العنوان المنهج الإسلامي بين الوسيلة و الغاية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 07-مارس-1972
مشاهدات 114
نشر في العدد 90
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 07-مارس-1972
المنهج الإسلامي بين الوسيلة و الغاية
«لسوف تنتهي الحضارة بدون العقيدة والدين
ولسوف يتحول النظام إلى فوضى.. سوف ينعدم التوازن وضبط النفس و
التماسك.. وسوف يتفشى الشر في كل مكان
إنها لحاجة ملحة أن تقوى صلتنا وعلاقتنا بالله»
كريسي موريسون
رئيس أكاديمية نيويورك للعلوم سابقا
منهج يجعل الحياة غاية
الحلقة الرابعة
يكتبها أبو سمية
ولأتباع الإسلام في الحياة غاية، فلم يخلق اللّه الناس عبثا ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ (الذاريات:٥٦)
وهذه هي الغاية العليا من الحياة، أن يفهم الناس أن لله دخلا في كل شيء، وأنه مهيمن على كل شيء، وأنه ليس شيء في الكون لله وشيء آخر لقيصر، فكل شيء لله وكل الطرق توصل إلى اللّه، وأن تتحول الحياة في المزرعة والمصنع والمتجر
إلى خلية صالحة منسجمة مع الفطرة النظيفة متجهة في كل تحركاتها إلى اللّه، وأن
يكون الباعث في كل حركة هو اللّه، وأن تكون الغاية من كل حركة هي تحقيق خلافة الله، فهذه هي عبادة الإنس والجن، وتبدأ القضية بالفرد المسلم، فالمسلم نور لنفسه ونور لمن حوله: «خَيرُكُم من تعلَّمَ القرآنَ وعلَّمَهُ» «لأنْ يهْدِيَ اللَّه بِكَ رجُلًا واحِدًا خَيْرٌ لكَ من حُمْرِ النَّعم» ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ (المدثر: 38)، ثم تتدرج إلى الأسرة المسلمة وقوانين الأسرة الإسلامية وآدابها وحدود علاقة الأبوين بالأبناء كفيلة بإشاعة النور والخير، وفي هذا المجال نجد تحديدا واضحا لمهمة هذه الأمة ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ (آل عمران: 110)، وعلى هذه الأمة أن تثبت أهليتها للخيرية التي منحها الله إياها، وهي ليست خيرية دم أو أرض، وإنما هي خيرية أمر بالمعروف ونهي عن المنكر.
وتبقى أمة الدعوة أو أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شهيدة على الناس تدعوهم إلى الإسهام معها في تحقيق الغاية من الوجود، أي في تحقيق خلافة اللّه في الأرض التي هي السبيل الوحيد لتحقيق «إنسانية الإنسان،» والتي هي تلبية عملية للنص القرآني ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ (الذاريات:٥٦)
والناس في صدر الإسلام كانوا يفهمون العبادة معايشة شاقة وصادقة لكل متطلبات الحياة.
فكانت الأرض مسجدهم يعبدون اللّه فيها بكل نسمة هواء أو خلجة مشاعر، فلما إن جاء الفهم السطحي الانهزامي للإسلام تحولت كلمة العبادة إلى معنى ضيق لا يتعدى بعض الفرائض التي لا تقدر بصورتها هذه على تزكية النفس أو تحريك الطاقة أو التحكم في سلوك الإنسان ورغباته.
، لكن الذي خلق الحياة هو الذي يريد لهذه الحياة أن تعمر وأن تزدهر في ظلاله
وهو الذي أمر بالسعي في الأرض والمشي في مناكبها والأكل من رزقه، بل طيبات ما رزق.
وهذه الحياة كلها ملكه وحده لا شريك له، فلا مجال لحصر العبادة في وقت أو مكان والتخلص منها في أوقات أو أماكن أخرى.
إن الإسلام لا يعرف هذه الثنائية أو الانفصالية وإنما يعرف ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ (الذاريات:٥٦).
نظافة مادية ومعنوية:
ونظافة ذلك الدين - كسائر مقوماته - شاملة ومستوعبة فليس من دائرة «الخارج»، فقط تنبع النظافة في ذلك الدين، وإنما نظافة ذلك الدين صفة لازمة لكل عباداته ومعاملات، صفة تمتد فتشمل الجسد والضمير والعقل، وتمتد فتشمل الفرد والمجتمع، وتمتد لتشمل الوجود كله.
لم يك ذلك الدين نظيفا، لأنه أمر بالاغتسال من الجنابة والوضوء قبل كل صلاة، وحرم الخمر ولحم الخنزير والميتة والدم، وإنما كان ذلك الأمر وذلك التحريم الجزء المتعلق بنظافة الجسد من منهجه في تحقيق النظافة الشاملة المستوعبة، ولم يك ذلك الدين نظيفا لأنه حرم الكذب والغيبة والنميمة وقول الزور والفسوق والعصيان إلى آخره، وإنما كان ذلك التحريم لهذه الأشياء المعنوية الجزء المتعلق بنظافة الضمير من منهجه في تحقيق النظافة الشاملة المستوعبة.
ولم يك ذلك الدين نظيفا - كذلك - لأنه حرم الجدل الفارغ، والغرور بالرأي والتقليد الساذج، ولأنه حث على العلم والفكر في آفاق الكون واختلاف الليل والنهار وإنما كان كل ذلك وغيره الجزء المتعلق بنظافة العقل من منهجه في تحقيق النظافة الشاملة المستوعبة.
نظافة الإسلام إذن، ليست جزءا صغيرا يقبع في دائرة الشارع أو البيت، وليست مظهرا خارجيا براقا ربما كان صاحبه ذا نفس ملوثة وضمير معوج وعقل محشو بالترهات والأوهام.
النظافة في الإسلام - ككل تعاليمه - تمتد أفقيا ورأسيا متعانقة مع التعاليم والمبادئ الأخرى، وهي تكون مع هذه المبادئ الأخرى نسيجاً متكاملاً يرسم الإنسان المسلم الطريق إلى اللّه، وإذا كان اللّه طيبا لا يقبل إلا طيبا، وإذا كان اللًه جميلا يحب الجمال، وإذا كان اللّه يحب أن يرى أثر نعمته على عبيده، وإذا كانت غايات الإسلام الشريفة تتطلب طريقا شريفا باعتبار أن الغاية لا تبرر الوسيلة في هذا الدين - كما ذكرنا.
إذا كان كل ذلك فإن الطريق الذي ترسمه تعاليم الإسلام إلى اللّه، وتأمر المسلم بالسير في دروبه لا بد أن يكون طريقا نظيفا، لكن بمقياس الذي يرتضيه الإسلام ويحث عليه، لتكون نظافتنا كاملة، ولتكون كل إصلاحاتنا فعالة، فلا بد أن نربطها بالدائرة التي تنطلق منها وتتشابك معها.
إن الإنسان كل معقد متشابك، وهو جهاز مترابط محكم ترتبط فيه المشاعر بالجسد ويرتبط الأخيران بالعقل والضمير.
وهذا الإنسان ـ بهذه المثابة - لا يمكن أن نصلح فيه خلية، ونترك خلايا أخرى قابلة للتلف والفساد.
ومن هذا الفهم تنطلق مبادئ الإسلام، ومن هذا الفهم تنطلق - كذلك - النظافة في ذلك الدين.
الإنسان ليس وحده
يؤمن الإسلام بأن الإنسان خليفة اللّه في الأرض، وبأن الكون كله مسخر لخدمة الإنسان، وفي نفس الوقت يؤمن الإسلام بأن هذا الإنسان مجرد «خليفة» يجب ألا يتعدى حدود الخلافة، بل إن عليه أن يحرص حرصا شديدا على اتباع مبادئ من استخلفه، ويوم يفكر الإنسان في الخروج على المبادئ التي رسمها له مستخلفه، ويوم يفعل ذلك فعلا، فإن عليه أن يدخل معركة الحياة وحده، عليه أن يستغني عن العناية الكبرى التي تحوطه، وأن يشقى وحده في الطريق المظلم الطويل.
والوجوديون يطلبون هذا، ويسعون إلى أن يتحرر الإنسان من «وصاية الإله» وأن يتحمل تنمية حريته كاملة، وعليه أن يرفض كل قوانين الكون التي تفرض نفسها عليه.
وهم بالتالي يتخذون موقفا عدائيا من كل الأديان باعتبار أنها قيود على حركة الإنسان وعلى حريته، وتبع الوجوديون في هذه الفكرة على نحو أو آخر الماديين الذين صوروا الدين على أنه مخدر للإنسان مثبط له عن التقدم ومقاومة الطغيان،
وكلا الرأيين السابقين مخطئ في فهم الدين - حين يكون الدين منطلقا من منابعه الصافية - وهو مخطئ في حق الإسلام بالذات.
إن حرية الإنسان في الإسلام لا تتعارض مطلقا مع وصاية اللّه التي هي ضرورة لازمة، وكما أن هناك قوانين لا بد منها تختلف إن قليلا أو كثيرا باختلاف البيئات
والظروف - لكنها موجودة بطريقة ما على صورة ما في كل المجتمعات، بما أن هذه القوانين حقيقة واقعة ثابتة، فإن وصاية اللّه على الإنسان هي حماية للإنسان ووضع لحريته في إطارها الصحيح.
وهناك سؤال آخر: هل لدى الإنسان القدرة الكاملة على تحمل تبعاته وتبعات الكون المحيط به دون وصاية اللّه؟
هل فهم الإنسان كل جوانب نفسه، وكل جوانب الكائنات التي يتعامل معها.
وهل استطاع أن يتأكد من أنه قد أصبح في غير حاجة إلى اللّه؟
إن الدكتور «إليكسيس کاريل» في كتابه الشائع «الإنسان ذلك المجهول» يجيب على هذا السؤال:
إنه يقول: « لقد بذل الجنس البشرى مجهودا جبارا لكي يعرف نفسه، ولكن بالرغم من أننا نملك كنزا من الملاحظة التي كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء الروحانيين في جميع الأزمان فإننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا، إننا لا نفهم الإنسان ككل، إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا، فكل واحد منا مكون من موكب من الأشباح تسير في وسطها حقيقة مجهولة، وواقع الأمر أن جهلنا مطبق، فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جوانب، لأن هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنية ما زالت غير معروفة ».
ويستطرد «إليكسيس كاريل» بعد ذلك في سرد جوانب كثيرة لا يزال العلم الحديث عاجزا عن الإدلاء برأي قاطع فيها.
ولأن الإنسان يتطور دائماً، فإن معلوماته - بالتالي - تظل ناقصة دائما، ولأمر ما لم يشأ اللّه أن يعطي الإنسان جرعة العلم دفعة واحدة، وإلا لأعلن الإنسان منذ الأزل أنه في غير حاجة إلى اللّه وإلى وصايته، وعندما يشعر الإنسان بهذا الشعور الأناني المغرق في الفردية والجحود بأيادي اللّه عليه، فإنه لن يشعر بكسب كبير.
إنه سيشعر بالقلق والحيرة والضياع، والتعاسة وستنهال عليه تلك الأمراض التي تسمى بأمراض الحضارة أو أمراض العصر، وأن الإنسان لن يتورع في لحظة من لحظات الجنون من تدمير نفسه، وسحق كل تاريخ الإنسان الحضاري على الأرض، ذلك لأن الجحود باللّه والإلحاد به كما يقول «کریس موریسون» رئيس أكاديمية نيويورك للعلوم سابقا: «نوع من الأنانية حيث يجلس الإنسان على كرسي اللّه،
ولسوف تنتهي هذه الحضارة بدون العقيدة أو الدين، ولسوف يتحول النظام إلى فوضى، وسوف ينعدم التوازن وضبط النفس والتماسك، وسوف يتفشى الشر في كل مكان، إنها لحاجة ملحة أن نقوي من صلتنا وعلاقتنا باللّه»، ومن أجل ألا يقنع الإنسان في كل هذا كان الإسلام حريصا - كل الحرص - على تأكيد وصاية اللّه على الإنسان، وعلى تدعيم علاقة الإنسان العبد باللّه السيد الخالق الرحيم.
«أبو سمية» (يتبع)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل