العنوان آفات على الطريق (٢٨) (٢ من ٤).. أسباب الانهزام النفسي وبواعثه
الكاتب أ.د. السيد محمد نوح
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1994
مشاهدات 50
نشر في العدد 1121
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 18-أكتوبر-1994
▪ تعويد المرء على تحمل المسؤولية يمنحه ثقة بنفسه واحترامًا لها فلا يتصاغر أو ينهزم أمام الأحداث
▪ الانتقاص الدائم يصيب العاملين بالإحباط ويدفعهم إلى الابتعاد عن تحمل المسؤولية
وللاحتقار أو الانهزام النفسي أسباب تؤدي إليه، وبواعث توقع فيه، وأهم هذه الأسباب، وتلك البواعث:
1- إهمال المرء من التعويد على المسئولية بل من التشجيع:
فقد يكون إهمال المرء من التعويد على المسئولية، بل من التشجيع من بين الأسباب المؤدية إلى الاحتقار، والانهزام النفسي، ذلك أن التعويد على المسئولية، بل التشجيع يمنح المرء ثقة بنفسه، واحترامًا وتقديرًا لها بحيث يوقن أنه ليس في الدنيا ما يكون صعبًا، أو بعيد المنال، وحين يهمل المرء من التعويد على المسئولية، ومن التشجيع يوسوس له الشياطين، وتسول له النفس الأمارة بالسوء أنه ما أهمل بهذه الصورة إلا لأنه لا يحسن أو لا يجيد شيئًا، فيفقد الثقة بنفسه، بل يأخذ في احتقارها، ويكون الانهزام النفسي.
ولا جرم أن نشير هنا إلى أننا لا نعني بالمسئولية القيادة بقدر ما نعني بها التكليف بما يوجب التبعة والمسألة، وهذا الذي نعنيه من العموم بحيث يشمل الحياتين جميعًا الدنيا والآخرة، فتكليف المرء بالاهتمام ببدنه وروحه وعقله، وخلقه، ودعوة الآخرين، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ومجاهدة الكفار والمنافقين الذين يصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجًا، هذه وغيرها مسئولية.
وكذلك لا تعني بالتشجيع الثناء أو المدح دون قيود أو ضوابط، بل لا بد أن يكون محفوفًا بالقيود، والضوابط الشرعية، وأهمها: الخلو من الكذب والمبالغة، وأن يكون مبنيًا على الظن أو التخمين الغالب لا على اليقين والقطع، فذلك مرده إلى الله- تبارك وتعالى- بأن يقول أحسب فلانًا كذا والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدًا وخير ما يشهد بصحة هذا السبب حركة التاريخ والواقع:
أما حركة التاريخ فقد طالعتنا من قديم: إن أباءنا وأجدادنا ولا سيما عرب الجزيرة العربية ما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من الثقة بالنفس والعزة والإباء والشمم، تلك التي عرفوا بها قبل الإسلام إلا بالتعويد على المسئولية منذ نعومة أظفارهم، بل والتشجيع وجاء الإسلام وأكد على هذا، بل حوله من مجرد أن يكون عادة وعرفًا إلى أن يكون شرعة ودينًا فقال الحق- سبحانه-: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: ١٠٥)، ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الحجر: 93-92).
وعرفنا من سيرته- صلى الله عليه وسلم- أنه عمل في صباه في رعي الغنم، وفي التجارة، وساعد في تجديد الكعبة، وشارك في حرب الفجار، وحلف الفضول، وأن هذه الأعمال أسهمت في إعداده وتهيئته لحمل أمانة الدعوة والبلاغ، والجهاد بعد ذلك.
وقد أفتى الحنفية بأن للأب أن يؤاجر ابنه الصغير في عمل من الأعمال من باب النظر- أي رعاية المصالح- ولأن ذلك من باب التأديب والتهذيب والرياضة، ومثل الأب في ذلك الوصي، والقاضي (1).
ولعل سندهم في هذا ما جاء عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أنه قال: «خدمت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يومًا، حتى إذا رأيت أني قد فرغت من خدمتي، قلت يقيل- أي ينام بعد الظهر ويعني به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فخرجت إلى صبيان يلعبون قال: فجئت أنظر إلى لعبهم، قال: فجاء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فسلم على الصبيان يلعبون، قال: فدعاني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فبعثني إلى حاجة له. فذهبت فيها، وجلس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في فيئ- أي ظل- حتى أتيته واحتبست عن أمي عن الإتيان الذي كنت أتيها فيه، فلما أتيتها قالت: ما حبسك؟ قلت بعثني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- له في حاجة له، قالت: وما هي؟ قلت: هو سر قالت: فاحفظ على رسول الله له سره قال ثابت- راوي الحديث عن أنس- قال لي أنس: لو حدثت به أحدًا من الناس، أو لو كنت محدثًا به لحدثتك به یا ثابت (۲).
وأما الواقع فهو ما نرى وما نشاهد من أن أبناء البادية والقرى غالبًا ما يكونون أكثر ثقة بأنفسهم من أبناء المدينة أو الحاضرة نظرًا لأن قسوة البادية والقرية أوجبت عليهم أن يدربوا على المسئولية في حال الصباء والأولاد في الغرب الآن يوضعون على المحك، وهم لا يزالون صغارًا حتى إذا ما شبوا كان منهم القادة والمبتكرون والمخترعون، وهكذا فإن التعويد على المسئولية، بل التشجيع يولد الثقة بالنفس.
وإهمال ذلك ينشأ عنه الاحتقار أو الانهزام النفسي.
2- انتقاص الآخرين وتحقيرهم للمرء على الدوام:
وقد يكون انتقاص الآخرين وتحقيرهم للمرء على الدوام من بين الأسباب المؤدية إلى الاحتقار أو الانهزام النفسي.
ذلك أن المرء إذا رأى كل من حوله لا يستحسنون منه شيئًا، بل يلاحقونه على الدوام بالانتقاص، والاحتقار، والفشل، فإنه غالبًا ما يتأثر بذلك لا سيما إذا كان في المراحل الأولى من حياته أو كان مكلفًا بالأمر لأول مرة، وتكون العاقبة أن يصاب بالإحباط والاحتقار أو الانهزام النفسي، ولعل هذا من بين الأسرار التي من أجلها نهى الشارع الحكيم أن يحقر المسلم أخاه المسلم أو ينال منه بحال.
إذ يقول الحق- تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ﴾ (الحجرات:۱۱)، وإذ يقول النبي: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه، ولا يحقره بحسب أمرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» الحديث (۳).
3- العيش في وسط معروف بالانهزام واحتقار النفس:
وقد يكون عيش المرء في وسط معروف بالانهزام واحتقار النفس من بين الأسباب المؤدية إلى الوقوع في الاحتقار، والانهزام النفسي أعم من أن يكون هذا الوسط قريبًا وهو البيت أو بعيدًا وهو المجتمع.
ذلك أن المرء شديد التأثر بالوسط الذي يعيش فيه وعليه فإذا كان هذا الوسط محتقرًا لنفسه أو منهزمًا أمامها سرت عدواه إلى الآخرين، وأصيبوا هم كذلك بالاحتقار والانهزام النفسي، وقد نبهنا غير مرة في هذه الآفات إلى ضرورة طهارة ونظافة الوسط الذي يعيش فيه المرء ليسلم من شره، بل ليتداوى إن كانت عدوى الأوساط العفنة قد سرت إليه، وأفسدته.
4- تمكن حب الدنيا من القلوب:
وقد يكون تمكن حب الدنيا من القلوب من بين الأسباب المؤدية إلى الاحتقار أو الانهزام النفسي.
ذلك أن حب الدنيا إذا تمكن من القلوب حمل على الوقوع في المعاصي والسيئات لا محالة، وأقل هذه المعاصي، وتلك السيئات الشح أو البخل بهذه الدنيا.
وحين يقع المرء في المعاصي والسيئات على الدوام يسود قلبه، ويصير عليه ران وربما انتهت الحال إلى قفل هذا القلب، بل الختم عليه والعياذ بالله، ويظهر أثر ذلك في أمور كثيرة أهمها: القلق والخوف والاضطراب النفسي وكذلك الاحتقار والانهزام النفسي، وواقع العصاة اليوم خير ما يشهد بذلك، ولهذا حذر الشارع الحكيم من الوقوع في المعاصي والسيئات، وأرشد من وقع في المعاصي والسيئات- لسبب أو لآخر- أن يبادر بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الله.
فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (المجادلة: ٩)، ﴿فَكَيَّفَ إِذَا جَئْنَا مِنْ كُلِ أمَّةً بِشَهيدٍ وَجَئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شهيدًا يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (النساء:41)، ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (الزمر:۱۳)، ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (النساء: ١٤)، ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (الجن:۲۳) ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ بَلَىٰ قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (الزمر: ٥٣- ٥٩).
وعن عبادة بن الصامت- رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: «بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه» فبايعناه على ذلك (٤).
5- دوام إخفاق المرء وفشله في كل ما يقصد:
وقد يكون دوام إخفاق المرء وفشله في كل ما يقصد من بين الأسباب المؤدية إلى الاحتقار، والانهزام النفسي، ذلك أن للنجاح والتوفيق سننًا لا بد من رعايتها، وحين تهمل أو تهدر هذه السنن كلًا يكون دوام الإخفاق والفشل، سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلًا، ولن تجد لسنة الله تحويلًا، وحين يرى المرء نفسه في إخفاق، وفشل على الدوام يسقط في يده.
وربما انتهى به ذلك إلى احتقار نفسه، وهزيمته أمامها، وخير ما يشهد بذلك واقعنا نحن المسلمين اليوم في صراعنا مع أعدائنا ومن أجل حماية المسلم من أن تنتهي به الأمور إلى هذا الاحتقار وذلك الانهزام النفسي جاءت دعوة الشارع الحكيم إلى ضرورة الإعداد، والإتقان، والحذر أو أخذ الأهبة والاستعداد في الأمور البسيطة قبل المركبة والسهلة قبل الصعبة.
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال (٦٠). ﴿وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة ١٩٥)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ (النساء:۷۱) وقال- صلى الله عليه وسلم-: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» الحديث (٥)، «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» (٦).
٦- منافسة ذوي الجد بالقول دون العمل:
وقد تكون منافسة ذوي الجد بالقول دون العمل من بين الأسباب المؤدية إلى الوقوع في الاحتقار أو الانهزام النفسي.
ذلك أن الحياة دنيوية كانت أو أخروية إنما تبنى أساسًا على المنافسة والمسابقة، وقد يكون أحد الطرفين جادًا بأخذ الأمور بحزم وعزم وقوة، وينتفع بكل ما لديه من طاقات وإمكانات، ولا تضيع منه لحظة واحدة هباء أو بددًا، ويكون الآخر لاهيًا لاعبًا لا هم له سوى الكلام والقول أما العمل فهو بمعزل عنه تمامًا، وبمرور الزمان يجد هذا الأخير نفسه أمام الأول عدمًا أو في حكم العدم، وحينئذ لا يملك إلا أن يكون فريسة للاحتقار أو الانهزام النفسي.
ولعل واقعنا نحن المسلمين اليوم أمام واقع أعدائنا خير ما يشهد بصحة ما نقول، إذ عمل هؤلاء وما زالوا يعملون بالليل والنهار، منتفعين بكل ما منحهم الله من طاقات وإمكانات ومواهب وقعدنا نحن المسلمين، بل غرقنا في اللهو واللعب حتى سبقونا وتقدموا علينا بل وأمسكوا بخناقنا، وضيقوا الخناق حول أعناقنا، ولا انتبهنا وأفقنا وأدركنا حقيقة هذا الواقع الأليم المرير واجهناه بالقول دون العمل، وحينئذ لم نستطع السباق أو اللحاق، وصرنا فريسة الاحتقار والانهزام النفسي.
وقد جاء عن علي- رضي الله عنه- خبر فيه راو مجهول إلا أن معناه صحيح مواقف الضرورة مواجهة الأعداء بالعمل لا بالقول، وإلا ركب أعناقنا هؤلاء، وكان الاحتلال أو ما يعرف الآن بالاستعمار.
إذ أخرج ابن أبي شيبة في: المصنف من حديث الأعمش عن شهر، عن رجل قال: «كنتُ عريفًا في زمن علي، فأمرنا بأمر فقال: أفعلتم ما أمرتكم قلنا: لا، قال: والله لتَفعلن ما تؤمرون به أو لتركبن أعناقكم اليهود والنصارى» (۷).
7- الكبت أو الاستبداد والقهر:
وقد يكون الكبت أو الاستبداد والقهر من بين الأسباب المؤدية إلى الاحتقار والانهزام النفسي، ذلك أن المرء إذا جعل بينه وبين التعبير عما بداخله وفرض عليه على سبيل الاستبداد والقهر ما لا يقره ولا يرضاه واستمرت الحال هكذا دون انفراج أو تنفيس أصابه اليأس والقنوط ثم الإحباط والاحتقار والانهزام النفسي.
ومن أجل الوقاية من الوقوع في ذلك منع الشارع الحكيم القهر، فلا إكراه في الدين، ولا إكراه في تزويج المرأة، ولا إمامة الحاكم أو أمير، أو ذي سلطان إلا بمشورة وبيعة... وهكذا.
قال تعالي: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة:٢٥٦)، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: ۱۵۹)، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: ۳۸).
وعن خنساء بنت خدام الأنصارية: «أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فجاءت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فذكرت له، فرد نكاحها» (۸).
▪ الهوامش
1- انظر: بدائع الصنائع للكاساني 4/178– ١٧٩ بتصرف.
2- الحديث أخرجه مسلم في الصحيح كتاب فضائل الصحابة: باب من فضائل أنس بن مالك- رضى الله عنه- ٤/١٩٣٩ رقم ٢٤٨٢ (145)، وأحمد في: المسند 3/109 174، 195، 227- 228، 235، 253، كلاهما من حديث أنس بن مالك- رضي الله عنه- مرفوعًا، واللفظ لأحمد في إحدى رواياته.
3- الحديث سبق تخريجه.
4- الحديث أخرجه البخاري في: الصحيح: كتاب الإيمان: باب منه 11/ 1، وكتاب مناقب الأنصار: باب وفود الأنصار إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- بمكة ربيعة، العقبة 5/70 وكتاب الحدود: باب الحدود كفارة، وباب توبة السارق ۸/۲۰۱۰۱۹۸ وكتاب الأحكام: باب بيعة النساء 6/99، وكتاب التوحيد باب في المشيئة والإرادة 6/١٦٩ ومسلم في الصحيح كتاب الحدود باب الحدود كفارات لأهلها ۳/1333- ١٣٣٤ رقم ١٧٠٩ (٤٤.٤١) والنسائي في السنن: كتاب البيعة باب البيعة على ترك عصيان الإمام، وباب البيعة على فراق المشرك 4/424- ٤٢٥ رقم ٧٧٨٤- ٧٧٨٠ ، ٤٢٨ رقم ۷۸۰۱ وباب ثواب من وفي بما عاهد عليه 4/435- ٤٣٦ رقم ۷۸۳۰، وكتاب الإيمان وشرائعه باب البيعة على الإسلام 6/531 رقم ۱۱۷۲۳ «الكبرى»، وباب البيعة على الجهاد وباب البيعة على فراق المشرك وباب ثواب من وفي بما بايع عليه 7/141- ١٤٢، ١٤٧- ١٤٨، ١٦١- ١٦٢، وكتاب الإيمان باب البيعة على الإسلام 9/108- ۱۰۹) «الصغرى» كلهم من حديث عبادة بن الصامت- رضي الله عنه- مرفوعًا.
5- الحديث أخرجه مسلم في الصحيح: كتاب الصيد والذبائح: باب الأمر بإحسان الذبح والقتل، وتحديد الشفرة ٣/ ١٥٤٨ رقم ١٩٥٥، وأبو داود في السان كتاب الاضاحي باب في النهي أن تصبر البهائم والرفق بالذبيحة ٣/344 رقم ٢٨١٥، والترمذي في السنن: كتاب الديات: باب ما جاء في النهي عن المثلة ١٦٧٤ رقم ١٤٠٩، وابن ماجه في السان كتاب الذبائح باب إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ٢/١٠٥٨ رقم ۳۱۷۰، والنسائي في السنن: كتاب الضحايا باب الأمر بإعداد الشفرة، وباب حسن الذبح 3/62- ٦٣ رقم ٤٤٩٤، ٦٤- 65 رقم ٤٥٠١- 4503 «الكبرى». 7/ ۲۲۷، ۲۲۹ ، ۲۳۰ «الصغرى» والدارمي في السنن كتاب الأضاحي باب في حسن الذبيحة 2/82 كلهم من حديث شداد بن أوس مرفوعًا، وعقب الترمذي على حديثه بقوله حسن صحيح.
6- الحديث أورده الألباني ومعه سبب وروده في سلسلة الأحاديث الصحيحة 2/106- ۱۰۷ رقم ۱۱۱۳ نقلًا عن مجمع الزوائد وأورد له شواهد يرتقي بها إلى درجة القبول.
7- انظر کتاب الفتن ١٣٦/٥ رقم ١٩١٠٣ وعنه نقل علاء الدين الهندي في كنز العمال 5/780 رقم ١٤٣٦٧.
8- الحديث أخرجه بهذا اللفظ أبو داود في السنن: كتاب النكاح: باب في الشيب 3/579 رقم ۲۱۰۱ والبخاري في الصحيح كتاب النكاح: باب إذا زوج ابنته وهي كأرمة 7/23، والنسائي في: السنن: كتاب النكاح باب الشيب يزوجها أبوها وهي كارهة 6/ 86، وابن ماجه في السنن كتاب النكاح: باب من زوج ابنته وهي كارهة 1/602 رقم ۱۸۷۲ كلهم من حديث الخنساء بنت خزام الانصارية مرفوعًا، واللفظ لأبي دارد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل