العنوان الإسراء والمعراج
الكاتب عبد الله بن عبد الرحمن السند
تاريخ النشر الجمعة 01-أغسطس-1975
مشاهدات 5
نشر في العدد 261
نشر في الصفحة 48
الجمعة 01-أغسطس-1975
تحدث الناس كثيرًا عن ذكريات الإسلام الخالدة
المجيدة الباقية بقاء الدهر واستمع الناس كثيرًا إلى هذه الأحاديث فلم يملوا
سماعها ولم يمل المتكلمون تكرارها والخوض فيها كل عام وهي على كثرة الإعادة
والترداد وكثرة الاستماع والإنصات لا تزداد إلا حلاوة وطراوة وحسنًا وتصع بين
الأفئدة والقلوب، فكأنها الزهور الساطعة كلما شممت عبيرها زادت تعلقًا بها.
لقد وضع الله في يد محمد صلى الله عليه وسلم سلاحًا
من الحق وفي قلبه قبسًا من الإيمان ليمحو بؤس البائس ويقوم اعوجاج المعوج ويكبح
جبروت الظالم، ويطهر المجتمع الإنساني من الآفة التي زرعها أحفاد الإنسان وانصرافه
عن سبل الفطرة الصافية والأخوة الواقية ثم ليربط بين قلب الإنسان وبين ربه ليعظم
دائمًا من مراقبته له، فلا يجور ولا يبغي ولا يستعبد لشهواته ولا يزل لطمع ولا
يميل عن قصد ولا يترك سواء السبيل فينعم الإنسان في خلال ذلك الهدى الإلهي بالأمن
والسكينة والاستقرار.
ورجل مثل محمد عليه الصلاة والسلام هذه رسالته وتلك
غايته، لا يريد للناس إلا الخير ولا يبغى لهم إلا الإصلاح ولا ينشد لهم إلا
الهداية رجل هذا شأنه لا تغره الدنيا بمفاتنها ولا تصرفه إلى محاسنها وهو جدير
لهذا بأن يكون القدوة والأسوة يسير وراءه الإنسان العاقل الفاضل حتى يعتصم من
الزيغ ويسير على درب الحق فيصل إلى الغاية المثلى.
الإسراء والمعراج سيبقى حدثًا مهمًا، مهما تقدم
العلم وكشف بأسراره من خفايا الوجود ومكن الإنسان من ألوان السيطرة على الحياة،
سيبقى الإسراء والمعراج حدثًا هائلًا يغري القلوب بنفحات الإيمان.
لقد تقدم العلم البشري خطوات هائلة في العصر الحديث
واستطاع أن يصعد بالإنسان في طبقات الهواء ويرتفع به إلى مستوى بعيد فوق السحب ثم
بدأ يحاول السيطرة على الأفلاك بعد أن سيطر على مسارب الأسماك.
قالوا لقد أعتقت الأقمار على ضخامة وزنها من جاذبية
الأرض وذهبت في طبقات الأثير تلف وتدور وتكشف المستور وذلك خروج من صنع الإنسان..
فما هذا من عروج النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟ وهؤلاء المفتنون بهذه الثمرات
العقلية المنصرفون عن إدراك سمو القدرة الإلهية في العروج برسول البشرية إلى
السماء، هؤلاء ليس يرد عليهم إلا بقول العلم نفسه الذي ساهم فيها فيما وصل إليه الإنسان
من تقدم وما ظفر به من كشف.
إنه يصيح على ملأ الدنيا منذ سنين قلائل.. على
ألسنة بعض العلماء الألمان أن يقرروا ضعف العقل البشري مهما قوي، وعجزه عن السيطرة
على الأفلاك والإحاطة بمسرى الأفلاك والصولات في تلك العوالم التي ترتفع عن الغلاف
الأرضي وتبعد عنه قليلًا أو كثيرًا، فلقد كتب العالم الألماني كارل مايلينر يقول: «إن
الفضاء الكوني مازال سرًا عجيبًا، وإنه سيظل كذلك، وإنه إذا كانت هناك قدرة تستطيع
أن تسيطر عليه فهي قدرة الله، وإذا كان هناك علم يستطيع أن يكشف سره فهو علم الله.
إن هذا العالم يقرر حقائق هائلة ومذهلة في تقريره
الواقعي العلمي الدقيق العميق المبني على الأرقام، فهو يقول: لو كان لدينا صاروخ
تبلغ سرعته في الساعة مليونًا من الكيلومترات فإننا نحتاج لنصل به إلى الكوكب
السيار المعروف باسم «بلوتو» إلى سبعة عشر شهرًا في الذهاب والإياب. ويقول لنا: لو
أردنا الذهاب إلى أقرب الكواكب الذاتية من الأرض بصاروخ يسير في كل ساعة ألف كيلو
متر فإننا نحتاج للوصول إلى ذلك الكوكب إلى (46000) ست وأربعين ألف عام.
ثم يرتقي التقرير شيئًا فيقول: لو أردنا اجتياز
المجرة من طرفها إلى طرفها المقابل بصاروخ تبلغ سرعته في الساعة مليونًا من
الكيلومترات فإننا نحتاج في هذه الرحلة إلى (70000) سبعين مليونًا من السنين.. تلك
حقائق علمية يضمها العلم الواقعي بين يدي البشرية كلها ليعرف العقل الإنساني قيمته
فلا يغالي في غروره ولا يسرف في اعتقاده بنفسه ولا يزدهي بجبروته ثم ليلتف الناس
على تصور لتلك العوالم الرهيبة الواسعة التي لا يحدها الفكر ولا يحيط بها الخيال
وهي متناثرة في الآفاق الدانية بنا والتي استطاع الإنسان أو علم الإنسان بها خاصًا
بمقدراته وأجهزته ومراصده أن يسجلها ويسجل حركاتها ومدادها وأنها على اتساعها
ورحابها والعجز عن اجتيازها بعيدة بعدًا سحيقًا عن السماء الدنيا، فما بالكم
بالسموات العليا التي عرج محمد عليه الصلاة والسلام إليها؟!
تلك حقائق يقرها العلم ويقطع عن طريقها بعجز العقل
البشري عن أن يرتفع بالإنسان إلى حيث يطمح طموحه، وأن العقل البشري مهما جنح خياله
واشتد طمحه فلا يأمل أن يرتفع بصاحبه إلى السماء.
فإذا جاء العربي القرشي الأمي محمد صلى الله عليه
وسلم ودعي إلى ضيافة ربه خالق الكون وملك الملك ومدبر الأمر جميعه فطويت له
الأبعاد وقربت له الآماد وفتحت له أبواب السموات وقامت على ذلك كله الآيات البينات
والأدلة القاطعات الهادية لكل قلب يبتغي الهداية الداحضة لكل شبهة تحاول أن تحاط
بالباطل.. تراهم يتعجبون لقد أشار القرآن الكريم إلى الإسراء بقوله: ﴿سُبْحَانَ
الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى
الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء: 1).
إن هاتين الرحلتين: الرحلة الأرضية (الإسراء)
والرحلة السماوية (المعراج) حدثتا في ليلة واحدة قبل الهجرة بسنتين، ليمحص الله
المؤمنين ويبين منهم صادق الإيمان ومن في قلبه مرض، فيكون الأول خليقًا بصحبة
رسوله الكريم إلى دار الهجرة والأنواء تحت لوائه وجديرًا بما يتحمله من أعباء جسام
وتكاليف شاقة من جهاد ديني وقيام بدعوة تعم المعمورة في ذلك الحين شرقًا وغربًا،
وأن الله تعالى أطلع رسوله على ما في هذا الكون أرضيه وسمائيه من العظمة والجلال
ليكون ذلك درسًا عمليًا لنبيه ورسوله بالمشاهدة والنظر.
يا مسلم يا عربي إن محمدًا النبي العربي يدعوك
لتعمل صالحًا في الليل وفي النهار حتى نكون في طليعة الأمم ويدعوك لتجعل من ليلك
الهادئ الساكن فترة تبلو فيها روحك بالنجوى وتغسل فيها قلبك بالعبادة وتهذب بها
حدك بالسجود.. تلك سمات الأبرار.
إن كثيرًا من الناس يفهمون البركة حول بيت الله
الأقصى بكثرة الثمار والزروع ووفيرة الأرزاق وغيرها مما تغل تلك الأرض الطيبة
الخصيبة.
وإذا كانت هذه وأمثالها من النعم المادية خيرًا لا
مراء فيه وبركة لا يشك فيها فإن البركة الحقيقية في يقظة القلوب المؤمنة بالله
المنتحبة للحياة المتجاوبة مع الإصلاح، الآخذة تلك القلوب التي تقتبس أنوارًا من
ماضيها الذي كان يسود الدنيا ويقود بالعدل وتمد بحيويتها حاضرها الذي غدا حاضرًا يلفت
الدنيا ويملؤها بالإعجاب، وتتجه في قوة إلى مستقبلها الذي نرجو أن يكون مسايرًا
للحاضر في عزته ومجده.. تلك هي البركة التي يبعثها القرآن إذ لا نبت ولا زهر، لا
في حب ولا في ثمر ولا في درهم ولا في دينار رزئ الإنسان في قلبه أو أصيب في لبه أو
نكب في عقيدته الدينية وأخلاقه الفاضلة:
وليس بعامر بنيان قوم إذا أخلاقهم كادت
خرابًا
إن الإسراء بمحمد صلى الله عليه وسلم والعروج به في
الليل يهتف بكل مسلم حقيق لا ييأس عقله إذا جن الظلام ولا تتبدد أعصابه وأعضاؤه
إذا استغرق الناس في المنام؛ فإن الليل شطر الحياة فمن ضيعه أضاع نصف عمره أو أكثر
من نصفه.
ومن أجل ذلك دعي النبي العربي الكريم محمد عليه
أفضل الصلاة والتسليم إلى السموات العالية بأمر من ربه تبارك وتعالى في ظلمات
الليل لينبه أتباعه فلا يقضوا ليلهم نيامًا، وليجدوا منه أو من بعضه مجالًا للحد الموصول
والعمل النافع حتى تصفو نفوسهم، فلا ترين عليها الغفلة، ويكثر إنتاجهم فلا يتخلفوا
عن ركب الحياة ولا يسبقهم غيرهم من خلق الله.
وفي الختام أسأله عز وجل أن ينفعنا، وأن يحفظنا من
آذان لا تسمع ومن عيون لا تدمع، ومن قلوب لا تخشع، ومن موعظة لا تنفع، ومن مجتمع
لا يراقب الله في سره وجهره.. والله الموفق لكل خير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل