; آمبون.. ومحاولة تكرار سيناريو تيمور الشرقية | مجلة المجتمع

العنوان آمبون.. ومحاولة تكرار سيناريو تيمور الشرقية

الكاتب أحمد دمياطي بصاري

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-2000

مشاهدات 59

نشر في العدد 1383

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 04-يناير-2000

حادث عابر وقع بين الصوص من النصارى وسائق مسلم كان يمكن أن ينتهي ببساطة. ولكن فجأة دقت أجراس الكنائس في أمبون كلها

حركة «جمهورية» مالوكو الجنوبية الانفصالية تدرب أفرادها على استخدام السلاح ولها قواعد في ولاية تكساس الأمريكية

تعتبر مشكلات آمبون التي اندلعت مؤخرًا بين المسلمين والنصارى حلقة في سلسلة المشكلات التي بدأت منذ عام وبالتحديد في 19 يناير ۱۹۹۹م والتي لم يشهد أهالي هذا الإقليم مثلها من قبل، لقد اختيرت آمبون لتنفيذ سيناريو المسرحية التي كتب فصولها بعض من يحب الصيد في الماء العكر لتحقيق مصالح ومطامع خاصة ويقدر عدد ضحايا الأزمة بما لا يقل عن ألف قتيل و ٩٧٥ جريحًا، وفي 4 ديسمبر الجاري اندلع اشتباك آخر في مالوكو الجنوبية قتل فيه ٤٣١ شخصًا كما شلت حركة الحياة خوفًا من تكرار أعمال العنف.

يتوقع كثير من المراقبين أن الأحداث لن تنتهي في المستقبل القريب خاصة بعد فشل محاولات الحكومة المركزية، وليس من المستبعد أن تهب رياح الأزمة إلى مناطق أخرى، في ظل عدم مبادرة الرئيس عبد الرحمن وحيد ونائبته إلى البحث عن حلول عاجلة وجادة وربما قادت إندونيسيا إلى حرب طائفية تقودها الأقلية النصرانية فهل سيحدث المحظور وتندلع الفتنة أم أنه يمكن إنهاء الأزمة؟

المسلمون والمسيحيون في مالوكو

مدينة آمبون هي عاصمة محافظة أرخبيل مالوكو التي تتكون من أكثر من ألف جزيرة وتمتاز بغناها بالتوابل الممتازة التي جذبت في الماضي تجار العالم سواء العرب أو الأوروبيين، وتبلغ مساحة الإقليم ۷۷۸۷۱ كم مربع، وبلغ سكانها في عام ۱۹۹۳م حوالي مليوني نسمة، وتبلغ نسبة المسلمين 56.79%، والبروتستانت 36.89% والكاثوليك 5.81% والهندوس 0.008% والبوذيين 0.07%                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                           ساد الإسلام في الأرخبيل منذ دخول التجار العرب المسلمين إلى إندونيسيا في سنة ٧٠٤م، إذ بدأ الناس يتعرفون سماحة الدين الجديد واعتنقه الكثير وتأسس العديد من الممالك الإسلامية وتسمية الأرخبيل بمالوكو تغيير لأصله العربي جزيرة الملوك، كما يعود الكثير من سكان الإقليم لأصول عربية، وقد تمكن التجار العرب من السيطرة على تصدير توابل المنطقة إلى العالم، ولكن قدوم الاستعمار البرتغالي بدأ يهدد سيادة المنطقة، حيث وصلت أول قوات برتغالية إلى هيتو شمال آمبون في سنة ١٥١٢م بقيادة فرنسيسكو.

وبدأت المقاومة للقوات البرتغالية تتبلور في التصدي للحملة التنصيرية، مما اضطر القوات البرتغالية إلى مغادرة جزيرة تيرناتي وتأسيس قاعدة أساسية لحركة اليسوع «Jisuit Order» أدت إلى تحويل المنطقة إلى ولاية نصرانية بقيادة سانتو فرانسيس سفيير، وبدأت الحركة التنصيرية تزحف بطريقة جدية وانتشرت المسيحية إذ وصل معتنقوها إلى٥٠ ألف شخص في سنة ١٥٩٠م، ثم جاءت هولندا التي ورثت نفس الآمال والاستراتيجية، بيد أنها جاءت بمسيحية كاثوليكية بدلًا من البروتستانتية المعروفة لدى أهالي المنطقة واستولت هولندا على منطقة آمبون سنة ١٦٠٥م وبعد استقلال إندونيسيا، انضمت مالوكو إلى رحاب إندونيسيا، غير أن الدكتور سوموكيل وعملاء الاستعمار الهولندي أعلنوا قيام جمهورية مالوكو الجنوبية Selatan Republik Maluku  في ٢٥ أبريل ١٩٥٠م بعد فشلها في تشكيل الحكومة الفيدرالية الإندونيسية المقترحة، ودخلت المنطقة في مواجهات مسلحة بين القوات الحكومية والانفصاليين المسيحيين استمرت من يوليو إلى ديسمبر ١٩٥٠م وانتهت الحرب بقرار الانفصاليين إلى هولندا، ولما استقرت الأوضاع السياسية والاجتماعية في المنطقة، بدأت هجرة المسلمين إليها تدريجيًّا إلى أن أصبح لهم شأن في التجارة والاقتصاد، لكن الصراع بين المسلمين والنصارى على سيادة المنطقة لم ينته بل تواصل منذ تلك الفترة إلى يومنا هذا.

صراع من أجل السيادة

لكن الاشتباكات التي اندلعت في المنطقة عام ١٩٩٩م ليست من صميم الصراع السائد بين الطرفين بقدر ما هو سيناريو أدارته الفئات التي تخشى الخسارة في الصراع حول السلطة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حيث كان للنصارى تغلغل في مراكز صناعة القرار منذ مقدم سوهارتو للحكم، غير أنه ومع مطلع الثمانينيات بدأ النفوذ النصراني يضعف بشكل بارز إلى أن انتهت الشراكة بينهما في التسعينيات بعد محاولة الفئة النصرانية بقيادة الجنرال ل.ب مورداني إدارة انتخابات رئاسة حزب جولكار الحاكم الصالح إنجاح الشخصيات الموالية لها، وقد كانت محاولات مورداني دليلًا على نفوذه الواسع في صفوف الجيش، إذ إن كثيرًا من قيادات الجيش يوالونه، ولعل هذا النفوذ هو الذي دفعه إلى التصرف بعدم مبالاة، ودون الرجوع إلى سوهارتو أو استشارته غير أن الخلاف انتهى بانتصار سوهارتو الذي عين الجنرال سودارمونو رئيسًا لجولكار، واستمرت التوقعات حول من يستلم السلطة من الرئيس سوهارتو، وانحصرت الخيارات في ثلاثة أشخاص هم الجنرال سودارمونو والجنرال تري سوترسنو والجنرال ل. ب مورداني، لكن سوهارتو أقال الجنرال ل. ب مورداني من قيادة الجيش قبيل احتفال مجلس الشورى في سنة ١٩٨٨م وسلم إليه حقيبة وزارة الدفاع ثم أبعده عنها في سنة ١٩٩٣م ليعمل في المركز المسيحي للدراسات في جاكرتا «CSIS» ويذكر أن المركز نفوذًا قويًّا في دوائر صنع القرارات الاستراتيجية والدولية. 

في المقابل استطاع المسلمون في ظل غياب النفوذ النصراني انتهاز الفرصة للتأثير على القرار، وبدأوا تدريجيًّا عمليات إصلاح شاملة، وكان من أولوياتهم توفير مناخ من الحرية أمام العمل الإسلامي.

فقد أهالي آمبون المسلمون الأمل في حماية السلطة وقرروا الدفاع عن أنفسهم

اعتبر انتهاء الشراكة بين الحكومة والقوة النصرانية هزيمة للأقلية النصرانية، والداعمين لها من الخارج مما دفعهم للتخطيط للقيام بثورة جديدة فانطلقوا في موجة من أعمال الشغب والعنف وتسيير المظاهرات في عرض البلاد وطولها كالذي حصل في ٢٧ يوليو ١٩٩٦م في مقر حزب PDI ولا سيما بعد انتخابات يوسف حبيبي نائبًا لسوهارتو، ثم نجحوا في إبعاد سوهارتو بسبب الأزمة المالية التي زحفت على المنطقة منذ شهر يونيو ۱۹۹۷م، وقاموا بقيادة المظاهرات التي اتسمت بالعنف مطالبين بتغييرات جذرية في الساحة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في آن واحد، وازدادت المظاهرات عنفًا بعد اغتيال 6 طلاب من جامعة تريسكتي في 12مايو ١٩٩٨م في العاصمة جاكرتا واستطاع أخيرًا تيار العنف إجبار الرئيس سوهارتو على الإعلان عن رغبته في الاستقالة، ومن ثم حل نائب الرئيس حبيبي محله إلا أن الأزمة المالية كانت قد ضربت جذور الاقتصاد الإندونيسي على الرغم من امتناع الرئيس الجديد عن قبول معونات صندوق النقد الدولي، وازدادت الأزمة شدة إلى أن انتهت بإسقاط الرئيس حبيبي عن طريق وسائل عدة: 

 هجرة رجال الأعمال الصينيين بثرواتهم إلى الخارج «بلغت ثرواتهم أكثر من ٨٠مليار دولار أمريكي» ورفضوا العودة إلى إندونيسيا لأن الرئيس حبيبي ذو اتجاهات إصلاحية تطمح لتحقيق مصالح الشعب الإندونيسي، كما استمروا بالتأثير على العملة الإندونيسية من سنغافورة مما أثر على الاستقرار السياسي والاجتماعي.

 المطالبة بمحاكمة عاجلة للرئيس الأسبق سوهارتو بتهمة تدمير الاقتصاد والفساد المالي والإداري، وهو أمر يعجز حبيبي عن تحقيقه بسبب أن الظروف التي تسلم فيها الرئاسة لم تكن تمكنه من تحقيق هذه الأمور.

 تحريك المظاهرات العنيفة في جاكرتا بقيادة جامعة أتماجايا Atma jaya الكاثوليكية ذات التوجه اليساري البارز وإنشاء جمعيات كثيرة مثل جمعية فوركوت، وبهذه التنسيقات الشبابية المسيحية في العاصمة بدت الأمور وكأن شعب إندونيسيا رافض لرئاسة حبيبي، مما كون رأيًّا عامًا محليًّا وعالميًّا يؤكد المطالبة بضرورة التغيير.

 تجنيد الكثير من العاطلين عن العمل في أعمال العنف والمشاركة في المظاهرات مقابل مبلغ يكفي لسد احتياجاتهم اليومية.

 تحريض المسيحيين عن طريق خطابات الجنرال تيو شافعي النصراني، الموجهة ضد المسلمين.

 إثارة أعمال العنف والشغب في جزيرة مالوكو عقب أحداث جاكرتا لإثارة غضب المسلمين مما يؤدي إلى جو من الفوضى، كما حدثت أعمال عنف مشابهة في مدينة بابيواغي في جاوا الشرقية وكوفانج، حيث اغتيل كثير من العلماء المسلمين. 

          وهكذا استطاعت القوة المحركة للأزمة أن تنتصر، وقال البروفيسور أحمد منصور سوريانيجارا الأستاذ في جامعة أونفاد تعليقًا على الأحداث «لو أن سوهارتو لم ينتم إلى المسلمين ولم يقم بقطع العلاقة مع المنظمات المالية الدولية وعدد من الحكومات الأجنبية، ولم يبادر لإنشاء البنك الإسلامي، ومنظمة مثقفي إندونيسيا المسلمين، ودخوله إلى الكعبة، وانتخاب ضباط مسلمين في كل قاعدة عسكرية، وتعميم إلقاء السلام بين الشعب لما اضطر أن يتقاعد ويسلم السلطة تحت أعمال العنف والفوضى. وكذلك حبيبي لولا إسلامه ومشروع إنشاء مفاعل نووي في جاوا الغربية لما انزلق من على كرسي الرئاسة».

تشريد المسلمين في مالوكو

كان المسلمون في مالوكو ضحايا سيناريو العنف حيث إن الاشتباكات التي بدأت بمشكلة بسيطة بين بعض اللصوص وسائق مسلم من أصل سولاويسي، كان يمكن أن تنتهي ببساطة، إلا أن الأحداث تطورت بعد أقل من ساعة من الحادثة إذ انتشرت الإشاعات في كل مدينة آمبون بأن المسلمين أحرقوا الكنيسة، ومن هنا بدأت الكارثة.

 يذكر أن كبار شخصيات هذه المنطقة عبروا عن استغرابهم من تطور مشكلة عارضة إلى أزمة عنف طائفي، وأكدوا أن هذا الأمر ليس من طبيعة أهالي المنطقة. حيث قال محمد كاسويا، ممثل حزب العدالة في مالوكو: «إن شعب مالوكو لم يكن على هذه الصورة من العنف، وإذا حدثت أي مشكلات لم تكن تنتشر بمثل هذه الصورة البشعة»، صحيح أنهم متعصبون لديانتهم، لكن كل المشكلات التي حدثت من قبل كانت تحل بسرعة لأن كثيرًا من معتنقي الديانتين لهم صلات قرابة.

 وأكد رئيس شرطة آمبون أن هذه الاشتباكات ليست مجرد مشكلات تلقائية، وإجرامية، بل إن هناك أيد عميلة تهدف لتحقيق مصالح خاصة على حساب استقرار المنطقة، ويمكن الاستدلال على عدم عفوية الأزمة بالملاحظات التالية:

انتشار إشاعة إحراق الكنيسة في آمبون في أقل من ساعة مما دفع المسيحيين لأخذ الثأر من المسلمين.

 رنين أجراس الكنائس في آن واحد أثناء الأزمة وفي غير أيام الأحد.

ظهور قادة اعمال الشغب وسط الجماهير بأجهزة اتصال لاسلكية لتنسيق الهجوم.

وقت أول أعمال عنف كانت في عيد الفطر، حيث تفرغ المدينة من الكثير من سكانها المسلمين. حوالي ٤٠% منهم يعودون بأصولهم إلى جاوا، وسولاويسي وبوطان، ومن العادة أنهم يقضون العيد في مناطقهم الأصلية.

 وجود أسلحة نارية في أيدي النصارى الذين تلقوا تدريبات عسكرية من قوات حركة جمهورية مالوكو الجنوبية وهي حركة انفصالية سبق الإشارة إليها وتتمركز حاليًّا في مدينة تكساس بالولايات المتحدة.

أسباب الكارثة

مجموع الملاحظات السابقة تجعلنا نستبعد احتمال كون الأحداث في آمبون عملية إجرامية عادية وتقودنا إلى اعتبارها عمليات مخططًا لها من قبل، لكن بقي علينا أن نبحث مرة أخرى في الأسباب، لقد اختلف المحللون والمراقبون للأوضاع في تعيين أسباب أحداث آمبون:

 فمن قائل إن مشكلات أمبون هي خطة لإنجاح حزب ميجاواتي، لأن تراجع حزب جولكار في المنطقة سيعوضه بروز الأحزاب الإسلامية الجديدة النامية.

وهناك من يرى أن نظرة سكان مالوكو النصارى إلى المهاجرين المسلمين إلى المنطقة والذين استطاعوا السيطرة على التجارة والاقتصاد بشكل كبير هي من ضمن الأسباب التي دفعت النصارى لأن ينجروا إلى الاشتباكات الأخيرة.

وهناك من يرى أن السياسة الداخلية في مالوكو لها شأن كبير في دفع عجلة الأحداث، حيث قام محافظ مالوكو الدكتور صالح لا توكونسينا بإقالة الكثير من النصارى إبان فترة رئاسته الثانية للمنطقة ومن بينهم رئيس مدينة آمبون السابق.

 مصلحة الجيش في هذه الاضطرابات التي تهيئ الشعب لقبول بقاء القوة العسكرية حاضرة على الساحة السياسية ليستمر النفوذ الذي يتمتع بها الجيش، إذ إنه حسب الاتهام المبطن الذي وجهه الرئيس وحيد إلى الجيش قبل رئاسته. فإن الجيش كان يعرف الجهات المسؤولة عن أعمال العنف الطائفي في مالوكو ومما جاء في تصريحات وحيد قوله: «إن الجنرال ويرانتو يعرف المشاغبين تمامًا». لكن ويرانتو لم يصرح للأمة بما كان يعرفه، كما أكد الدكتور إندوريا ساميجو قائلًا: «كان ويرانتو يعلم أن المشاغبين أعلى رتبة وأقدم في الجيش الإندونيسي». ويمكننا أن ندلل على كلام الدكتور إندريا أن الجيش لم يعد قادرًا على إلقاء القبض على المشاغبين ومحاكمتهم، وهذا مما يخيب آمال المسلمين في إجراء محاكمة للمسؤولين عن الأحداث مما ترتب عليه في النهاية أن يلجأ الأهالي المسلمون في مالوكو للدفاع عن وجودهم أمام ازدياد العنف النصراني بسبب الأوضاع السياسية غير المستقرة بعد الأزمة المالية التي ضربت المنطقة إضافة إلى خشيتها من هيمنة الإسلام في المنطقة. اندفعت حركة «جمهورية مالوكو الجنوبية» تخطط لإنشاء دولة على أساس نصراني، ولعل هذا ما يفسر إصرارهم على استمرار الأزمة بالمنطقة، حيث تطمح الأقلية النصرانية في تأسيس رأي عام محلي ودولي لتأييد انفصال مالوكو.

محاولات الحكومة الجديدة

مسرحية آمبون كارثة تسببت في تشريد مسلمي المنطقة وتهجيرهم إلى الأقاليم الأخرى ويمكن أن نقسم تسلسل الاشتباكات في ثلاثة مراحل:

 الاشتباكات التي جرت في يوم 19 يناير ۱۹۹۹م.

الأحداث التي وقعت من ٢١ يوليو إلى ٣ أغسطس ۱۹۹۹م وقد تسببت في تشريد ما لا يقل عن ستة عشر ألف مسلم هاجروا إلى الأقاليم المجاورة بعد تعرض بيوتهم للحرق.

الأحداث التي وقعت من ٨ إلى ٣٠ نوفمبر ١٩٩٩م.

يذكر أن المسلمين لم تكن لهم مقاومة كبيرة في المرحلتين الأوليين، وقد فسر بعض المراقبين ذلك بما كان ينتظره المسلمون من الحكومة المركزية في جاكرتا الأمر الذي انتهى في المرحلة الثالثة إلى قرار التصدي للعدوان، وقد أكد ضعف موقف الحكومة المركزية إهمال الرئيس وحيد للنظر بجدية في المسألة وانشغاله في جولاته الخارجية، حيث زار أربع عشرة دولة في مدة لا تزيد على شهرين، رأى فيها المحللون محاولة للهروب إلى الأمام من المشكلات الداخلية للبلاد والتي منها أزمة مالوكو.

وقد طالب كثير من الجهات الأهلية في مالكو مثل اتحاد الطلبة المسلمين في جامعة آمبون ومنظمة تضامن المسلمين بضرورة المسارعة لإيجاد حلول سلمية عاجلة، غير أن رد فعل الحكومة جاء باردًا، لا ينم عن شعور بما تعانيه المنطقة، مما أوجد تضامنًا شعبيًّا في كل مناطق البلاد مع شعب مالوكو المسلم ودعمهم معنويًّا وماليًّا. واستعد ٦٠٠٠ شاب للتعاون مع الجيش الإندونيسي، وقد قال الدكتور شافع مغني، الأستاذ في الجامعة المحمدية بمدينة سورابايا بجاوا الشرقية: «إن أحداث مالوكو تشبه في تفصيلاتها كثيرًا ما كان يجري في الحروب الصليبية في القرن التاسع عشر الميلادي».

وعلى صعيد آخر، التزمت ميجاواتي -نائبة الرئيس- الصمت عما يجري من أحداث على الرغم من تفويض الرئيس وحيد الأمر إليها في البحث عن حلول عاجلة، وتحت الضغوط الشعبية بادر وحيد ونائبته بزيارة آمبون في ١٢ديسمبر الجاري في زيارة قيل عنها إنها من نوع اللعب في الوقت الضائع، بدليل أن الاشتباكات عادت في جزيرة سيرام بعد يومين من زيارتهم وقد سقط ١٣ قتيلًا من طرفي النزاع. 

ويمكن أن تحدد خطوات الحكومة لحل الأزمة بأمور ثلاثة:

 إرسال قوة بحرية و ۱۳ مصفحة لنقل الجنود إلى آمبون.

 تشكيل لجنة مشتركة من قبل مجلس النواب للبحث عن حل للأزمة في كل من آمبون وأتشيه. 

زيارة الرئيس ونائبته إلى المنطقة.

أين الحل؟

لعله يتضح مما ذكرنا الاضطراب وعدم الوضوح في موقف الحكومة المركزية وهذا ما يؤكده تصريح الجنرال سعادي مارابيسي الذي جاء فيه: «إن مشكلات آمبون أصبحت أمرًا معقدًا يصعب حله». كما يتضح لنا ما يتعرض له موقف الحكومة من ضغوط قوية من القوى المتصارعة في إندونيسيا مما جعل الرئيس وحيد يصرح في زيارته الأخيرة إلى آمبون بأن على أهالي الإقليم حل المسألة فيما بينهم وهذا ما كان يردده الجنرال ويرانتو من قبل. غير أنه بات واضحًا أن حل الأزمة بعد هذا العدد من الضحايا ورغبة الناس في الانتقام لا يمكن أن يأتي بوصفة سحرية، إن ما يمكننا قوله هنا هو ضرورة اجتماع جميع القوى المحايدة في البلاد سواء كانت من المسلمين أو النصارى، والعمل بالتعاون مع الحكومة المركزية وجميع الجهات الراغبة في السلام الحقيقي في إندونيسيا، ووضع وسائل واضحة للقضاء على الفتنة في مالوكو ولعل من أهم ما ينبغي القيام به مخاطبة الشخصيات العاقلة في الأقلية النصرانية بخطر استمرار مثل هذه الأحداث على الوجود النصراني في إندونيسيا.

 (*) باحث إندونيسي في الشؤون الدولية      

الرابط المختصر :