العنوان من عوامل الارتقاء بالنفس (١ من ٢)
الكاتب د. ناجي عبدالله الخرس
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1993
مشاهدات 32
نشر في العدد 1062
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 17-أغسطس-1993
الإيمان طاقة صعود
إن النفس البشرية تواقة بفطرتها إلى الكمال
بما أودعها الله من سر النفخة العلوية التي كرم الله بها الإنسان لذا؛ كان الإيمان
طاقة صعود كلما نهضت النفس البشرية بالتكاليف زكت وارتضت قال تعالى: (قَدْ
أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس: ٩-١٠). والمنهج
الإسلامي من خصائصه الصعود بالبصر الإنساني إلى أعلى إلى الغاية العليا ورضا
الرحمن إلى رفرفة الروح، وتسامي الحياة.
لقد زان نفوس الجيل الأول هذا الارتقاء
وتنافسوا فيه فرسموا لنا بسمو أذواقهم وشموخ أنفسهم المؤمنة وطموحها إلى الدرجات
العلا، مراقي من سلوكهم يجلو لنا من تراث الأدب الإسلامي الأديب ابن الجوزي
مرتقيات فذة من معارج رقيهم: «ومن الصفوة أقوام من تيقظوا ما ناموا، ومذ سلكوا ما
وقفوا فهمهم صعود وترق، كلما عبروا مقامًا إلى مقام رأوا نقص ما كانوا فيه
فاستغفروا».
يقول أبو إسحاق عمرو بن عبدالله الهمداني
الكوفي: «قد كبرت وضعفت ما أصوم إلا ثلاثة أيام من الشهر، والاثنين والخميس وشهور
الحرم».. سبحان الله! هذه همته في حالة الضعف فكيف يوم كان في حالة القوة والنشاط.
لذلك لا يكفي أخي الحبيب أن تكون صالحًا في
نفسك حتى تكون مصلحًا لغيرك فتكون مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر، حتى يكون يومك خيرًا
من أمسك، وغدك خيرًا من يومك، وهكذا في تقدم وارتقاء، لأن النفس إذا سكنت أسنت
ورغبة في الراحة والسكون، كما قال الشاعر:
كُن
مِشعلًا في جُنحِ ليلٍ حالكٍ يهدي
الأنامَ إلى الهدى ويُبينُ
وانشط
لدينكَ لا تكن متكاسلًا واعمل
على تحريكِ ما هو ساكنُ
المقربون وأصحاب
اليمين
ولذلك كانت الجنة درجات حتى يتنافس فيها
المتنافسون فعندما تقرأ كتاب الله تجد أن الله أعطى للمقربين وهم السابقون أكثر
وأعظم مما أعطاه لأصحاب اليمين فلو أخذنا مثالًا واحدًا في المقارنة بين المقربين
وأصحاب اليمين لتبين لك الفرق كما جاء في سورة الواقعة.
النفوس الأبية
كان على عهد عمر بن الخطاب شاعر يسمى الحطيئة
هجا أحد الأصحاب -رضي الله عنهم- فقال:
دعِ
المكارمَ لا ترحلْ لبغيتِها واقعدْ
فإنكَ أنتَ الطاعمُ الكاسي
فغضب الصحابي وأسرع شاكيًا إلى أمير المؤمنين،
فاستشار الفاروق حسان بن ثابت شاعر الإسلام رضي الله عنه عن هذا البيت هل فيه
هجاء؟ قال: إنه ليس الهجاء وحده بل هو أشد رجسًا من بول الثعالب!
هذا النوع من الذم تأباه النفوس العزيزة التي
ما عاشت من أجل لقمة أو لذة أو متاع إنما أرادت أن تحيا حياة كريمة يحبها الله
ورسوله، ولو قيل هذا الشعر في هذا الزمان لكان الغاضبون قليلًا، خاصة أن أكثر
الناس انصرف همهم لمطعم أو مشرب أو مسكن، أو سيارة فارهة أو جمع للمال يغني أو
يورث، وليس في همهم حظ للآخرة إلا ما يدر عليه مصلحة أو منفعة.
والمسلم الصادق من يأبى أن يعيش هذه الحياة،
وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين» ( ص.
ج. ص حديث حسن 2668). فالحرص على المظاهر الفارغة دليل حب للدنيا وهو رأس كل خطيئة
والتنعم المترف مذموم في الشرع حتى قال صلى الله عليه وسلم: «البذاذة من الإيمان»
(رواه ابن ماجه- حديث صحيح- 3334). وهي ترك فضول المأكل والملبس.. وأراد النبي صلى
الله عليه وسلم أن يولد في النفوس معاني الرجولة والعزة والإباء حتى لا يكون العبد
عبدًا للدرهم والدينار والقطيفة وقد تعسوا وخابوا وخسروا. (الخيرية- عدد 33- ص22).
اقرأ أيضًا: