطيم كل أنواع الطغيان من أجل الفئة المؤمنة.

وهذه عقيدة يجب أن تستقر في نفوس أبناء الحركة الإسلامية.

لا مبدل لكلماته:

يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ  قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (الأنعام: 33 ,34) ، يقول ابن كثير: «هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية له فيمن كذبه من قومه، وأمر له بالصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ووعد له بالنصر كما نصروا، وبالظفر حتى كانت لهم العاقبة بعدما نالهم من التكذيب من قومهم والأذى البليغ، ثم جاءهم النصر في الدنيا، كما لهم النصر في الآخرة، ولهذا قال: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ أي التي كتبها بالنصر في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين».[7]

إن الناظر للحرب الشرسة التي يواجه بها أصحاب الحق من أهل الباطل، من حملات إعلامية، وتضييق في الرزق، وتشويه للسمعة، واضطهاد وملاحقة، وتصفية في كثير من الأحيان؛ حتى غدا المتدين هو الذي يتحرى عنه بدقة في نقاط الحدود بدلًا من المعربد المحشش الخؤون، وأصبح الآخر هو الثقة بمقارنته بصاحب الحق، إن هذا الوضع يشكل ضغوطًا نفسية لصاحب الحق، تجعله يقترب من اليأس من النصر لطول ليل الظالمين، والذي يبدو من الوهلة الأولى لا نهاية له، فتأتي هذه الآيات كالبلسم الشافي، وكالنور يشع في عتمة ليل الطغاة، مؤكدة بأن النصر آتٍ لا ريب فيه..

يقول سيد قطب: «إن موكب الدعوة إلى الله موغل في القدم، ضارب في شعاب الزمن، ماضٍ في الطريق اللاحب، ماضٍ في الخط الواصب.. مستقيم الخطى ثابت الأقدام.

يعترض طريقه المجرمون من كل قبيل، ويقاومه التابعون من الضآلين والمتبوعين، ويصيبه الأذى من يصيب من الدعاة، وتسيل الدماء وتتمزق الأشلاء.. والموكب في طريقه لا ينحني، ولا ينثني ولا ينكص ولا يحيد.. والعاقبة هي العاقبة، مهما طال الزمن، ومهما طال الطريق.. إن نصر الله دائمًا في نهاية الطريق»،[8] وإذا كان لكل شيء مظهر يستدل به عليه، فإن من أبرز ظواهر الاستيقان بالنصر، هو الاستيقان بالاستخلاف والاستيقان بالتمكين.
 

[1] تفسير القرطبي 6\131.

[2] الظلال 4\2247.

[3] الكفاح الإسلامي – الأردنية العدد 29.

[4] تفسير ابن كثير 4\329.

[5] تفسير كلام المنان 7\322.

[6]الظلال 2\922.

[7] تفسير ابن كثير 2\130.

[8] الظلال 2\1077.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1890

62

السبت 20-فبراير-2010

مساحة حرة (العدد 1890)

نشر في العدد 967

64

الثلاثاء 22-مايو-1990

المجتمع النسوي