; أدب وثقافة.. عدد (982) | مجلة المجتمع

العنوان أدب وثقافة.. عدد (982)

الكاتب المحرر الثقافي

تاريخ النشر الأحد 29-ديسمبر-1991

مشاهدات 38

نشر في 982

نشر في الصفحة 42

الأحد 29-ديسمبر-1991

 ومضة:

لا يهم اسم المنطقة ولا من هو أو هي بقدر ما يهمني مغزى الحادثة، ودلالتها التي تضطرني للخجل وتدفعني للتفكير في مثل هذه النوعية من البشر التي فقدت كثيرًا من مضامين الرجولة، وضحت بالعديد من الصفات النبيلة، واستهترت بكل أشكال المروءة، وأصيبت بنقص المناعة الدينية، وهزلت بنيتها الأخلاقية وضمر فيها الضمير وتراجعت عندها القيم أمام عبادة العجل الذهبي الذي يغذيه الكسب الحرام وينميه النصب والاحتيال، وتسفر عنه المادية المعاصرة التي طغت على المفاهيم وأثرت في الأفكار وشوهت العواطف وجعلت الواحد منا وحشًا في ثياب إنسان.

وقعت تلك الحادثة في الأيام الأخيرة من شهر نوفمبر ۱۹۹۱ عندما ذهبت إحداهن إلى المقسم للمراجعة بشأن هاتفها ضمن الإجراءات المتبعة لنهاية الخدمة، فأذهلها رقم المبلغ المترتب عليها وبعد البحث والاستفسار علمت أن المالك كان يدخل السكن أثناء غيابها ويجري مكالمات خارجية من هاتفها ثبت ذلك من الأرقام التي كان يتصل بها والتي تخص أولاده وأقاربه الذين يدرسون أو يعملون أو يؤمون المناطق السياحية من العالم.

وعندما راجعته في الأمر أنكر بداية ثم رفض أن يسدد قيمة الفاتورة مستغلًا ضعف المرأة التي تزمع السفر بعد إنهاء خدماتها في البلاد.

وعلمت الجهات المسؤولة بالواقعة فتداركت الموقف باتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية حقوق الآخرين.

وهكذا انتهت معاناة المرأة المسكينة وعولجت المسألة بحكمة ومسؤولية، وبقي ذلك الأفاق المستغل رمزًا للنذالة والدناءة والتخلف الوجداني واستمر الوحش متخفيًا في الثياب الآدمية.

القاضي الجرجاني في أهل العلم

يقولون لي: فيك انقباض وإنما

 

رأوا رجلًا عن موقف الذل أحجما

أرى الناس من داناهم هان عندهم

 

ومن أكرمته عزة النفس أكرمًا

وما زلت منحازًا بعرضي جانبًا

 

عن الذل اعتد الصيانة مغنمًا

إذا قيل: هذا منهل قلت: قد أرى

 

ولكن نفس الحر تحتمل الظما

أنهرها عن بعض ما لا يشينها

 

مخافة أقوال العدا: قيم؟ أو لما؟

وإني إذا ما فاتني الأمر لم أبت

 

أقلب فكري أثره متندما

ولكنه إن جاء عفوًا قبلته

 

وإن مال لم أتبعه هلا وليتمــا

وأقبض خطوي عن حظوظ كثيرة

 

 إذا لم أنلها وافر العرض مكرما

وأكرم نفسي أن أضاحك عابسًا

 

وأن ألتقي بالمديح مذمما

وكم نعمة كانت على الحر نقمة

 

وكم مغنم يعتده الحر مفرما

وما كل برق لاح لي يستفزني

 

ولا كل من لاقيت أرضاه منعما

إلى أن أرى ما لا أغص بذكره

 

إذا قلت: قد أسدى إلى وأنعما

ولم أقض حق العلم إن كان كلما

 

بدا طمع صيرته لي سلما

ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي

 

لأخدم من لاقيت لكن لأخدما

أشقي به غرسًا وأجنيه حنظلا؟

 

إذا فاتباع الجهل قد كان أحزمًا

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم

 

ولو عظموه في النفوس لعظما

ولكن أهانوه فهانوا ودنسوا

 

محياه بالأطماع حتى تجهما!

 

الهاتف

قصة قصيرة

بقلم: نازك الطنطاوي

في الصباح استيقظت نبيلة على رنين الهاتف. أمسكت السماعة وأنصتت لحظة ثم لم تتمالك نفسها من هول ما سمعت فألقت بسماعة الهاتف وألقت بنفسها على الكرسي الذي كان بجوارها والدنيا تدور من حولها، وأخذت الدموع تنهمر من عينيها وكأنهما ينبوعان من الماء، ولكن هل صحيح ما سمعته أم أن أذنيها قد غشيتهما غاشية فلم تسمعا جيدا؟ أدارت قرص الهاتف في الحال وطلبت صديقتها سعاد، ردت سعاد:

-ماذا بك يا نبيلة؟ هل أنت بخير؟

 لم ترد عليها نبيلة لأن صوتها كان مخنوقًا واستردت أنفاسها وقالت وهي تشرق بدموعها

-تعالي في الحال فأنا في انتظارك.

عندما حضرت صديقتها سعاد احتضنتها وهي تبكي بحرقة.. عقدت الدهشة لسان سعاد، ولكنها استعادت رباطة جأشها وقالت:

-كفاك بكاء يا أختي وقولي لي ماذا بك؟ وعلى ماذا تبكين؟ هل سيتأخر زوجك في السفر أم هناك مكروه لا سمح الله؟

جلست نبيلة على الأريكة وصعدت حسرة كأنها شواظ من نار تلتهب في أعماقها وقالت:

-هل تصدقين أن أحمد يخونني؟

-أعوذ بالله.

-وأنه يكذب على ويزعم أنه مسافر فيما هو مع إحداهن؟

واستمرت نبيلة:

لقد كنت له ومازلت مثال الزوجة الصالحة فهو السيد وأنا الخادمة، لم أكن أناقشه بشيء وكل شيء يأمر به أنفذه له فورًا، وليس على لساني سوی حاضر.. حاضر.. فماذا أفعل له أكثر من ذلك؟ وأنا لم أقصر بحقه..

ردت عليها سعاد في هدوء:

-أنت المخطئة يا نبيلة. أولًا لأنك صدقت كلام امرأة مجهولة ولا تعرفين غرضها من هذا الكلام، وأتوقع أنها تريد إفساد العلاقة بينك وبين زوجك. ثانيًا: الحياة الزوجية ليست إصدار الأوامر وتنفيذها.. الحياة الزوجية مشاركة بين الطرفين وتقاسم الهموم، صحيح أنت تحبينه ولا تخالفينه في الرأي، ولكن الزوج يتمنى من زوجته إذا حدثها عن همومه أن يجد عندها الحل وإذا أخطأ ترشده إلى الطريق الصحيح، تفرح لفرحه وتحزن لحزنه يحب أن يراها تعتني به كما تعتني بنفسها عند لقاء صديقاتها تتكلم معه عقلًا بعقل، وتبادله مشاعر نبيلة بمشاعر نبيلة.. إن زوجك لا يريدك خادمة مطيعة.. يريدك شريكة حياة كاملة.. فتحت نبيلة فمها في دهشة وقالت:

أنا أصنع ذلك؟ أنا لا أستطيع.. إني أحترمه جدًا، وأخاف منه فكيف تريدينني أن أكلمه أو أنصحه هذا شيء محال.

ردت سعاد.

-كلا يا صديقتي أنت مخطئة..

زوجك ليس سبعًا مفترسًا حتى تخافي منه.. احترميه.. والاحترام غير الخوف تمامًا.. إنك في هذه الحالة تضطرينه إلى معاملتك كدمية في جوفها شريط مسجل عليه كلمة حاضر.. قالت نبيلة:

-ألا يغضب أحمد إذا أنا فعلت ذلك؟

ردت سعاد:

-كلا يا صديقتي أشعريه بأنه سيد البيت بدون أن تكوني خادمة تحت قدميه.. يجب أن يشعر بأن له بيتًا يسترح فيه وزوجة تصغي إليه، أي امرأة بكل معنى الكلمة، إذا حضر إليها طالعته بابتسامة عذبة تنسيه همومه وإذا دنا منها شم رائحتها العطرة الخالية من بخار الطبخ، وثوبها نظيف يشع بالفرح للقاء الزوج الحبيب، بهذا سوف يحبك حبًا حقيقيًا. وإذا فعلت غيره تكونين قد حرمتيه من نعمة السكن النفيس التي ينبغي أن يحس بها ويشكر الله تعالى عليها اسمعي نصيحتي يا أختي فالدين النصيحة.

وفيما هما كذلك دق الباب ودخل أحمد.

قالت سعاد: هيا اذهبي إلى الحمام واغسلي وجهك بسرعة..

وانسلت من البيت بسرعة تاركة نبيلة تتصرف التصرف اللائق.. انصرفت وهي تقول لها:

أريد أن أسمع الأخبار الطيبة يا نبيلة.. وأسرعت نبيلة تغسل وجهها وتلبس أجمل فستان لديها وجلست تجاذبه أطراف الحديث.. فلم تلحظ عليه ما يريب بل كان كعادته ذلك الرجل الزوج الطبيعي المحب لزوجته وبيته.. حامت حول الموضوع ولكنه بقي طبيعيًا كعادته، وعلق على الذين يمضون أوقاتهم في المقاهي بأنهم ناس تافهون لا يفهمون قيمة الحياة الزوجية ولا يقدرونها قدرها..

 أحست نبيلة بالخجل من نفسها وأنها ظلمت زوجها عندما صدقت الكلام الذي جاءها عن طريق الهاتف وعلمت أن أحمد بريء من ذلك الاتهام الذي سمعته عنه، فالمتكلمة في الهاتف إنسانة تافهة مغرضة تريد أن تفسد ما بينها وبين زوجها لحاجة في نفسها، وتذكرت قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا. (سورة الحجرات: ٦)

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

188

الثلاثاء 24-مارس-1970

الثَور الأبيَض

نشر في العدد 10

132

الثلاثاء 19-مايو-1970

النصر الأعظم