; بعد 15 سنة من ميلادها حركة حماس.. إلى أين؟ | مجلة المجتمع

العنوان بعد 15 سنة من ميلادها حركة حماس.. إلى أين؟

الكاتب إبراهيم أبو الهيجا

تاريخ النشر السبت 28-ديسمبر-2002

مشاهدات 64

نشر في العدد 1532

نشر في الصفحة 22

السبت 28-ديسمبر-2002

 

  • أصبحت مركبات حماس الثلاث: الإسلام والرفض والمقاومة المعبر الحقيقي عن نبض الشعب الفلسطيني

  • تتجاوز رؤية الإسلاميين للصراع الأدوار القطرية والعالمية وتعطيه صبغة حضارية، بحيث يصبح تحرير الأرض والإنسان جزءًا من الصراع.. وليس كل الصراع

  • إذا كان المتاح شرعيا يعطي حماس سياسة لطرح هدنة أو إيقاف مؤقت للمقاومة.. فذلك في إطار الثوابت والرؤى دون أي خروج عنها

  • رجحان موازيين القوة في وقت ما لصالح العدو لا يجعل حماس تتنازل عن ثوابتها .. هي تصبر وتقاوم

  • رفض استحقاقات أوسلو لا يعني عدم القبول ببعض إيجابياتها كالانسحاب من أي مكان من فلسطين، رغم الرفض المبدئي للصفقة ككل

     

من المفيد ونحن نخوض أقسى معركة مع الاحتلال الصهيوني، وفي ظل اختلاف المعادلات والظروف إلى درجة التناقض، أن نعرج على انطلاقة حركة المقاومة الإسلامية «حماس» التي جاءت متزامنة مع الانتفاضة الأولى وكأنها جزء منها، فكلاهما أثر على الآخر وتفاعل معه وأنتج معادلة جديدة مع الاحتلال، وكلاهما معبر عن تغير في الوعي ضد الاحتلال بدأ منذ سنة 1987م ولم يتوقف حتى اللحظة، وإن أخذ منحنيات في الصعود والهبوط، وفي الأوهام والحقائق.

الآن.. وصلنا إلى نقطة صعود ولحظة صدق معًا، الصدق بنهج المقاومة والصعود في أدائه والأهم الصعود في الملتفين حوله لدرجة أصبح فيه خيار المقاومة خيار الإجماع، لأنه غدا الإمكان الوحيد للتحرير، لذا لا يمكن لباحث جاد مهما أوتي من العلم أن يتحدث عن كل تلك المتغيرات دون أن يمر أولًا على فهم لحركة مركزية مثل «حماس»، التي كانت ولا تزال قوة رئيسة في الانتفاضة والمقاومة، ولفهم حماس بعد ما يقرب على خمسة عشر عامًا من انطلاقتها، لا بد من قياس مركباتها الثلاث التي تميزت بها:

  1. فلسفة الصراع القائمة على الفهم الإسلامي للقضية الفلسطينية ضمن المشروع الحضاري الكبير.

  2. أداء المقاومة المرتبط ببقاء الاحتلال والمستمر حتى زواله عن آخر شبر من الأرض.

  3. الرفض والمعاندة لخيار التسوية والحلول المرحلية أو الطروحات النهائية لحل القضية الفلسطينية، وما ترتب عليها من استحقاقات أو مفاوضات كونها تقوم على موازين مختلة ومعايير ظالمة ولا تتعاطى مع الأمور من منظور الحقوق الثابتة بل من خلال ما يتحصل من القوة الواقعة.

هذه المركبات الثلاث، لم يكن ممكنًا قراءتها في ظل وهج التسوية وما رافق ذلك من غبش وخداع، أما الآن وبعد سقوط تجربة أوسلو بشكل عملي، توضحت الصورة وأصبحت مركبات حماس الثلاث: الإسلام والرفض والمقاومة المعبر الحقيقي عن نبض الشعب الفلسطيني ووعي الأمة العربية والإسلامية بل إن ثمة ظاهرة مهمة تعبر عن ذلك تتمثل بانتقال العديد من معسكر المؤيدين للتسوية إلى نهج الرفض والمقاومة وهذه وحدها دلالة بالغة على ما نذهب إليه، أما التسوية وما أفرزته فقد توضحت في محادثات كامب ديفيد، أما تجربتها التفاوضية خلال عشر سنوات فهي شاهدة على عقمها، بل إن معطياتها المتناقضة أحدثت انعكاسات وأخطارًا لا يزال يعاني منها الشعب الفلسطيني.

ورغم هذه الصورة الجلية إلا أنه من المهم الغوص أكثر في تساؤلات المخالفين أو حتى المناقضين لما تؤمن به حماس، ومن الممكن أن نحصرها في ثلاث قضايا:

  1. ضرورة أن توقف حماس عملها العسكري وتحديدًا عمليات العمق.

  2. ضرورة أن تنسى حماس شعاراتها المثالية أو اللاواقعية بتحرير فلسطين من البحر إلى النهر.

  3. ضرورة تحول حماس من الدور الجهادي إلى الدور السياسي من خلال أو تحت عنوان «المعارضة الإيجابية الفاعلة» لكي تمارس دورًا في تشكيل السلطة والحصول على مكاسب في الشرعية ومشاركة في الحياة السياسية، يمكنها من أن تكون حركة متفاعلة مع محيطها الداخلي والإقليمي وحتى الدولي، وبما يمكنها من حماية نفسها والالتفات إلى تطوير ذاتها وحماية أبنائها واستقطاب المزيد من الأنصار في أجواء الراحة والأمن.

جملة هذا الخليط من النصائح والتحذيرات هي ذاتها عناوين تلاحق حماس في كل محطة أو أزمة أو فعل مميز، مما يستدعي منا مراجعة في مجمل أدبيات ومواقف حماس لقياس معطيات واختبار فرضيات «الرفض والمقاومة والمعارضة»، والتي تشكل مثلث حماس الذهبي - لكي نقف على حقيقة الأمور ونخوض في تساؤلات مهمة من قبيل:

هل المطلوب من حماس إعادة قراءة نفسها مثلًا أو تطوير فلسفتها، أو التخلي عن برامجها وشعاراتها؟

رؤية للصراع

من الملاحظ أن «الإسلاميين» وتحديدًا حماس يتميزون برؤيتهم المختلفة للصراع ويتجاوزون الأدوار القطرية أو العالمية، ليعطوا للصراع صبغة حضارية بكل ما تحمله الكلمة من أبعاد وأشكال، بل إن ذات الرؤية تتجاوز تحرير الأرض والإنسان معتبرة إياها جزءًا من الصراع، لا كل الصراع، فالرؤية تتعدى ذلك وتتحدث عن رؤية جامعة للصراع ضمن منظومة كونية تؤسس لمشروع حضاري إسلامي، فالصراع لدى حماس يتجاوز الرؤى الحزبية الضيقة أو الوطنية المحدودة أو حتى الإسلامية السطحية أو المعتزلة أو الجبرية، تتحدث عن مشروع متكامل معتبرة فلسطين ليست فقط أرضًا باركها الله بل هي أيضًا مركز الصراع الدولي، فهي مهبط ومنطق الديانات والرسالات ومبعث الحضارات وبالتالي تجمعت عليها مجمل الاستراتيجيات القديمة والحديثة.

وتبرز على خلفية هذه النظرة، جملة تساؤلات نلخصها بالتالي:

الأول: أين تقع المقاومة في أجندة الصراع وبالتالي من الغايات والوسائل؟

 كما تبين فإن الإجابة قد تختلط على كثير من الباحثين، فالمقاومة هي وسيلة لذات الصراع، ولكن جملة العوامل التاريخية والسياسية والحضارية بل والأفعال الصهيونية الواقعية تجعل من المحتوم على حماس أن تكون المقاومة في الأولويات الاستراتيجية للصراع، وهي تقترب - أحيانًا - من أن تكون الهدف لتحقيق الردع وإشعار العدو باستمرار المقاومة وخلق دائرة مستمرة من التفاعل ينتقل أفقها إلى الإقليم ومن الإقليم إلى العالم لكي تبقى القضية الفلسطينية في دائرة الاهتمام والمركزية.

الثاني: هل تعقيدات الصراع تحتمل القبول بالحلول المؤقتة؟

حماس - كما يبدو - بالإجمال لا تسلم نهائيًا بسلطة المحتل على شبر من الأرض ولئن تأخرت السنوات أو تقدمت أو تعاقبت الأجيال فستبقى حماس كما يبدو تتبنى القول بأحقيتها في مجمل الأرض.. لأن الأبعاد أكبر من ذات الأرض.

أما طروحات الهدنة أو الإيقاف المؤقت للمقاومة فنستطيع بسهولة أن نفهم أنها تصب في فلسفة حماس للصراع ولا تنحرف عن ثوابتها، فالمتاح الشرعي يمكن حماس من مرونة سياسية، لكنها تبقى محفوظة في ذات الثوابت والرؤى وهي تطرح ذلك لهدف وتوقيت ومصلحة، أما الاجتهادات في كيفية التفاعل مع المرونة الشرعية السياسية المتاحة فلا تعني وجود خلافات لأنها ببساطة لا تنحرف عن الثوابت المحددة سواء في فهم الصراع أو تحصيل الحق ونهايته.

الثالث: حماس تقاوم أم تصارع الاحتلال؟ رغم أن الرؤية القرآنية تشكل الذهنية المسلمة في النظرة إلى اليهود، فالعداء مع «دولة إسرائيل» لا يقوم على كونهم يهودًا، حماس في رؤيتها للصراع تنطلق أساسًا من كونهم محتلين غاصبين. كما أن الشواهد الإسلامية التاريخية المتعاملة مع ذات اليهود كانت متميزة وحسنة، ولكن لما كان الصراع ذا طابع صهيوني بالوان يهودية، مضافًا إليه استعراض التاريخ وفهم خلفياته، فإن ذلك يجعل العامل الديني متشكلًا في الوعي الإسلامي.

فإن كانت حماس لا تقاتل اليهود كونهم يهود، فهذا لا ينفي أن الصراع غدا خليطًا من عوامل الدين والتاريخ والمصالح في إطار حضاري كلي.

الرابع: هل موازين القوى وتعقيدات القضية تجعل من حماس حركة قادرة على التصدي للصراع؟

حماس كما تظهر لا تدعي أنها قادرة بإمكاناتها للتصدي لحجم الصراع فهي حركة مقاومة على طريق التحرير و التحرير برؤيتها يجب أن يكون متكاملًا مع الأبعاد العربية والإسلامية، وموازين القوى لدى حماس «غير ثابتة»، مستندة في تحليلها على شواهد التاريخ وحقائق الغلبة فيه، لكن رجحان موازين القوة لصالح الكيان الصهيوني لا يجعل حماس تتنازل عن ثوابتها لكي تسلك سلوكًا يجاري عامل القهر والجبروت، لكنها تصير وتقاوم. تتمسك بحقها وتقدم واجبها وتنتظر الفرصة المناسبة لتحقيق النصر معتبرة نفسها قوة مركزية فيه ومحورًا محركًا المفاعلية القطرية والأممية العربية والإسلامية.

الخامس: كيف تستطيع حماس أن تحل التناقض ما بين المقاومة التي تخل عمليًا بالتزامات السلطة وواجبها الملتزم بالاستمرار بالمقاومة؟ أي كيف يمكن التوفيق بين استراتيجية الوحدة الوطنية والحفاظ على الدم الفلسطيني ووجوب استمرار المقاومة المتناقضة عمليا مع هذه الرؤية؟

حماس في سلوكها ورؤيتها تعتبر ذلك تعارضًا وليس تناقضًا، وهي كما تبدو تريد أن تخلق حالة من الأمر الواقع بين متعارضين «المقاومة والوحدة» من خلال استمرار المقاومة تحمل الأذى تريده حماس في سبيل الوحدة وحرمة الدم، ويساعد في ذلك إجراء حوار ميداني دائم يخفف من حالة الاحتقان والمحاصرة في آن واحد، وكما يبدو فإن حماس تريد تكريس نموذج «الجيش الأيرلندي» من خلال الفصل بين الجسم السياسي المعبر عن السياسات والاستراتيجيات والجسم العسكري صاحب الأداة والتنفيذ مما يمكن حماس من إبقاء ورقة المقاومة بيدها دون تناقض مع الوحدة.

وهي كذلك تسعى أن تصل إلى حالة «النموذج اللبناني» أي حيث تعتبرها السلطة الحاكمة حركة مقاومة من حقها الدفاع عن تحرير باقي الأرض المحتلة بذلك من الممكن أن تحل التعارض المفترض فإن لم يتحصل ذلك بقيت حماس تتحمل الأذى وتوجه بنادقها نحو المحتل حتى تتطور الفرصة لتصبح حالة الانسجام هي القائمة، وترافق ذلك حالة حوار دائمة تخفف المتعارضات وترتفع فوق الجراح.

ثنائية الرفض والإصلاح

هنا إشكالية تحليلية تتعلق بالرفض الذي تمارسه حماس ضد أوسلو والدور الإصلاحي الملقى على عاتقها، وبين أن تكون معارضة سياسية تؤثر على الفعل السياسي الفلسطيني وحركة مقاومة مطلوب أن تبقي وتيرة الصراع متفاعلة.. ويترتب على ذلك تساؤلات مهمة تطرح دائمًا على حماس بخصوص إشكالية التحرير والبناء مثل: لماذا لا تحل حماس التعارض وتتخلى عن المقاومة إلى حين وتمارس المعارضة الإيجابية من داخل السلطة مشتركة في عملية بناء الوطن ومؤسساته؟

حماس كما يبدو تفضل أن تسمي نفسها حركة رفض لا حركة معارضة، لأن المعارضة تستلزم تداول السلطة والمشاركة في آلياتها، صحيح أن حماس تمارس دورًا إصلاحيًا في المجتمع، وقد يظهر للبعض أنها تريد الوصول للسلطة، ولكن الواقع يخالف ذلك فالمرحلة الحالية واستحقاقاتها السياسية وأمانة الصراع واثقاله وما تتحمله حماس يحتم عليها أن تكون حركة رفض وتصد ومقاومة إلى جانب دورها الإصلاحي فثنائية «الإصلاح والمقاومة» لا يمكن فصلها عن بعضها البعض، ولا يجوز أن تكون واحدة على حساب الأخرى، لأنهما تؤثران على بعضهما البعض وتساهمان في تحقيق الأهداف الكلية من أسلمة المجتمع إلى طرد المحتل ولن تكون هذه دون تلك، لذا لابد من ممارسة الاثنتين معًا، كل ذلك يجعل مقارنة حماس بمثيلاتها من الحركات الإسلامية، مقارنة خاطئة لا تقرأ واقع ومهمات وأمانات حماس المختلفة عن غيرها، مع أننا نرى أن مركزية القضية الفلسطينية يجب أن تكون أولويات مجمل الحركات الإسلامية، ولكن لحين حدوث ذلك فإن المطلوب من حماس هو دون شك أكبر لأنها في موقع الحدث وفي دائرة الاحتكاك.

أما الحديث النظري عن عجز حماس عن تقديم برامج سياسية محددة فهو غير صحيح لا على المستوى السياسي ولا الإداري، فوثائق وطروحات حماس تتحدث عن أشياء محددة توقف قتل المدنيين مقابل كذا وكذا، نقبل بهدنة ما مقابل كذا وكذا، نرى في إصلاح الوضع كذا وكذا؟ بل إن لحماس رؤى في إعلان الدولة وحتى في القانون الأساسي، مع أننا لا نقع بوهم يقول إن وجود برنامج سياسي هو الإشكال، فكم من أحزاب كتبت مجلدات، ولكنها لم تقدم قطرة دم أو سدت رمق جائع، والواقع أحيانًا قد يكون أقوى من البرامج النظرية.

وفي ضوء فهم حماس لهذا الرفض تبرز جملة تساؤلات مهمة أيضًا:

  1. هل تسعى حماس لإفشال أوسلو وإسقاط ما أتت به السلطة؟

من الواضح أن حماس ترفض أوسلو بالكلية وهي دون شك تسعى لتأكيد فشله سياسيًا، وهي لم تتوان يومًا في بيان عيوبه وأخطاره، ولكن حماس تريد إفشاله دون اللجوء إلى عنف أو تصادم مع استراتيجية الوحدة، أو حرف للصراع عن تناقضه الرئيس مع العدو الصهيوني.

ويبدو أن لدى حماس تفريقًا ذكيًا يحسب لها، بين ما ترفضه من استحقاقات والفرح لإيجابيات مثل الانسحاب من شبر من الأرض رغم رفضها المبدئي للصفقة ككل أو الثمن المدفوع أو المستحقات المترتبة احيانًا والتي تمس حماس مباشرة.

وكذا لم تظهر حماس حتى الآن أنها تريد تعطيل انسحاب ما أو إحراج أحد ما أو تهديد سلطة أحد أيًا كان وقراءة موضوعية لمجمل أعمالها العسكرية يظهر بوضوح إلى أي حد هي ذكية في تحقيق ذلك، والجمع بين المتعارضات رغم أنها تدفع الثمن في كل مرة.

وبالإجمال فإن رؤية حماس لاتفاقات أوسلو تتأكد اليوم صحتها لما نراه من تبدل المواقف تجاه التسوية وبالتالي تجاه ممارسة المقاومة وإعادة تعريف الاحتلال.

  1. لماذا لا تشترك حماس في المفاوضات النهائية، أو تقدم بدائل تفاوضية؟

حماس تدرك أن الأمور التفاوضية وصلت إلى نقطة لا يمكن السلطة من العودة إلى مشروع يتناسب مع أدنى متطلباتها ناهيك عن إدراكها الكلي للصراع أو رفضها للتسوية أو تحكم موازين القوى فيها، وما يترتب على ذلك من فهم لما سيعطيه العدو من فتات ولعل مفاوضات كامب ديفيد شاهد حي على ذلك، وعليه فإن تقديم البدائل والمقترحات لن يقدم أو يؤخر فهو حديث نظري يحاول تسجيل النقاط وتوريط حماس ومحاولة للتشويش على نضالها ليس إلا، والانتفاضة الحالية ومواقف الشارع الصهيوني تصدق كل ذلك.

  1. استمرار حماس في المقاومة، برأي البعض قد يحطم منجزات السلطة ويعطي الفرصة الشارون لكي يستمر بالعدوان ويهرب من استحقاقات التسوية والتساؤل هنا لماذا تستمر حماس في هذه السياسة المدمرة ولا تتبنى سياسة أكثر واقعية، أو أقل ضررًا؟

كما نقرأ، فإن حماس رغم دورها الإصلاحي والمقاوم في آن واحد لا ترى نفسها ملزمة بتبني سياسة بديلة غير القائمة، لأن الرؤية قائمة على موازين ظالمة مما يجعل الحلول والرضا بهذا الواقع انسياقًا مع واقع ظالم، لا مع حل عادل، وهي ترى أن تمسكها بالإصلاح والمقاومة هو الأسلم في الحفاظ على الحقوق، لأنها لا تفهم الصراع وكأنه لحظة زمنية بل إنها تدرك أنه طويل ومعقد ويحسم بالتراكم، لكنها إضافة إلى ذلك تتمسك بالأمل والنصر المحتوم بناءً على بشائر دينية وقراءة تاريخية، كما أنها تدرك جيدًا ضمن القراءة المنطقية لطبيعة الاحتلال أنه لن يتوقف عن كل أشكال الاحتلال والعدوان مهما قدم من وعود وقطع من مواثيق، وتجربة أوسلو مرة أخرى دليل على ذلك فالاستيطان تعاظم وحالة القتل والاستهداف ما زالت مستمرة، وهي تطول الآن الجميع دون تفريق مما يعني أن استمرار المقاومة أو توقفها لن يؤخر أو يقدم شيئًا جديدًا، ناهيك أن استمرارها كما يبدو هو الحل الوحيد لتحقيق توازن الرعب، أما المراهنة على أدوار أمريكية تقترب من الحياد فقد ثبت بطلانها وحتى الدول الأوروبية في لحظات الحسم تجد نفسها مع الموقف الأمريكي، فثمة استراتيجيات تحكم كل هؤلاء فلماذا التعويل على أوهام أن الرأي الدولي قادر على إنصافنا أو أن فوز حزب أو اتجاه كفيل بإعادة حق واحد لنا؟ ومع كل هذه الرؤى، إلا أن حماس مارست في مرات كثيرة حالات ضبط النفس، وفي كل مرة ثبت أن وقف المقاومة أو غيابها لا يعني شيئًا لاحتلال مؤسس على العدوان، ورغم كل التنازلات من أهل التسوية ماذا جنينا؟

الإجابة: ما نرى من مواقف وأعمال لا تنظيرات وأوهام، فلماذا لا نعترف مرة واحدة بدل أن نجعل المقاومة في كل مرة الشماعة التي نحملها كل الخطايا والآثام.

مثالية التحرير

والأمر يتعلق هنا بالمثالية التي تطرحها حماس حينما تتحدث عن تمسكها بتحرير كامل فلسطين وكأنها لا تقرأ ما يحيط بنا من ظروف ومعادلات دولية والأهم أنها لا تقيس الحالة العربية المتردية وبالتالي موازين القوى السائدة، ناهيك عن أن إسرائيل ووجودها أصبح مقرًا به ويتوقيع فلسطيني وباعتراف عربي وإسلامي. فالسؤال الذي يبرز هنا :

على ماذا تراهن حماس عندما تتحدث عن إمكانية تحرير فلسطين من البحر إلى النهر؟

من خلال قراءتنا لأدبيات حماس المستندة للرؤية الإسلامية سواء لطبيعة الصراع أو العدو أو التفاؤل بنتائج الصراع والإيمان الكبير بالنصر، كل ذلك أنتج إرادة قوية وصلبة وإيمانًا عميقًا وثقة بالنصر عبرت عنه مقاومة حماس وهذا بالتالي هو السر الكبير الذي يكمن خلف المقاومة المستمرة لكن لم تكن الإرادة فقط أو الإيمان بالحق الدافع الوحيد عند حماس لتحقيق التحرير والنصر رغم أنها أساسية، بل لعب في تكوين ذلك عوامل أخرى أهمها:

  1. الشواهد التاريخية: التي تعلمنا أن الاحتلال والاستعمار لا يمكن القضاء عليهما إلا من خلال نهج مقاوم طال الصراع أم قصر بل إن نتائج كل الثورات كانت إيجابية لصالحها ولكن المسألة تحتاج إلى زمن وصمود وإصرار.

  2. القراءة الموضوعية لطبيعة العدو الصهيوني: فرغم الصورة المتشكلة عن طبيعة غدره وخوفه وشدة عدائه إلا أن الكثيرين حاولوا التشكيك بتلك الصورة، حتى جاءت التجربة اللبنانية فوضعت النقاط على الحروف ودللت على أن العدو من الممكن هزيمته، وبذلك حسم الموقف لصالح نهج المقاومة كنهج قادر على إثخان العدو ودفعه إلى التراجع والانسحاب، وبرأينا أن الانتفاضة شكلت نقلة نوعية في الأداء والإثخان قادرة على دفع العدو للتراجع والانسحاب، بل إن طروحات الفصل الأحادي الجانب التي يتحدث عنها أقطاب اليمين واليسار الصهيونيين على السواء، هي تعبير عن الهزيمة ولو بشكل آخر، ثم ألم تكن الانتفاضة الأولى دافعًا للصهاينة لكي يطرحوا الانسحاب من غزة؟ ولولا أوسلو وما جاءت به من أثمان بخسة لأنتجت الانتفاضة الأولى إنجازات أهم وأكبر من ذلك. 

طبعًا ندرك أن الحديث عن حدود 1967م غير تحرير أراضي 1948م، فالحديث عن النصر الكلي يتطلب تفاعلًا بين الدوائر الثلاث «العربية والإسلامية والفلسطينية»، ولكن لا يمكن إحداث مثل هذا التفاعل إلا بالارتكاز على مقاومة فلسطينية تستنزف العدو بالداخل وتهيئ الأرض لهزيمته.

  1. التجربة العملية وما تبعها من حلول مرحلية واقتراحات للقضايا النهائية: فقد ثبت وهم إمكان التسوية حتى في الحلول المطروحة من أهل التسوية أنفسهم، فأقصى ما يطرحه المعتدلون من اليسار الصهيوني لا يلبي أقل ما يقبله الراضون بالتسوية من الفلسطينيين، إذن فلا إمكانية واقعية للحل، وحتى لو فرضت الحلول فلن تكون هناك بيئة صالحة لاستمرارها بسبب الوقائع الاستيطانية والاحتلالية المعقدة التي هي قادرة على إفشال أي حل، ناهيك عن أن المحتلين بالعادة لا يتخلون بسهولة عن أطماعهم وأساليبهم وكلما وجدوا الفرصة سانحة عادوا إلى طبائع الظلم التي أقاموا عليها دولتهم، وإذا كان الحديث يصدق مع أي احتلال فما بالك بمحتل تشرب من أوهام التوراة المغلوطة وأحاديث الأخبار والتلمود المكذوبة!

إذن.. فمؤشرات المقاومة آخذة بالصعود ومنحنى التسوية آخذ بالسقو،ط والاحتلال مثخن بالجراح ويتمم المشهد التجارب القديمة والحديثة، ناهيك عن إيماننا الواثق بالنصر بعد أن تعد العدة ويبذل في سبيل ذلك كل جهد، مما يعزز إمكانية التحرير أولًا وواقعية المقاومة ثانيًا وحتمية النصر ثالثًا بإذن الله.

أخيرًا وليس آخرًا

التساؤلات كثيرة وهي تطرح مع الأزمات والمنعطفات، لذا حاولنا من خلال هذه المقالة تقديم إجابات حسب قراءتنا لرؤية وسلوك حماس، لنقدم بذلك إسهامًا يثري النقاش الدائر عن حماس ونقدم ردودًا تحل الخلط والتعارض أو ما يتوهمه البعض من تناقض تزخر به المقالات والتحليلات التي إما نقرأ الأمور قراءة سطحية أو فرضية. 

والمطلوب أولًا وأخيرًا القراءة الموضوعية والفهم العميق بعيدًا عن ضغوط الأزمة أو إلحاح التساؤلات أو الانسياق مع الشبهات، ولكن رغم ذلك فلا شك أن حماس في ذكرى انطلاقتها الخامسة عشرة تثبت للجميع صدقية منهجها وصلابة أدائها ومدى مسؤوليتها وحرصها، كل ذلك أنتج نجاحًا لها والتفافًا جماهيريًا حولها، رغم أن هذا النجاح يوظف اليوم من قبل الأمريكان لكي يثيروا بين أبناء الشعب الفلسطيني الفرقة والفتنة مدعين أن حماس ترغب في سلطة أو نفي الآخر، مع أن التجربة والمنهج يدللان على أن حماس تتمسك بأمانة الصراع ومسؤولياته وليس البحث عن مناصب دنيوية أو منافع ذاتية، ولعل ظاهرة الاستشهاديين تؤكد ذلك دون شك.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1317

الثلاثاء 17-مارس-1970

كلمة حق