العنوان أثر الربا في الأزمة المالية لدول جنوب شرق آسيا
الكاتب المحرر الاقتصادي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-مايو-1998
مشاهدات 66
نشر في العدد 1301
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 26-مايو-1998
غير خاف على المسلم النصوص الشرعية في تحريم الربا، بل واعتباره من كبائر الذنوب التي يترتب على الوقوع فيها كوارث اجتماعية واقتصادية وسياسية وفوق كل ذلك التعرض لسخط الله وغضبه وأليم عقابه في الدنيا والآخرة.
وبالنظر إلى بعض النصوص حول الربا نجد الآتي:
أولًا: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: ٢٧٥).
قال البقاعي: وهو مؤيد بالمشاهدة فإننا لم نر ولم نسمع قط بأكل ربا ينطق بالحكمة ولا يشهر بفضيلة، بل هم أدنى الناس وأدنسهم...»[1] ، وعليه فإن المتعاملين بالربا «لا يقومون في الحياة ولا يتحركون إلا كحركة الممسوس المضطرب القلق المتخبط الذي لا ينال استقرارًا ولا طمأنينة ولا راحة... إن العالم الذي نعيش فيه اليوم- في أنحاء الأرض- هو عالم القلق والاضطراب والخوف والأمراض العصبية والنفسية... على الرغم من كل مظاهر الرخاء المادي التي تأخذ بالأبصار...».[2]
وفيما يتعلق بالآثار الدنيوية على الأزمة المالية في جنوب شرق آسيا نجد أن اقتصاديات هذه الدول قامت على الربا أخذًا وعطاء، حيث دخلت إلى تلك الدول البلايين من الدولارات من دول كثيرة لتمويل الاستثمار، وهذا التمويل يقوم على الربا من خلال ما يسمى «الفائدة»، لذلك لا غرابة أن نرى أثار التخبط في المتعاملين بالربا، فعندما بدأت الأزمة رأينا الممولين يسارعون إلى سحب أموالهم من تلك الدول ويبيعون أسهمهم في مشاريعها وشركاتها في حركة جنونية متهورة.
وبالنسبة لحكومات تلك الدول فإن التخبط ظاهر في قراراتها وتصرفاتها لمواجهة الأزمة.
ثانيًّا: قال تعالى: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (البقرة:٢٧٦).
يقول ابن عطية: «وقد جعل الله هذين الفعلين بعكس ما يظنه الحريص الجشع من بني آدم يظن الربا يغنيه، وهو في الحقيقة ممحق، ويظن الصدقة تفقره وهي نماء في الدنيا والآخرة».[3]
إن الله يمحق الربا فلا يفيض على المجتمع الذي يوجد فيه بهذا الدنس إلا القحط والشقاء، وقد ترى العين- في ظاهر الأمر- رخاء وإنتاجًا وموارد موفورة، ولكن البركة ليست بضخامة الموارد بقدر ما هي في الاستمتاع الطيب الأمن بهذه الموارد.... ولذلك نرى الشقوة النكدة التي ترين على قلوب الناس في الدول الغنية الغزيرة الموارد، والقلق النفسي الذي لا يدفعه الثراء بل يزيد...[4]
ويوحي شياطين الربا من الإنس والجن بعضهم إلى بعض بأن الاقتصاد لا يمكن أن يقوم بدون المصارف، وأن المصارف لا يمكن أن تقوم بدون الربا، وأصبحت هذه المقولة من البديهيات لدى كثير من الناس حتى قيض الله من أقام صرح المصارف الإسلامية التي حطمت تلك المقولة عمليًّا.
وبتطبيق مدلول هذه الآية على الأزمة المالية في دول جنوب شرق آسيا نجد أن تلك الدول التي فتحت بلادها للمرابين حققت نموًا اقتصاديًّا أجوف وأطلق عليها لقب «النمور الأسيوية» .... نمور «كالهر يحكي انتفاخًا صورة الأسد»، سرعان ما انهارت عملاتها واهتزت اقتصادياتها ومحقت بركاتها ولم تحقق لشعوبها ما تصبو إليه من رغد عيش واستقرار، حيث مازالت نسبة كبيرة من شعوب تلك الدول تعيش تحت مستوى خط الفقر,[5] وأصبح كثير من الشركات بين تحت عبء الديون والفوائد الربوية التي عجزت عن تسديدها فانهار الكثير من المصارف وأعلنت شركات كبرى إفلاسها ومحق الربا، وأصبحت النمور تستجدي المرابين المتمثلين في صندوق النقد والبنك الدوليين وتطلب المساعدة على اجتياز أزمتها، ومثلها في ذلك كالمستجير من الرمضاء بالنار.
ثالثًا: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٧٨- ٢٧٩).
لم يبلغ من تفظيع أمر أراد الإسلام إبطاله من أمور الجاهلية ما بلغ من تفظيع الربا، ولا بلغ من التهديد في اللفظ والمعنى ما بلغ التهديد في أمر الربا...[6]
وفي الآية السابقة إيذان من الله ورسوله بالحرب على المرابين، وهذه الحرب المعلنة أعم من القتال بالسيف والمدفع من الإمام، فهي حرب شاملة داهمة.
وبتطبيق مدلول الآية على الأزمة المالية في جنوب شرق آسيا نجد أن الحرب الإلهية على الربا قد ظهرت على عدة جبهات منها:
الجبهة الاقتصادية: - انهيار كبير في قيمة عملات تلك الدول.
- تراكم الديون مما أدى إلى إفلاس الكثير من الشركات والمصارف، وأصبحت قدرتها على المنافسة ضعيفة نظرًا لكثرة أعبائها.
- انتشار الخوف والهلع حتى رأينا بعض شعوب تلك الدول يقفون في صفوف طويلة من أجل شراء بعض الاحتياجات الضروريات وتخزينها لمواجهة الأزمات الاقتصادية الخانقة0
- تستغل الدول الكبرى مثل هذه الأزمات -التي تشارك في إحداثها بصورة أو بأخرى- فتعلي شروطها عبر المؤسسات المالية الخاضعة لها مثل صندوق النقد والبنك الدوليين، فتطالب برفع الدعم عن السلع الضرورية بهدف تجويع الشعوب فتضطر للخضوع للهيمنة الاستعمارية.
- انتشار البطالة، حيث فقد ملايين من العمال وظائفهم إثر الأزمة المالية.
الجبهة السياسية: - حصول الاضطرابات وعدم الاستقرار.
- التدخل الخارجي في صنع القرار السياسي، فمن لا يملك قراره الاقتصادي لا يملك قراره السياسي والعكس، ونجد أن الدول الكبرى تستغل مثل هذه الأزمات لتعلي شروطها التي تمكنها من الاستعماري الاقتصادي والسياسي.
- كثيرًا ما تدخل المجتمعات المرابية في حروب مباشرة أو غير مباشرة ويؤدي تحويل هذه الحروب والتسابق على سوق الأسلحة العالمية إلى تدمير اقتصاديات المجتمعات والدول.
الجبهة الاجتماعية
- انتشار البطالة.
- انتشار السرقات والجريمة.
- الصراع بين فئات المرابين وهم قلة وبقية فئات المجتمع التي تعاني من الفقر نتيجة الاختلال الكبير في توزيع الدخول الناتج عن التعامل بالربا وغير ذلك من الفساد والمصائب التي تحل بالمجتمعات، الربوية وما سبق غيض من فيض وأمثلة لنوعية من الحرب التي يبتلي الله بها المجتمعات الربوية.
ولو كان أصحاب الأموال الذين مولوا الشركات من دول جنوب شرق آسيا قد أقاموا علاقاتهم مع تلك الشركات على أساس المشاركة في الأرباح والخسائر هل كانوا يشاركون في إحداث الأزمة، كما فعل المضاربون الذين سحبوا الأموال من السوق.
لقد تنبهت بعض الدول المعنية بهذا، فنجد رئيس وزراء ماليزيا يدعو إلى مراقبة المضاربين والحد من تصرفاتهم، بل إن الحكومة الماليزية قد منعت ما يسمى بيع المراكز القصيرة في سوق الأسهم، ويعني بيع المضاربين للأسهم قبل تسديد قيمتها من أجل إعادة شرائها بثمن أرخص بعد هبوطها لاحقًا ليحققوا بذلك أرباحًا طائلة إذا اتفقت مع توقعاتهم.
عبد الرحمن بن أحمد بن سالم
الهوامش
[1] - البقاعي: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (٥۳۰/١).
[2] - سيد قطب في خلال القرآن (٣٢٦/۱).
[3] -. المحرر الوجيز (۳۷۳/۱)
[4] - في ظلال القرآن. (۳۲۸/۱
[5] - ينبغي أن نشير إلى أن تلك الدول الآسيوية قد حققت نموًا في مجال الصناعة والاستثمارات المختلفة ولكنه مش لاعتمادها على التمويل الأجنبي وخضوعه للتعامل الربوي.
[6] -.(۳۲۸/۱) في ظلال القرآن
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل