; أحداث باكستان.. لماذا؟ وإلى أين؟ (الحلقة 8) | مجلة المجتمع

العنوان أحداث باكستان.. لماذا؟ وإلى أين؟ (الحلقة 8)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يونيو-1977

مشاهدات 81

نشر في العدد 355

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 21-يونيو-1977

• وفي ۲۸ أبريل أصدرت الحكومة أمرًا بمنع دخول باصات السفر والمسافرين وحتى المرور في منطقة إسلام آباد- راولبندي- وذلك اعتبارًا من يوم غد، وكانت قد أصدرت قبل أيام قليلة قرارًا بمنع جميع التظاهرات والتجمعات في نفس المنطقة ولمدة أسبوع «والهدف من هذا هو إحباط وإفشال المسيرة التي دعت المعارضة للقيام بها في ٣٠ أبريل».

• وفي ۳۰ أبريل وعلى الرغم من منع مئات الألوف من الناس من دخول مدينة راولبندي- وذلك بعد أن قطع الجيش الطرق المؤدية إليها- وعلى الرغم من وضع رئيس التحالف بالوكالة السيد بير بكارو الذي كان من المقرر أن يقود المسيرة رهن الإقامة الجبرية في الفندق الذي كان يقيم فيه- فإن عدة آلاف من الناس تجمعوا في حديقة لياقة علی خان، وهو المكان المقرر أن تنطلق منه المسيرة وخرجوا من هناك في مسيرتهم التي اعترضتها قوات البوليس والأمن الاتحادي والجيش، واستعملت في تفريقها الهراوات والغازات المسيلة للدموع، بينما رمى المتظاهرون تلك القوات بالحجارة دفاعًا عن النفس.

وفي نفس الوقت الذي كانت فيه قوات الأمن تجابه المتظاهرين في إحدى مناطق المدينة، وفي نفس الوقت الذي كانت المسيرة فيه تعتبر غير قانونية لأن هناك أمرًا من الحكومة بحظر المظاهرات، خرج بوتو مع أنصاره في مظاهرة في منطقة السوق الرئيسية في المدينة تحرسهم قوات الأمن! ليقوم بمظاهرة استعراض عضلات وليلقي خطابًا يؤكد فيه أن أمريكا وراء المعارضة وتريد التخلص منه. ثم أخرج رسالة قال إنه تسلمها من وزير الخارجية الأمريكية، يدعوه فيها إلى الاجتماع بين ممثلي الدولتين لحل أي إشكالات قائمة بينهما، ثم صرح قائلًا إنه لن يخفي أي شيء عن الشعب، إلا أنه لم يبين أو يقدم أي دليل أو برهان أو إشارة عن طبيعة التدخل الأمريكي في البلاد، وعندما سئل عن ذلك بعد ذلك صرح هو كما صرح وزير خارجيته عزیز أحمد بأنه ليس من مصلحة البلاد تقديم الأدلة في الوقت الحاضر، وأن الشعب سوف يكتشف بنفسه هذه الأدلة، وقال أيضًا إن المسألة معقدة وإنه بعد رسالة وزير الخارجية الامريكية فإنه- أي بوتو- لا يريد أن يزيد الموقف تعقيدًا.

وبعد خطابه توجه إلى الفندق الذي كان يقيم فيه السيد بكارو تحت الإقامة الجبرية، ليطرق باب غرفته ويجتمع به لمدة خمسة وأربعين دقيقة، وليصرح بعدها بأنه لم يتطرق خلال محادثته مع السيد بكارو إلى الأوضاع السياسية وإنما كانت زيارة شخصية لصديق قديم لعائلته، وأنه تحدث معه عن تلك الصداقة.

ومن الجدير بالذكر أنه في الوقت الذي لم تنطلِ على الشعب الباكستاني حيل وألاعيب بوتو المعروف باتجاهه الأمريكي، بعث السيد ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية برسالة إلى بوتو وزعتها وكالة الأنباء الباكستانية، ونشرتها الصحف الباكستانية الصادرة صباح ٣-٥-٧٧ يقول فيها: إنني أشعر بالفخر لموقفك البطولي وخطابك التاريخي في البرلمان، نؤكد لك يا سعادة الأخ تأييدنا الكامل في هذا الظرف الحرج الذي تمر به باكستان، ضد المؤامرة الكبيرة التي تهدد الشعب الباكستاني المخلص لنا. نهنئك من أعماق قلوبنا وندعو لك بالنجاح في مهمتك وفي مستقبل مشرف لباكستان تحت قيادتك الحكيمة.

ويمكن تصنيف الأحداث التي جرت في باكستان منذ بداية شهر مايو -أيار- إلى قسمين:

أ- أحداث احتجاجية.

ب- أحداث سياسية.

الأحداث الاحتجاجية:

• في الثالث من مايو أعلنت المعارضة أنها ستتحدى الأحكام العرفية في البلاد يوم الجمعة القادم 6 مايو، وفي يوم 4 مايو حظرت الحكومة المظاهرات في راولبندي مرة ثانية، وفي يوم الجمعة المذكور خرجت جماهير المصلين في كل مدينة وقرية في باكستان بمظاهرات كبيرة متحدية الأحكام العربية، ومعلنة تأييدها لمطالب المعارضة؛ ونتيجة لذلك لقي شخصان في لاهور مصرعهما وجرح تسعة آخرون، عندما فتح البوليس والجيش النار على المتظاهرين عقب الصلاة، ومنع الأستاذ المودودي ولأول مرة في حياته-كما قال فيما بعد- من أداء صلاة الجمعة، وذلك من قبل الجيش خوفًا من قيادته لإحدى مظاهرات الاحتجاج، كما قتل اثنان آخران في حيدر أباد، وجرح عدد من الأشخاص في كراتشي ومنعت مظاهرة للنساء من الخروج في راولبندي.

• وفي الثامن من مايو خرجت مظاهرات في لاهور فتح عليها الجيش النار وسقط خمسة جرحى، وتكررت المظاهرات في لاهور في ١٠ مايو إلا أن الجيش لم يتدخل هذه المرة ولأول مرة منذ فرض الحكم العرفي على المدينة يوم ٢٢-٤.

• وفي الثامن من مايو أيضًا اشتبك المتظاهرون المؤيدون للمعارضة مع البوليس، عندما حاول اعتراض مسيرتهم في مدينة صغيرة تدعى ميربور خان- وهي قريبة من مدينة حيدر أباد- فأطلقت عليهم النيران وسقط قتيل واحد وعدد من الجرحى.

• وفي الحادي عشر من مايو دعت المعارضة إلى إضراب في كراتشي يوم غد الخميس، فأعلنت الحكومة عن زيادة ساعات منع التجول- الذي لا يزال مفروضًا على المدن الثلاث كراتشي وحيدر آباد ولاهور- بحيث تغطي ساعات النهار.

وبقيت المدينة مغلقة أبواب محالها ومكاتبها يوم الخميس. وخرجت مع بقية مدن باكستان في مظاهرات يوم الجمعة عقب الصلاة، وفي مساء الجمعة اصطدم المتظاهرون مع الجيش في منطقة لياقت آباد في كراتشي وسقط منهم عشرة قتلى، وقالت بعض الأنباء إن عشرة من رجال الجيش قد اختفوا في المنطقة، ويعتقد أنهم قد اختطفوا من قبل أبناء الشعب الذين قطعت عن منازلهم الماء والكهرباء، عقابًا لهم في شهر مايو الذي يعتبر أحرّ شهر في المدينة.

• وفي الثالث عشر من مايو كانت مدينة ملتان الواقعة على بعد ۲۰۰ میل من لاهور مسرحًا لعمليات البوليس وقوات الحامية الفدرالية ضد أبناء المدينة، الذين خرجوا يعربون عن سخطهم على حكومة بوتو غير الشرعية، ومطالبين بتلبية مطالب المعارضة وتطبيق الشريعة الإسلامية فحصدت أربعة منهم وجرحت العديد وفرضت منع التجول التام على المدينة.

• وفي السابع عشر من مايو أبت مدينة سنغهر الصغيرة والواقعة في وسط إقليم السند إلا أن تشارك المدن الكبرى احتجاجها، فخرجت فيها إحدى المظاهرات التي تصدى لها البوليس والذي أصدر بيانًا فيما بعد قال فيه: ولما رفض المتظاهرون التفرق تم تفريقهم بالقوة، واعتقل ۱۹ شخصًا منهم.

وفي السابع عشر من مايو أيضًا فرضت الحكومة الإقامة الجبرية المنزلية على رئيس تحالف المعارضة بالوكالة السيد بير بكارو لمدة ثلاثة أيام، ودون إعطاء أي سبب لذلك.

• وفي العشرين من مايو أصدرت حكومة إقليم السند بيانًا أوضحت فيه أن إضرابات عمت مدن تدونو آدم، وشهرادبور، وسنغهر، وميربور خاص في وسط السند، وأن الناس في تلك المدن قد سدوا الطرق الرئيسية، وعندما حاولت قوات الأمن تفريقهم تم تبادل إطلاق النار بين الطرفين وجرح خمسة أشخاص.

وفي نفس اليوم أيضًا شهدت مدينة سيالكوت الصناعية والتي تقع في إقليم البنجاب مظاهرات عنيفة، أعلنت على أثرها حكومة إقليم البنجاب عن فرض حظر التجول في المدينة إلى أجل غير مسمى، بعد أن قتل البوليس أربعة من المتظاهرين المؤيدين للمعارضة وجرح تسعة عشر آخرين.

أما كراتشي فقد خرجت فيها عدة مظاهرات بعد صلاة الجمعة تهتف بسقوط بوتو، وتطالب باستقالته وتلبية مطالب المعارضة، وقد تصدت لتلك المظاهرات قوات الأمن وفرقتها بطريقتها المعهودة.

وحدث ما يشبه ذلك في مدينة حيدر أباد، واعتقل فيها كما اعتقل في غيرها العديد من الأشخاص الذين اشتركوا في المظاهرات.

• في الخامس والعشرين من مایو أصدرت إحدى المحاكم العسكرية- التي شكلتها سلطات الحكم العرفي في لاهور- حكمها بسجن الشيخ مليك الرحمن لمدة سنة؛ وذلك لإلقائه خطبة معادية للدولة بتاريخ ١٠-٤في أحد مساجد لاهور، وكذلك بسجن الشيخ مخدوم منظور أحمد لمدة تسعة أشهر، والشيخ محمد شفيع لمدة سنة بنفس التهمة.

• في السادس والعشرين من مايو أصدرت المحكمة العليا في مدينة بيشاور أمرها بإطلاق سراح ثلاثة من زعماء الجماعة الإسلامية في مدينة نوشيرا، وهم السيد تشودري سلطان أحمد، وأخطر فاروقي وأطهر الرحمن؛ وذلك لأنه ثبت لديها أن اعتقالهم كان غير قانوني.

• في يوم الجمعة السابع والعشرين من مايو خرج العديد من المسيرات في كراتشي، كان أكبرها تلك التي خرجت من مسجد باب الإسلام بعد صلاة الجمعة، والتي استعملت فيها قوات الأمن الهراوات والغازات المسيلة للدموع لتفريقها، واعتقلت حسب البيان الذي أصدرته السلطات العسكرية عشرين شخصًا، حوكموا فيما بعد من قبل المحاكم العسكرية، وحكم عليهم بمدد لا تتجاوز السنة وبغرامات مالية. والجدير بالذكر أن الحكومات الإقليمية تصدر بيانات يومية عن حالة الأمن في البلاد، تعتبر المظاهرات التي لا يقتل فيها أو يجرح فيها أحد- رغم استعمال الهراوات والغازات المسيلة للدموع ضدها والتي يعتقل العديد من المشاركين فيها- تعتبرها مظاهرات قد انتهت بسلام.

• وفي البيان الذي صدر عن السلطات العسكرية في لاهور يوم ٢٨ مايو أعلن عن اعتقال عدد من الأشخاص لمحاولتهم الخروج بمظاهرات، كما حكم على خمسة أشخاص بالسجن لمدة سنة لتعكيرهم صفو الأمن.

• وفي الثاني من يونيو- حزيران- دعا رئيس تحالف المعارضة بالوكالة السيد بير بكارو الشعب إلى اعتبار يوم غد يوم احتجاج، ويوم بعد غد الجمعة يوم المطالب والمشاركة في المظاهرات، التي ستخرج للتعبير عن ذلك في هذين اليومين، وفي يوم الخميس ٣ يونيو خرجت في كراتشي وحدها خمس وعشرون مظاهرة، إحداها نظمها الأطفال في منطقة بواي، وقد هتف المتظاهرون بسقوط بوتو وبحياة المعارضة وطالبوا بتنفيذ مطالبها، وقاموا بإحراق العديد من نسخ الجرائد التي تصدر باللغة الإنكليزية في كراتشي كتعبير عن احتجاجهم، وكما هي العادة انتهت المظاهرات بالهراوات والغازات والاعتقالات، واعتبرت في بيان حكومي سلمية حيث لم يقتل أحد.

وفي يوم الجمعة ٤ يونيو- وهو يوم بدء المحادثات بين المعارضة وبوتو والتي سنتحدث عنها فيما بعد- خرج الآلاف من الناس إلى الشوارع في الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر- الموعد الذي حدد لبدء المحادثات- وأعربوا عن تأييدهم للمعارضة، وظل الآلاف منهم جالسين في الشوارع لمدة ساعة كاملة إعرابًا عن تأييدهم هذا. 

وفي نهاية حديثنا عن الحركة الاحتجاجية- حتى يوم بدء المحادثات بين المعارضة وبوتو- نخلص إلى القول إنه على الرغم من نجاح الحكومة في الحد من عدد وحجم المظاهرات، في المدن الرئيسية الثلاث كراتشي لاهور وحيدر أباد بسبب فرض الحكم العسكري عليها، نقول على الرغم من ذلك فشلت في إيقاف تلك الحركة في تلك المدن، بالإضافة إلى أن الحركة ازدادت ضراوة في مدن ومناطق أخرى من البلاد، ولم تستطع الحكومة إسدال الستار كاملًا على تلك الحركة بالرغم من فرض الرقابة على جميع الأنباء التي تتعلق بتحالف المعارضة، وعلى الرغم من أنهار الدماء وموجات الاعتقالات التي شملت جميع قطاعات الشعب من طلبة وعمال، ومحامين وأطباء، وتجار وفلاحين ونساء وأطفال، وبأعداد بلغت عشرات الآلاف.

الرابط المختصر :