; آلام قلم وكلمات أمل: معاناة من رفق الطريق | مجلة المجتمع

العنوان آلام قلم وكلمات أمل: معاناة من رفق الطريق

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أغسطس-1993

مشاهدات 24

نشر في العدد 1063

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 24-أغسطس-1993

أخي أرأيت ما في البوسنة التي اقتطع من أراضيها أكثر من 80% وهجر من أبنائها مئات الألوف؟ أرأيت ما يحدث في كشمير وتايلاند وبورما والفلبين؟ أرأيت ما يحدث في آسيا الوسطى «جنوب الاتحاد السوفيتي سابقًا» من قتل وسحق وتهجير للمسلمين؟ وأظن أنه لا يخفى عليك من قبل ذلك نبأ المسجد الأقصى وفلسطين.. إنها مواجع وأحزان جاشت في الفؤاد حينًا فظهر بعضها على هذا القلم، لعل في البوح بها تخفيفًا عن صاحبها ودعوة إليك يا أخي لأن تعاون في حلها وتعمل على زوالها وما ذلك على الله بعزيز.

هدف واحد

الحركات العاملة للإسلام متعددة، وكلها تهدف لرفع راية التوحيد، وتحكيم شريعة الله، وتحقيق المجتمع الذي تظله العدالة، وتشيع فيه الحرية، ويأمن الإنسان فيه على نفسه وماله وعرضه فلا يُعتدى عليه بغير حق، ولا يُرد رأيه بغير حجة، ولا يشكك في نيته مادام مظهره ملتزمًا بالإسلام. وهذا هدف نبيل يسعى إليه كل مسلم عرف الإسلام واتبع منهج رسول الأنام، لأنه يتبع الحق ولا يتبع الهوى، ويتمسك بالقرآن والصراط المستقيم ولا يبغي عوجًا عن الطريق، ولا انحرافًا في السلوك.

ولن يتم للعاملين في الحركات الإسلامية تحقيق هذه الغايات إلا إذا ارتفعوا بأنفسهم عن البحث عن سقطات الآخرين والتشهير بها إن وجدت، أو البحث عنها ومحاولة إيجادها أو الإيهام بوجودها إن لم تكن موجودة فعلًا؛ لأن هذا يعوق المسير ويجعل الدعاة العاملين ينظرون لأنفسهم ولا ينظرون -أحيانًا- إلى غاياتهم، فيتعطلون وقد يتوقفون، وفي هذا إضاعة للجهود، وبعثرة للقوى وتفريط في عضد يؤيد، وساعد يساند.

النصيحة دين نعبد الله فيه

ولسنا نود أن يظل الخطأ سائدًا، والعيب شائعًا، فذلك ما لا يرضاه إنسان سمع قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «رحم الله امرًا أهدى إليّ عيوبي»، ولكن النصيحة لها أصولها، ورد الناس إليها مرهون بتلك الأصول المرعية التي إن خرجت عنها صارت فضيحة لا نصيحة. فما بالك بالباحثين عن الأخطاء والمنقبين عن قلوب الناس ونواياهم وأنهم كانوا يريدون في الموضع كذا، وفي ذاك الموضع كذا، وتبدأ الكتابات التي تشوه صورة هذا الداعية أو ذاك. وقد يحمل هذا التشويه في ثناياه كلمات هي إلى السب والطعن والتجريح أقرب منها إلى التصويب والتوضيح، مما يجعل التلاقي بين العاملين في الحركات الإسلامية صعبًا والتوحد بينهم بعيدًا؛ إذ إن أصحاب هذا الاتجاه يصابون بموت القلب لأنهم ينتقصون إخوانهم، وقد يسخرون منهم، فيثيرون بذلك حفيظتهم، فأنى يلتقون؟ وكيف يجتمعون؟ ولقد قال ابن ناصر في "الرد الوافر" كلمة حق ننقلها لما لها من أثر جدير بالاعتبار، قال: «لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أعراض منتقصيهم معلومة، ومن وقع فيهم بالثلب، ابتلاه الله قبل موته بموت القلب». ومن مات قلبه، وخمدت شعلة الإيمان في فؤاده ماذا ينتظر منه؟

حب الخير للجميع منهج المخلصين

ونحن نضرع إلى الله ألا يميت قلوبنا أو قلوب أحد من إخواننا المسلمين، وندعو أنفسنا وإخواننا لأن نجد في طريق الدين، وأن نسعى نحو الهدف الكريم؛ هدف إقامة شرع الله في الأرض، وألا نبذر بذور الفرقة، أو نبعثر أشواك الاتهامات هنا أو هناك فذلك يبعدنا عن الطريق.

ندعو أنفسنا وإخواننا لأن نكل الحكم على النيات لمن يعلم السر وأخفى، وأن نحسن الظن بالعاملين، وأن نقيل عثراتهم ونلتمس لهم أعذارًا لما قد يكون منهم من أخطاء لم يتعمدوها، ولربما كانت منهم اجتهادًا وأخطأوا فيه ولم يصيبوا. ندعو أنفسنا وإخواننا لأن يكون حالنا متمثلًا هذا القول:

وكلمة حاسد من غير جرم                                       سمعتُ، فقلتُ: مُرّي فأنقذيني

وعابوها عليَّ ولم تَعِبني                                             ولم يَعرق لها يومًا جبيني

وما من شيمتي شتم ابن عمي                                 ولا أنا مُخلفٌ مَن يرتجيني

بصرتُ بعيبه فكففتُ عنه                                      محافظةً على حسبي وديني

على طريق سلف الأمة نسير

ولنا في السلف الصالح أسوة حسنة في ذلك، فقد كانوا يرعون حرمة العلماء والدعاة إلى الله أحياءً وأمواتًا، وهذا يحيى بن معين يقول: «إنا لنطعن على أقوام لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة من مائتي سنة».

ومن هنا وجب علينا -نحن المسلمين عامة والعاملين في الحركات الإسلامية خاصة- أن نغفر لمن أساء إلينا، ولا نشفي منه غيظنا، بل إن إسداء النصح بالطريقة الشرعية المقبولة خير لنا جميعًا، إذ نبدد به ظلمة الفرقة. قال ابن عباس: «ما رأيت رجلًا أوليته معروفًا إلا أضاء ما بيني وبينه، ولا رأيت رجلًا أوليته سوءًا إلا أظلم ما بيني وبينه».

ولقد عاد أبو موسى الأشعري الحسن بن علي، فوجد عنده أباه عليًا، فقال: ما جاء بك إلينا؟ ما يولجك علينا؟ قلت: ما إياك أتيت، ولكن أتيت ابن ابنة رسول الله ﷺ أعوده، قال علي: أما إنه لا يمنعني غضبي عليك أن أحدثك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ حَتَّى يَجْلِسَ، فَإِذَا جَلَسَ اغْتَمَسَ فِيهَا».

تلك آثار الصالحين تدلنا عليهم وتجذبنا إليهم، وتجعلهم لنا خير قدوة في هذا المجال، فلتكن لنا آثارنا في التسامح والعفو والصفح؛ حتى ننال رضوان الله، ونكون من السائرين على درب الصالحين. يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لا يحل لامرئ مسلم يسمع الكلمة من أخيه المسلم أو عن أخيه المسلم أن يظن بها سوءًا وهو يجد لها في الخير محملًا».

يا دعاة الخير انظروا بنفس صافية وعين راضية

ما دامت الكلمة تحمل طوايا الخير في ثناياها، فلماذا نسيء بصاحبها الظن، ونحملها على غير ما ينبغي؟ فلا يفعل ذلك إلا كل من لم تخلص نيته، ولم تصفُ سريرته، إنه هو المنقب عما تحمل الكلمات من إساءات يبذرها في طريق المسلمين، ليسيء بها إليهم؛ لأنه -بذلك- يرضي نفسه التي لم تعرف غير السخط والضيق، ولو أنها عرفت الرضا، لعرفت معه حق الأخوة، ولعرفت معه أن المتأول لا ينبغي أن يعاب أو يذم، بل الأولى به -إن أخطأ- أن ينصح وأن نبين له الطريق.

وتلك هي العلة؛ إنها عين السخط التي لا ترى من الدنيا نصفها المضيء، ولا ترى من الكوب نصفها المليء، وفي ضوء رؤيتها القاصرة تنساق إلى الجدل واللجاجة فتقع في المحظور الشرعي الذي تجنبه العلماء، وجعلوا بينهم وبينه سدًا حاجزًا وبونًا بعيدًا.

وهذا هو الحسن البصري وقد قيل له: نجادلك؟ فقال: لست في شك من ديني. وقال العباس بن غالب الوراق سألت إمامنا أحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، أكون في المجلس ليس فيه من يعرف السنة غيري، فيتكلم مبتدع فيه، أرد عليه؟ فقال: لا تنصب نفسك لهذا، أخبره بالسنة ولا تخاصم، فأعدت عليه القول، فقال: ما أراك إلا مخاصمًا.

أخي الداعية: أسباب القطيعة شر  فاحذرها

إن أسباب الوقوع في المخاصمة كثيرة، لأن المسائل منها ما هو قطعي لا مجال للمخاصمة فيه، والكثير من المسائل ظنية، وكون المسألة قطعية أو ظنية هو من الأمور الإضافية، فقد تكون المسألة عند رجل قطعية لظهور الدليل القاطع كمن سمع النص من رسول الله ﷺ وتيقن مراده، وعند آخر ظنية لعدم بلوغه النص، أو لعدم ثبوته عنده أو لعدم تمكنه من دلالته.

وبناء على ما تقدم فما ينبغي لأحد أن يتهم آخر بغير دليل طالما توفر حسن النية وخيرية المقصد، وفي هذا ترك للمجادلة والمخاصمة، يدفع بالناس إلى التعاون فيما بينهم مما هو مشترك عام، والإعذار فيما يرون فيه خلافًا مع غيرهم فالحق مطلب الجميع.

وإننا لنأخذ الحق من كل من تكلم به وأظهره -كما قال الإمام ابن تيمية: «ولكن الحق يقبل من كل من تكلم به». والعارفون بالحق يعرفون أصحابه، وأما الذين يعرفون الرجال فلربما غفلوا عن الحق ما لم يرد على ألسنة رجالهم وأقلام كتابهم، ومن ثم فقد يجادلون وقد يخاصمون وهم عن الحق بعيدون، وعن جادة الطريق حائرون.

ميزان العدل آية الدعاة فاستعملوه

إن الله سبحانه يحاسب الناس على أعمالهم خيرها وشرها، فمن ثقل خيره فله الثواب، ومن ثقل شره فعليه العقاب، ولكن بعض الناس لا يرى غير الخطأ ويعجز عن رؤية الصواب، ويظل خطأ الآخرين في نظره يتضخم ويقوى ويشتد حتى يظهر في الصورة أمام الناظرين وحده، فيظهر صاحبه فردًا أو جماعة وكأنه مجموعة من الأخطاء ليس غير، وهذا ظلم بين. فلو عاملنا الناس بميزان العدل لنظرنا إلى حسناتهم وسيئاتهم، وحكمنا بالغالب عليهم، فإن كثرت الحسنات قبلنا منهم الصحيح، وعذرناهم فيما وقعوا فيه من سيئات ونصحناهم بتركها، وإن كانت الأخرى نصحنا وبينا الحق بالدليل والبرهان من غير سب ولا إيذاء ولا اعتساف، آخذين بقول الشاعر:

وإذا الحبيبُ أتى بذنبٍ واحدٍ                                   جاءت محاسنُه بألفِ شفيعِ

وليس على الناس ملام إن عملوا وجدوا واجتهدوا ثم لم تثمر جهودهم شيئًا مذكورًا، فإن من الأنبياء من يأتي يوم القيامة وليس معه أحد استجاب له. وعليّ أن أسعى وليس عليّ إدراك النجاح، فالنجاح أو النصر مقدر بقدر الله يؤتيه الله من يشاء من عباده، ولكن الذي على العباد أن يأخذوا بالأسباب كلها، وأن يخلصوا لله أعمالهم، وألا يتركوا شيئًا أمروا به إلا وفعلوه، ثم يكون بعد ذلك كله النصر أو غيره بحسب مشيئة الله التي لا يعلمها الناس، وإنما هم يعلمون أن عليهم البذل والتضحية والعمل المستمر مع الإخلاص، وتبقى نتيجة كل ذلك عند الله سبحانه قد يثيبهم عليه في الدنيا والآخرة، وقد يدخر لهم الثواب في الآخرة وحدها.

والإنصاف يتطلب منا أن نحسن الحكم على الناس إن أحسنوا، ولا نسيء الحكم عليهم إن هم أساءوا غير عامدين، فقد يكونون مجتهدين أخطأوا الطريق، وقد تكون لهم رؤية صحيحة جديدة يراها الناس على غير ما ألفوا وعلى غير ما عرفوا فيظنون أنها مخطئة وهي مصيبة، ويرتبون على ذلك أمورًا وظنونًا تتهم صاحبها فلا يكون غير الجدال والخصام والقطيعة.

ولم تزل قلةُ الإنصاف قاطعةً                                 بين الأنام وإن كانوا ذوي رحمِ

ونحن في هذا ندعو أنفسنا وإخواننا لحسن الظن، ونفي التهم والبعد عن الجدال واللجاجة والخصومة، والأخذ بعين الإنصاف، ففي ذلك تتلاقى الجهود وتتوحد الاتجاهات، وتقوى الأمة، وتأخذ في طريق إظهار الدين الإسلامي على الدين كله ولو كره المشركون.


اقرأ أيضًا:

منهجية الاقتداء بالسلف الصالح 

الرابط المختصر :