العنوان من دبر مذبحة جراتشكو.. ولماذا؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أغسطس-1999
مشاهدات 59
نشر في العدد 1361
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 03-أغسطس-1999
▪ ميلوسوفيتش.. المستفيد الأول من مقتل صرب كوسوفا
في يوم الثالث والعشرين من يوليو الماضي أعلنت القوات الأطلسية والإدارة الدولية في كوسوفا عن وجود مذبحة راح ضحيتها ولأول مرة ١٤ فلاحًا صربيًّا أثناء قيامهم بحصد القمح بأحد حقول الفلاحة قرية جراتشكو إلى الجنوب من العاصمة برشتينا.
وبالطبع لم تكن الفرصة لتفوت على بعض الجهات ومن بينها الإدارة الدولية برئاسة الفرنسي برنارد كوشنير والذي قام بزيارة أسر القتلى برعاة الكنيسة الأرثوذكسية ليقول: إن العالم لم ينس معاناة الألبان ولكنه لن يسمح بتطبيق سياسة الانتقام وكأنه يوجه الاتهام المبكر لألبان كوسوفا رغم أن التحقيقات لم تكن قد بدأت بعد، وعلى الرغم من أن جيش تحرير كوسوفا أعلن رفضه مثل هذه الممارسات وقال على لسان هاشم ثاتشي: سنسمح بالتحقيق وسنتعقب الجناة.
إن هذه الجريمة مقصود بها الشعب الألباني في كوسوفا من أجل تعطيل مسيرة التغيير.
الحادثة كانت فرصة مواتية لرئيس يوغسلافيا ليطل بوجهه على العالم مرة أخرى لذا بادر ميلوسوفيتش بعقد اجتماع وزاري كبير أعلن خلاله أن القوات الصربية قد تعود مرة أخرى إلى الإقليم لحماية الأقلية الصربية هناك بعد فرار ما يقرب من ٨٠ ألف صربي وإجبار معظمهم على العودة من على الحدود الصربية، وقيام بعض منهم بالتخييم على الحدود لحين السماح لهم بالعودة من قبل القوات الدولية وقد فعلوا لكن ميلوسوفيتش ذهب إلى أبعد من ذلك حين طالب بعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن لمناقشة الاعتداءات الألبانية على المدنيين الصرب مطالبًا أن يصدر المجلس قرار إدانة.
الألبان ينفون وقوع المجزرة مع استحالة ذلك مليًّا لوجود القوات الدولية من ناحية، ومن ناحية أخرى لأن هذا النوع من الجرائم المنظمة ليس له من أب سوى ميلوسوفيتش وعصابات راكان الصربية المعروفة، كما أنه من غير المعقول أن تقوم قوات الدولية بمثل هذا العمل، ومن ثم فإن شكوك تتجه إلى ميلوسوفيتش ورجاله، وكما قال جنرال مايك جاكسون- قائد قوات الناتو في الإقليم- إن طريقة تنفيذ الجريمة تدل على تنظيم راكان هناك أيد مدربة من ورائها وهو ما اعتبره البعض إشارة إلى عصابات صربية.
والسؤال التالي: لماذا يقوم الصرب بذلك؟ الإجابة يمكن أن تكون كما يلي:
1. ميلوسوفيتش يعاني عزلة دولية وهو بحاجة إلى حدث كبير يعود به إلى الساحة الدولية.
2. كما أنه يعاني ضغطًا شعبيًّا كبيرًا يحتاج إلى حدث قومي يستثير العواطف الصربية في صربيا وخارجها، ويجمع بعض فصائل المعارضة حوله.
3. هذه الحادثة ستخدم أهداف ميلوسوفيتش الاستراتيجية ومن بينها إعادة الصرب إلى الإقليم بعدما هجروه، فبعد هذه الحادثة ستكون هناك إجراءات دولية واحتياطات أمنية للحفاظ على الصرب في الإقليم، وخصوصًا في المناطق التي يتقاسمها الألبان والصرب والتي تعد الأغنى في كوسوفا وهي ميتروفيتسا، والتي بها معظم مناجم النيكل والقصدير والذهب والتي دخلتها القوات الروسية أولًا وقبل قوات الناتو لهذا الغرض.
4. هذه الحادثة ستوجه الأنظار إلى جيش تحرير كوسوفا واستكمال عملية جمع الأسلحة من مقاتليه وتحويله إلى مجموعة سياسية.
5. الحادثة وقعت قبل أسبوع من مؤتمر سراييفو المعروف باسم «ميثاق الاستقرار» بجنوب شرق أوروبا، والذي يناقش مستقبل البلقان وإعادة الإعمار وكأن الحادثة شكوى مسموعة من الصرب إلى العالم بأنهم مظلومون ومعتدى عليهم.
6. الحادثة جاءت في توقيت مهم على مستوى زيادة الضغوط الدولية لتقديم ميلوسوفيتش إلى المحاكمة، فقد ظهر تقرير لمنظمة حقوق الإنسان المعروفة باسم HUMAN RIGHTS WATCH يوم الحادثة يدين الاعتداءات الصربية المتكررة والمذابح التي ارتكبها الصرب في الإقليم.
وبالعودة إلى ما تلا هذه الحادثة نجد أن القوات الدولية توجهت بالفعل تجاه الألبان وتحديدًا قوات جيش تحرير كوسوفا، واضطر هاشم ثاتشي إلى عقد مؤتمر صحفي لإدانة الحادثة وأعلن عن تعاون الجيش مع أي تحقيقات مستقبلية، كما اجتمع قادة الناتو في الإقليم مع قادة الصرب لطمأنتهم على مستقبلهم في الإقليم هذا بالإضافة إلى تصريحات مايك جاكسون والتي أكد فيها أن جيش تحرير كوسوفا سيكمل نزع سلاحه في المدة المقررة قبل حلول منتصف سبتمبر المقبل.
وليس ذلك وحده ما جاءت به حادثة جراتشكو بل إنها نجحت في إقصاء قادة جيش تحرير كوسوفا والقادة السياسيين في الأحزاب الألبانية عن ممارسة أي دور إداري أو تنظيمي في الإقليم وكان القرار الصدمة في تخويل المندوب السامي الدولي برنارد كوشنير إدارة الإقليم وعدم إعطاء أي دور لأي من جيش تحرير كوسوفا أو حتى رئيس الوزراء المعين هاشم ثاتشي ولا إبراهيم روجوبا أو حزبه رغم أنه الرئيس المنتخب فعليًّا، ويملك حزبه الأغلبية في البرلمان الكوسوفي قبل الاجتياح الصربي الأخير، وهذا يعني أن الحادثة والتي تم تدبيرها بيد محترفة وضعت لها خطط بعيدة المدى قد تؤتي ثمارها في تحجيم الدور الألباني والتمهل طويلًا قبل السماح لهم بإدارة شؤونهم بأنفسهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل