العنوان المجتمع التربوي عدد 1243
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1997
مشاهدات 68
نشر في العدد 1243
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 25-مارس-1997
إعداد: عبد الحميد البلالي
وقفة تربوية
كيف نطلق هممنا؟ (2)
تناولنا في الأسبوع الماضي ثلاثة سبل لإطلاق هممنا أو همم غيرنا بعد الركودوالخمول، وهي:
١- التحميس.
٢- الغبطة.
3- مقاومة الأفكار السلبية.
ونتناول في هذا العدد ما تبقى من السبل وهي:
4- محاسبة النفس والبحث عن العوائق:
لابد للمؤمن من وقفة مع نفسه ليحاسبها في الدنيا قبل حساب الآخرة وليكن معها صريحًا أشد المصارحة، ليبحث عن العوائق التي تعيق انطلاقته في مدارج السالكين، وكل إنسان أدرى بنفسه من غيره.
5- قراءة قصص أصحاب الهمم...
المكتبة الإسلامية معلومة بتراجم الأعلام أصحاب الهمم العالية، فلنقرأ في أوقات فراغنا ما يحرك هممنا النائمة لعلها تستيقظبموقف أو كلمة لأولئك الأعلام.
6- الاحتكاك بأصحاب الهمم..
ما من بلد أو قطعة في العالم إلا وفيها الصنفان: أصحاب الهمم العالية والدانية، ومن أراد تحريك همته فعليه بالاحتكاك بأصحاب الهمة العالية، وليغش مجالسهم، فالمرء على دين خليله، كما أخبرنا- صلى الله عليه وسلم-، وليقاطع مجالس الكسالى والمثبطين والباحثين عن عيوب الآخرين من غير عمل.
7- تذكر محدودية العمر..
كلنا لنا عمر واحد، وفرصة واحدة في هذه الحياة، من استغلها ربح، ومن ضيعها ندم، فهل تحب أن تكون من النادمين؟ .
أبو خلاد
في رحاب الرسول- صلى الله عليه وسلم
كلمات بالأشواق محملة، وبأريج الزهور مطيبة، وبمداد الحبر مسجلة، وبلغة القرآن مدونة.
أبعثها مع النسمة العليلة إلى الروح الطاهرة الزكية أرسلها إلى خير الأنام إلى من عليه أفضل الصلاة والسلام، إلى من ضحى بكل ما يملك من أجل رفع راية الإسلام، إلى سيد المرسلين والأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام.
أرسل خطابي هذا إلى من حبه مغروس في كياني منذ الصغر، ويترعرع مع حسي وجوانحي حتى ليكاد يجري مع الدم في عروقي، إلى الشخصية التي استحوذت على لبي وقلبي إلى الذي أضاء العالم ولازال ضياؤه يزداد إشراقًا وبهجة، وسيظل تاريخه الحافل بجوانب عظمته يسار على نهجه إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا... سيدي.. لقد كنت رمزًا لمكارم الأخلاق ومحاسن الصفات، ولقد أثنى عليك الله سبحانه وتعالى حين قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4(
1- الرحمة ملأت قلبك ولم تعرف القسوة إليه طريقًا، كنت- عليك أفضل الصلاة والسلام- تقبل أحفادك وتداعبهم، وكانت دموعك الطاهرة تنساب لموقف يرق له قلبك.
2- حليم وديع متهلل تصفح وتتغاضى عن الكثير الكثير، كم هزتني كلماتك عندما قلت عند فتح مكة للمشركين الذين أذوك وعذبوا أصحابك «ما ظنكم أني فاعل بكم»، قالوا: خيرًا.. أخ كريم وابن أخ كريم، فقلت: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
3- ذو سخاء وكرم، تعطي الشيء وأنت أحوج إليه من سائله.
4- ذو شجاعة وبأس، لا تخاف الحرب أو ترهبها أو يهزك صليل سيوفها، ففي حنين عندما فر المسلمون واندلاع الحرب لازال في بدايته وقفت بكل بسالة وقلت بأعلى صوتك: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب»، فرجع المسلمون لرشدهم وقاتلوا معك حتى كان النصر حليفكم بإذن ربكم.
5- كنت عليك أفضل التسليم أشد حياء من العذراء في خدرها، وإذا كرهت شيئًا عرف ذلك في وجهك الوضاء.
٦- لم تكن بالجاد الصارم العابس الذي لا تجد لشفتيه ابتسامة، أو لجبهته انفراجًا، بل كنت تمازح أهلك وأصحابك، فقد كنت تقول لحاضنتك السوداء أم أيمن «غطي قناعك يا أم أيمن»، وقد قالت عنك السيدة عائشة- رضي الله عنها: «إنه إذا خلا في بيته كان ألين الناس بسامًا ضاحكًا».
7- ضربت المثل العليا في معاملة زوجاتك أمهات المؤمنين فلم يلفتك هم الدعوة عن برهن وحسن معاملتهن، وقد روي عنك أن قلت «خيركم خيركم لأهله»، ورسمت لنا بذلك منهجًا يسير عليه الأزواج في معاملة زوجاتهم.
8- وقارك ومهابتك تأخذ من شخصيتك جانبًا عظيمًا، فقد روي أن امرأة قامت بين يديك فأرعدت من الخوف من شدة هيبتك عليك الصلاة والسلام فقلت لها: «هوني عليك فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد».
9- لم تتكاسل أو تتهاون قط في عمل، فقد كنت تعمل مع أصحابك وتحث على العمل، وتشاور أصحابك في أمورك، ولم تكن لتعمل عملًا إلا ولآرائهم نصيب منه.
10- كنت عظيمًا في تواضعك مع أنك أعلى الناس قدرًا فكنت تعلف الناضح وتعقل البعير وتقم البيت، وتحلب الشاة، وتخصف النعل، وترقع الثوب وتأكل مع خادمك، وتطحن عنه إذا تعب، تشتري الشيء من السوق فتحمله إلى أهلك، وتصافح الغني والفقير والكبير والصغير، وتسلم مبتدئًا على كل من استقبلك من صغير أو كبير أسود أو أحمر، حر أو عبد.
۱۱- تطلعاتك للدنيا كانت زاهدة، ولبريق لذاتها ومغرياتها كارهة مع أنك تستطيع أن تخلد فيها أو تملكها، ولكن نفسك الشريفة ابت لأن أهدافك كانت سامية، لم تعش لتوفر قوتًا أو لتجمع مالًا، وقد كانت السيدة عائشة- رضي الله عنها- تبكي رحمة لك وتقول: «نفسي لك الفداء لو تبلغتمن الدنيا بقوتك»، فتقول: «يا عائشة مالي وللدنيا، إخواني من أولي العزم من الرسل صبروا على ما هو أشد من هذا».
۱۲- فطن ذكي، نجحت في مداواة القلوب وإصلاحها واجتذابها، ولله در علي بن أبي طالب عندما قال في وصفك «هو أجود الناس كفًّا، وأوسع الناس صدرًا، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس ذمة، والينهم عريكة، وأكرمهم عشرة من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه»، وعن عائشة- رضي الله عنها قالت: «كان خلقه القرآن».
فأنت القدوة التي ارتضاها الله لبني الإنسان عندما قال: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب:21)
والله لو كتبت ملء الصحف والكتب فلن يسعني أن أحصر جوانب عظمتك، ونشكر المولى عز وجل أولًا وأخيرًا، فالفضل يعود إليه أن انتقي لنا رسولًا من خيرة البشر ليجعله للعالمين نذيرًا وبشيرًا، وأدبه فأحسن تأديبه، واصطفاه على عينه.
إن الشوق يحدوني إلى رؤيتك ومجالستك «ربي احشرنا معه واجعلنا ممن يشهد شفاعته».وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع هداه بإحسان إلى يوم الدين.
شيخة عبد الله علي المطوع
سلبيات يجب أن تختفي من حياة الدعاة
انصراف الداعية إلى إصلاح الناس وإهمال أولاده
بقلم: الدكتور محمد على الهاشمي ([1])
في حياة الدعاة إيجابيات كثيرة لا يذكرها منصف ولا يماري فيها عاقل عادل كغلبة الجد على سلوكهم وتصرفاتهم، واحترامهم للحق، ووقوفهم عنده، وتضحياتهم الكثيرة المتنوعة في سبيل الله واتصافهم بالصدق والأمانة والوفاء والبر، وما إلى ذلك من صفات إيجابية كثيرة، ولا مجال لسردها في هذه العجالة والإسلاميين إلى جانب هذه الإيجابيات الكثيرة سلبيات لا سبيل إلى إنكارها أو التهرب منها أو المغالطة فيها، ذلك أن الإسلاميين بشر من بني آدم، وكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم[2]
والوقوف عند سلبيات الإسلاميين على سبيل النقد الذاتي بغية معالجتها والتخلص منها من النصيحة التي جعلها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الدين كلهبقوله: «الدين النصيحة» ...[3]
وكان سيدنا عمر رضي الله عنه قول: «رحم الله امرءًا أهدى إلى عمر عيوبه»، ذلك أن قبول سماع العيوب للتخلص منها علامة صحة ووعي وبعد نظر، ودليل على الرغبة الصادقة في التحسن والرقي والتقدم، ولذلك عد عمر- رضي الله عنه- الإشارة إلى العيب من الأخ الناصح هدية تستحق الدعاء لمهديها.
ومن هنا كان الإسلاميون الصادقون الواعون لهدي دينهم يرحبون بالنقد الذاتي واستعراض الأخطاء والعيوب إن وقعت منهم، بغية التخلص منها، تمشيًا مع هدي دينهم ومبادئ دعوتهم القائمة على الحق والعدل والعمل الصالح.
وهذا ما حدا بي إلى عرض سلبيات، لاحظتوقوع بعض الإسلاميين فيها، عسى أن يكون هذا العرض حافزَا لهم على التخلص منها، ومن أهم هذه السلبيات:
تقوم حياة المسلم الحق الواعي لأحكام دينه على الموازنة الحكيمة في أموره كلها، سواء منها ما كان من أمور الدنيا أو الآخرة، فلا تشغله أمور الدنيا عن أمور الآخرة، ولا تشغله أمور الآخرة عن أمور الدنيا، وإنما يوازن في أعماله وتصرفاته بين ما يجب عليه فعله لتستقيم أمور حياته في هذه الدنيا، وما يجب عليه فعله ليضمن الفوز في الآخرة والنجاة من النار.
وقد تلتبس على الإنسان المسلم الأمور، فيحسب بعضها من أمور الدنيا فيتساهل فيها، وهي في الحقيقة من أعمال الدنيا والآخرة معًا، كالعناية بتربيةالأولاد وتوجيههم التوجيه الإسلامي السليم، ومن هنانراه يفضل على عنايته بأولاده الانصراف إلى توجيه الناس ودعوتهم إلى الحق، وتبيان معالمه في شتى شؤون الحياة، فإذا هو داعية كبير من الدعاة، لا تكاد تراه إلا في حلقة من حلقات التوجيه، أو في مؤتمر من مؤتمرات الإصلاح، أو في اجتماع يتدارس فيه الدعاة أمور الدعوة والدعاة، وما يعترض طريقهم من صعوبات، وما يوضع في طريق الدعوة من عراقيلعليهم أن يعملوا أفكارهم في إيجاد الحلول الناجعة لها جميعًا.
ومثل هذا الداعية المتحمس الصادق المندفع إلى العمل في سبيل الله لا يكاد يرى زوجه وأولاده إلا خلسًا من الوقت لا تكفي للتعرف على أحوالهم. والوقوف على مسار تكوينهم النفسي والعقلي والفكري والاجتماعي، وحجته في ذلك أنه مشغول، مشغول جدًّا بأمور الدعوة، ولا وقت لديه للجلوس إلى أولاده ليتفقد أحوالهم، ويعرف الكتاب الذي يقرؤون والرفيق الذي يصاحبون، والأعمال والهوايات التي يزاولون، والمخابرات الهاتفية التي يرسلون، وإذا هو يفاجأ بعد فترة تطول أو تقصر بانحراف ولده أو ابنته، أو تقصيرهما على الأقل في واجباتهما الإسلامية، أو غير ذلك مما لا ينبغي أن يقع في بيت مسلم على رأسه داعية عامل في سبيل الله.
وقد يقع هذا الانصراف والذهول من الأخ الداعية، فترتد سلبياته وأضراره على الأبناء ولاسيما البنين، وقد يقع من الأخت الداعية، فتكون السلبيات والأضرار على الأبناء، ولاسيما البنات.
وما كان شيء من ذلك ليقع لو أن الأخ الداعية أو الأخت الداعية قد وقر في نفسيهما أن واجبهما نحو أولادهما أكبر من واجبهما نحو الناس الآخرين، وأن مسؤوليتهما عن صياغة نفوس أبنائهما وتربيتهم التربية الإسلامية اللائقة مقدمة على مسؤوليتهما عن دعوة الآخرين إلى الخير وتوجيههم التوجيه السليم، كما نطقت بذلك النصوص القاطعة من كتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم-:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم:6)
«كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، «فكلكم راع ومسؤول عن رعيته»[4]
والداعية الحكيم اللبق الحصيف، سواء أكان رجلًا أم امرأة، هو الذي يوازن بين واجباته نحو أولاده، وواجباته نحو دعوته، وما تتطلب من أعمال يقدمها لإصلاح الآخرين، ويعطي لكل حقه من الوقت والجهد والعناية والاهتمام، بحيث لا يطغى جانب على آخر.
وليس هذا بالأمر العسير، إذا عرف هذا الأخ كيف ينظم وقته، وكيف يوزع واجباته على وقته فالتخطيط وتنظيم الوقت، وتوزيع الأعمال على الأوقات من أهم ما ينبغي أن يتحلى به المسلم المعاصر في هذه الأيام التي كثرت فيها الأعمال وتشعبت وازدادت الضغوط على الإنسان وتعددت وإن لنا في سيرة الرسول- صلى الله عليه وسلم-: الأسوة كبيرة فقد كان- صلوات الله عليه- يصدع بدعوة، ويبني أمة، وينشئ مجتمعَا، ويصوغ نفوسَا، فلا يصرفه شيء من هذا كله عن أن يكون إنسانَا مثاليًّا في قيامه بواجباته الأخرى نحو أزواجه وأولاده وأقاربه وأرحامه، دون أن يطغى جانب من هذه الجوانب على جانب آخر.
ولقد عرف عن الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله أنه ما كان يبدأ يومه حين يخرج من بيته إلا وسعه ورقة عمل يومية أعدها قبل خروجه من البيت، فصنف فيها الأعمال التي ينبغي أن يقوم بها في هذا اليوم حسب الأولويات موزعة على الأوقات الكافية لإنجازها، وبهذا التخطيط وهذا التنظيم استطاع هذا الداعية الكبير أن يقدم للدعوةخدمات جلي، لا تزال آثارها ماثلة إلى اليوم. إن البيت المسلم الذي أكرمه الله بأب داعية، أو أم داعية بيت محظوظ أتيح للأولاد فيه أن يجنوا ثمارًا يانعة طيبة من الوالدين الداعيين، فينبغي الا يحرم الأولاد من هذه الثمار، بل ينبغي للوالدين الداعيين أن يقدماها لفلذ أكبادهما قبل تقديمها الأحد من الناس، وإن لم يفعلا، كانا مقصرين في حق أبنائهما، مفرطين في تربيتهم، وتوجيههم وهما يحسبان أنهما يحسنان صنعًا.
[1]-*أستاذ الدراسات العليا في كلية الآداب للبنات الرياض
[2]- حديث حسن رواه أحمد والترمذي وابن ماجة
[3]- رواه الشيخان
[4]- متفق عليه
فقه الظواهر الدعوية... في ضوء السنن الإلهية
ظاهرة الغرور التنظيمي
بقلم: د. حمدي شعيب[1]
﴿الرَّحمنُ عَلَّمَ القُرآنَ خَلَقَ الإِنسانَ عَلَّمَهُ البَيانَ الشَّمسُ وَالقَمَرُ بِحُسبانٍ وَالنَّجمُ وَالشَّجَرُ يَسجُدانِ وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الميزانَ أَلّا تَطغَوا فِي الميزانِ وَأَقيمُوا الوَزنَ بِالقِسطِ وَلا تُخسِرُوا الميزانَ وَالأَرضَ وَضَعَها لِلأَنامِ فيها فاكِهَةٌ وَالنَّخلُ ذاتُ الأَكمامِ وَالحَبُّ ذُو العَصفِ وَالرَّيحانُ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (الرحمن:١-١٣(
آيات معدودات طيبات تتنزل على قلبه في سنوات الدعوة الأولى، تحمل بيانًا معجزًا من الرحمن حول آلاء الرحمن، وإشهاد الوجود كله على ذلك بما فيه عباد الرحمن
والذي يأتي في صورة إعلان علوي عام في ساحة الوجود الكبير، وإعلام بآلاء الله الباهرة الظاهرة، وإشهاد عام للوجود كله على الثقلين الإنس والجن المخاطبين بالسورة، مع تحديهما إن كانا يملكان التكذيب بآلاء الله[2]
ويبدأ البيان بمطلع يعرض بعض بآلائه سبحانه المترابطة، وهي تعليم القرآن، وخلق الإنسان وتعليمه النطق والخير والشر، وجعل الشمس والقمر يجريان بحساب مقدر في بروجهما، وجعل نجم السماء أو النبات الذي ينجم بلا ساق والشجر وهو كل نبات له ساق ينقادان لله سبحانه، ثم رفع السماء، ووضع ميزانًا وضوابط لهذا الوجود، لا ينبغي مجاوزتها، وكذلك نعمة خلق الأرض وتمهيدها لتلك الخلائق.
وبتدبر مفردات هذا المطلع، وبنظرة منهجية كلية شاملة، نجد أن آياته- وفي تلك المرحلة المبكرة من عمر الدعوة- تمثل نقلة فكرية، ودفعة راشدة تأخذ بيد ذلك المخلوق المكرم، ذلك الإنسان، لتسمو بفكره وليتدبر مغزى ذلك البيان الإلهي الفريد، وليربط بين مفرداته، فيدرك ويفهم بعض القضايا الكلية الخطيرة، تلك الثوابت التي لا تتحول ولا تتبدل:
أولًا: قضية الوجود كله، وهي قضية أنه ليسفي هذا الوجود إلا حقيقتان، ليس هنالك سوى خالق سبحانه، ومخلوق، وذلك كما نستشعرها من مغزى ذكر اسمه سبحانه في أول البيان، ثم ذكرالخلائق بعد ذلك إجمالًا.
ثان يًّا: قضية دور المنهج، وهو القرآن في تنظيم العلاقة بين الخالق سبحانه والمخلوق، وذلك كما ينصح من مغزى ذكر القرآن وكأنه أداة ربط بين الله سبحانه وبين الخلائق.
ثالثًا: قضية طبيعة العلاقة بين الخالق والمخلوق، فالعلاقة هي ببساطة علاقة عبودية، علاقة
معبود يُعبد، وعابد يَعبد، وهذا ما نلمحه من استشعار ذلك الانقياد الجماعي الشامل لله سبحانه من قبل الخلائق جميعها بما فيها النجم والشجر.
رابعًا: قضية دعائم وسمات تلك العلاقة، فهي علاقة قائمة على العدل على الموازين السماوية، ويظلل صفة العدل تلك صفة أخرى لا تنفك عنها، وهي صفة الرحمة، وذلك عندما نستشعر هاتين الدعامتين من تدبرنا المغزى إيراد اسم من أسمائه سبحانه الحسنى في المطلع، وهو الرحمن، ثم ذكر الميزان، وأمر الخلائق بعدم تجاوزه، إذن هي علاقة عبودية على دعامتين
أساسيتين وهما العدل والرحمة.
خامسًا: قضية العلاقة بين هؤلاء الخلائق وجميع الموجودات ومنهم الإنسان- الذين يجمعهم علاقة العبودية لله سبحانه أن العلاقة بينهم علاقة تعايش وتواد، علاقة تظللها موازين العدل والرحمة، فرفع السماء، ووضع الموازين وتمهيد الأرض للخلائق، وكذلك إنبات النبات كلها آيات توحي بعلاقة التواد والتعايش.
سادسًا: قضية دور الإنسان، ذلك المخلوق المميز عن جميع الخلائق بنعمة النطق والفكر، أونعمة معرفة الخير والشر.
إنه دور الأستاذية على البشر دور الريادة والقيادة لبني الإنسان، لهذا فإن المسلم هو المرشح من قبله سبحانه بدور راشد، واع، وذلك من خلال حمله لمنهج رب العالمين، إنه الدور الراشد القائم على قواعد يستمدها من القرآن الكريم على تلك الموازين الربانية القائمة على العدل والرحمة.
سابعًا: قضية فقه السنن الإلهية، قضية سنن الله عز وجل في الأنفس- أي عالم البشر- والآفاق- أي عالم المادة- التي لا تتبدل ولا تتغير ولا تحابي، وهي السنن والقوانين والقواعد التي خلقها سبحانه لتنظم وتحكم حركة هذا الوجود الكبير، حركة الكون والحياة والأحياء، وتحكم حركة التاريخ، وتتحكم بالدورات الحضاريةوعوامل السقوط والنهوض الحضاري.
وهي قضية نستشعرها من مغزى ذكر الخلائق جميعها، في علاقتهم التعايشية، وكأنهمعائلة واحدة مترابطة.
ثم ذكر الميزان، ذلك الضابط المنظم لحركتهم السرمدية، إذن فهناك حركة، وهناك موازين وقواعد تضبط وسنن تتحكم، وتلك القضية الجليلة هي موضوع بحثنا هذا.
مفهوم الفقه الاجتماعي
لذا فإن المسلم وهو يؤدي دوره القيادي الراشد لا ينبغي أن يباشره وهو بمعزل عن فهم تلك السنن أو القواعد والقوانين الربانية الثابتة التي تحكم حركة الدورات الحضارية، وناموسية التاريخ، والتي تنطبق عليه كما تنطبق على كلالموجودات دون محاباة، ودون استثناء.
بل عليه أن يستعين ببعضها على بعض، ولا يصطدم بها فإنها غلابة، وعليه أيضًا أن يبني حياته على أساس من التعايش والتوافق والتناغم مع هذا الوجود ولا يجب أن يفسر قضاياه بمعزل عن ذلك الوجود، فهو جزء من كل وإن كان رائدًاوقائدًا ومرشدًا.
وفقه التعامل مع تلك السنن الإلهية، والبحث فيها، هو ما يعرف بالفقه الاجتماعي أو الحضاري لذا كان من الأهمية بمكان أن نبتعد عن المنحى الجزئي القاصر، بل يجب أن نتعود المنحى المنهجي الواعي، والكلي الشامل، فننظر إلى أي قضية، نظرة كلية، ونحاول ردها إلى تلك الموازين والثوابت ومن خلال فقه سنته سبحانه الإلهية، نجد أن أي قضية ما هي إلا جزء من كل، وأن الأمر المبهم صار واضحًا وأن الشيء المحير أصبح مفهومًا .
أسئلة... حول الظواهر الكونية
تعجبت من أسئلة صغيري الكثيرة، والتي من أهمها وأعجبها: لماذا يظهر القمر نهارًا وليلًا، ولا تظهر الشمس إلا نهارًا ؟ ولماذا يبدو القمر نهارًا
باهتًا، ويظهر ليلًا واضحًا متلألأ؟!
استجمعت ذاكرتي لأستعيد بعض المعلومات من المصادر الموثوقة، حتى أفسر له تلك الظواهر ببساطة فشرحت له أن الشمس نجم مستقل ذو فاعلية، وإن كان جزءًا من هذا الكون، وأنها تشع حرارة وضوءًا فتنير الأرض والقمر، وتشيع فيها الدفء، وأن لها من القوة والجاذبية التي تكون كالخيط الذي يجعل الكواكب تدور حولها وترتبط بها.
والأرض تدور حول الشمس دورة كل سنة وتدور حول نفسها أي على محورها مرة واحدة كل يوم، والجزء المواجه للشمس يكون مضيئًا، فيكون النهار على هذا الجزء، وأن الجزء الآخر يكون مظلمًا، فيكون الليل به، ويكون تعاقب الضوء على سطحها مرة كل يوم، لهذا يكون اليوم ثابتًا أربعًا وعشرين ساعة، ويكون النهار والليل متغيرين في الطول على مدار السنة.
والقمر ما هو إلا تابع للأرض، يرتبط بها ويدور حولها في مدة سبع وعشرين يومًا واثنتي عشرة ساعة، وفي نفس الوقت يدور مرة واحدة حول نفسه، وهو كالأرض يستمد نوره من الشمس ويكون تعاقب الضوء على سطحه على مدار الشهر تقريبًا، أما بالنسبة لكسوف الشمس فإنه يحدث عندما يمر القمر بين الشمس والأرض، ويحدث خسوف القمر عندما تمر الأرض بينه وبين الشمس، لذا فإن القمر ذلك التابع، يكون باهتًا في وجود الشمس، ذلك المستقل، ذو الضوء القوي ويبدو القمر في قمة التلألؤ والضياء أثناء الليل عندما تغيب الشمس[3]. وهذا التناسق والتوافق التنظيمي، والتكامل في أدوار كل من المستقل والتابع هو من أبرز سمات المنظومة الكونية.
في المجال .... الأسري والاجتماعي
انساح هذا المفهوم لتلك السنة الإلهية الكونية وامتد بي إلى المجال الأسري والاجتماعي، فالأسرة هي أحد مكونات المجتمع، تمامًا مثل علاقة المجموعة الشمسية بغيرها من المجموعات في هذا الكون الفسيح، والأب داخل الأسرة هو الشخصية المحورية الشخصية المتبوعة ودوره يشبه دور الشمس في مجموعتها، وباقي أفراد الأسرة، الأم والأبناء دورهم يشبه دور توابع الشمس كالأرض والقمر وحتى يتحقق هدفنا لإيجاد المجتمع الصالح يجب أن تهتم بتحسين علاقة الأسرة بغيرها من الأسر داخل المجتمع الواحد، ولن تؤدي الأسرة دورها المطلوب دون أن نهتم أولًا بوجود ذلك التناسق والتوافق والتكامل في أدوار كل من الأبوباقي الأفراد حوله داخل الأسرة الواحدة.
إذن الأصل في صلاح المجتمع، هو إيجاد تلك المنظومة الوظيفية المتكاملة المتناسقة في العلاقة الداخلية للأسرة الواحدة.
في المجال الدعوي والتربوي
تم انساح بي هذا المفهوم لتلك السنة الإلهية إلى مجال آخر- وهو حجر الزاوية في هذا البحث- وهو المجال الدعوي والتربوي، حيث نجد نفس تلك الظاهرة، وينفس توابع وجودها سواء كانت مميزات أو عيوبًا واعتلالات.
فهناك بعض الشخصيات التي تشبه الشمس فهي شخصية مهيمنة، تؤثر فيما حولها إما سلبًا أو إيجابًا، ويدور المجموع حولها ومعها.
وهناك بعض الشخصيات التي تشبه القمر أو الأرض، فتعتمد على غيرها، في حركتها وفي فهمها، بل وفي مختلف الجوانب الحياتية، ويكون وجودها مرتبطًا بوجود الشخصية المتبوعة، ولكن قد يصاب البعض ببعض الاعتلالات التربوية والحركية من أبرزها وأخطرها
1- أن يستشعر البعض العجب لمركزهالتنظيمي المتقدم، ويهمل التقدير لأدوار غيره من أعضاء المنظومة الدعوية.
2- أن البعض تستهويه التكاليف الحركيةويسعد بها، حتى وإن كانت أكبر من إمكانياته، بل وإن قصر فيها .
3 - أن البعض يحافظ على حضور اللقاءات التنظيمية والإدارية، ويهمل أو يهمش حضور اللقاءات التربوية والروحية، فتنشأ ظاهرة دعوية اعتلالية تسمى ظاهرة الغرور التنظيمي والتي تؤدي إلى حالة منعدم التناسق والتوافق والتكامل التنظيمي، فينشأ الخلل الداخلي والخارجي في المنظومة الدعوية.
وحتى نبحث في ضوابط تلك الظاهرة الدعوية والتربوية، ومن أجل فقه إشكالية المتبوع والتابع بصورها المتعددة مثل قضية الشخصية المحورية أو قضية الهيمنة الفكرية، وحرية الإبداع، أو قضية الارتباط القراري واستقلالية التجربة، أو قضية المركزية الحركية واللامركزية، يجب ألا يفوتنا- وهو ما أكدنا عليه آنفًا أن تكون تلك الضوابط في ضوء فقه السنن الإلهية.
والضوابط منها ما يختص بالشخصية المحورية، ومنها ما يختص بالشخصية التابعة.
أولًا: فيما يختص بالشخصية المحورية
1- أن تدرك أن دورها- سواء كان فطر يًّا أو مكتسبًا هو قدر من إرادة الله عز وجل في هذا الوجود، فلا تنسى فضله سبحانه ونعمته عليها، وتسأله سبحانه التوفيق والسداد والثبات، وكل ميسر لما خلق له، من خلال وحدة العبودية لله سبحانه، ولا تنسى مغزى هذه الحركة الكونية
العابدة تحت رعايته سبحانه ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (يس:38)
2- أن تدرك أن وظيفتها ودورها هو جزء من كل جزء من سننه سبحانه في هذا الوجود والفن في أداء دورها هو كيفية التعامل مع هذه الظاهرة وسنته سبحانه فيها، وعدم الاصطدام بها، فسنن الله سبحانه غلابة، وذلك من أجل القيام بواجب الاستخلاف والاستعمار، وذلك تمامًا مثل وجود الشمس كمصدر للدفء والضوء في مجموعتها.
ومع هذا فهي كذلك جزء من هذا الكون الفسيح ألا تنسى أنها قدوة، وأسوة، فليس سهلًا أن تمتلك سمات المحورية، لأن وجودها ضروري الضبط الحركة البشرية أو الدعوية، وذلك يتطلب منها جهدًا وتفاعلًا، بحيث يصبح عامل جذب لربطمن حولها، تمامًا مثل جاذبية الشمس أن تتجنب الظواهر الاعتلالية لذلك الارتباط فتعطي شيئا من حرية التصرف والحركة والمرونة لمن حولها، وألا تجعل وجودهم باهتًا، كما يحدث للقمر نهارًا في وجود الشمس.
فلكل دورة الخاص المستقل الذي لا ينكره ناكر وهو كذلك الدور الذي يخدم ويتوافق مع حركة المجموع ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس: 40).
5- أن تسر لتقدم الأفراد حولها وإبداعاتهم وتلألئهم حتى وإن غابت ولو مؤقتًا، وذلك كما يتلألأ القمر ليلًا في غياب الشمس المؤقت، وكذلك كما يسر الأب لتقدم أبنائه، فالغياب المؤقت يصبح مقصودًا تربو يًّا رفيعًا، إذا أدى إلى إعطاء فرصة لصف متأخر أو رديف ليتدرب على تحمل المسؤولية.
٦ - ألا تدع للبعض أن يحول بينها وبين أي فرد من الأفراد لا نقول بالوشاية والوقيعة، ولكن لطفًا وأدبًا نقول بعدم المحاباة، والنزول على رأي البعض دون البعض، وعدم إيثار البعض بالرعاية والاهتمام والود دون البعض، وإلا عانوا من هذا الحصار الذي يشبه خسوف القمر، عندما تتدخل الأرض بينه وبين الشمس، فقد يصيب ذلك الأناني دعوات أهل الخير لذلك المخسوف المظلوم، أو يلحقه اتهام ليس بأقل مما اتهم به يعقوب - عليه السلام .. من خير الأبناء: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (يوسف:8)
يجب ألا تسمح بمن يحول بينها وبين وصول دفتها، ورعايتها للبعض ، وإلا تعرضت هي أيضًا لاعتلالات خطيرة، تحتاج إلى صلوات وأدعية وابتهالات، تمامًا مثلما يحدث للشمس حينما يصيبها الكسوف، عندما يتدخل القمر بينها وبين الأرض فيستأثر بها وحده حاجبًا إياها عن الأرض.
8- أن تعي أنها- وكذلك الجميع حولها- في حاجة إلى حركة وتطور ونماء وتربية مستمرة تمامًا مثل ذلك الدوران الشامل والحركة الحيوية التي تشمل الشمس والأرض والقمر في منظومة كونية عابدة ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس: 40)
ثانيًا: ما يختص بالشخصيةالتابعة
ألا يستأثر بالخير دون غيره، ويطغى علىحقوق أنداده، فالخير والرعاية من حق الجميع تمامًا مثلمًا يستمتع جميع أعضاء المجموعة الشمسية من كواكب وأقمار بضوء ودفء الشمس وحتى لا يتعرض لسخط البعض، ولا ينسى ما حدث ليوسف- عليه السلام- مع خير الإخوة.
2- أن يثق في نفسه، ويحاول الاعتماد على قدراته المشروطة بعدم معارضتها، الحركة المجموع، لأن لكل موجود في هذا الوجود دوره ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس: 40)
3- أن تقدر أي مسؤولية تكلف بها، مادام يخدم حركة المجموعة ويكون لابتغاء رضوان الله تعالى.
4- ألا يصيبها أنانية أو حب ظهور بالتقرب والانفراد بالشخصية المحورية، فتحدث تلك الاعتلالات التي وضحناها آنفًا سواء أصابت الشخصية المحورية أو انعكس عليها، تمامًا مثل كسوف الشمس وخسوف القمر، فيصيبها دعاء المظلومين.
5- ألا تغتر بقدرات أو مسؤوليات تتحملها، أوتكاليف تختص بها، فقد يكون ذلك التلألؤ والبريق هو من نتاج معاونة البعض الآخر، وهنا يجب عدم بخس الناس أشياءهم، والاعتراف بفضل من عاونها.. وتتذكر أن تلألؤ القمر هو من نتاج معاونة الشمس، وفي ظل رعايته سبحانه والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات...
[1]- طبيب وكاتب مصري.
[2]- في ظلال القرآن سيد قطب ٢٤٤٥/٢٧ بتصرف.
[3]- سلاسل سوفتير- عالم المعرفة والمعلومات- ١٢٤ سؤال وجواب في الكون والأرض: ١٦٠٩ بتصرف
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل