العنوان غيوم في سماء العلاقات المصرية الأمريكية
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 09-نوفمبر-1993
مشاهدات 58
نشر في العدد 1074
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 09-نوفمبر-1993
زيارة مبارك لواشنطن والغيوم في سماء العلاقات
وسط إجراءات أمنية غير عادية شهدتها العاصمة الأمريكية واشنطن في
الأسبوع قبل الماضي، قام الرئيس حسني مبارك بزيارته الثانية إلى الولايات المتحدة
خلال ستة أشهر محاولًا تبديد بعض الغيوم التي ظهرت خلال هذه الفترة بين الجانبين،
وقد دفعت الإجراءات الأمنية غير العادية حول مبنى البيت الأبيض وبلير هاوس
الأمريكيين وغيرهم من السياح الذين يترددون على المكان إلى التساؤل عن سر منع سير
السيارات في جادة بنسيلفانيا طوال إقامة الرئيس مبارك في بلير هاوس، وإيقاف كل من
يشتبه فيه، مما دفع الصحفيين الأمريكيين إلى مبادرة الرئيس كلينتون في أعقاب
اجتماعه مع الرئيس مبارك في 25 / 10 / 1993م الماضي عن سر هذه الإجراءات الأمنية
التي لا تتم عادة في واشنطن، فأجاب كلينتون قائلًا: «إنها من المستوى الذي نعتقد
أنه مناسب في ضوء التوترات الجلية التي تكتنف عملية سلام الشرق الأوسط برمتها،
وإننا نعتبر الرئيس مبارك رصيدًا قيمًا، وأردنا بذل أقصى ما يمكن لضمان أنه يشعر
بالأمن هنا في بلادنا.
ورغم إطراء كلينتون على الرئيس مبارك إلا أن الفتور وعدم الاهتمام من
الجانب الأمريكي بدا واضحًا من خلال البروتوكولات وأسلوب الاستقبال والموضوعات
المطروحة، فقد وصل الرئيس مبارك إلى واشنطن يوم السبت 23 أكتوبر، وكان في استقباله
على غير العادة وزير الخارجية، وظل يومين في البلير هاوس دون أن يلتقي به أحد،
ومخالفة لكل الأعراف الديبلوماسية غادر وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر
واشنطن صباح الإثنين 20 أكتوبر متوجهًا إلى روسيا، مصطحبًا معه طائرتين من
الصحفيين الأمريكيين لتغطية رحلته في صورة تبدي عدم اهتمام الخارجية الأمريكية
بزيارة مبارك.
كما أن اجتماع مبارك مع كلينتون لم يستمر أكثر من خمسة عشر دقيقة،
خرجا بعدها إلى المؤتمر الصحفي الذي لم يوجه فيه أي سؤال إلى الرئيس مبارك، سوى
سؤال أحاله إليه كلينتون حول الإجراءات الأمنية التي فرضتها واشنطن حول البيت
الأبيض وبلير هاوس والتي لاقت عدم قبول من الأمريكيين الذين كان يتساءل كثيرون ممن
يمرون منهم بالبيت الأبيض وهم مشدوهون... ماذا يحدث داخل البيت الأبيض؟! كما أن
الصحافة الأمريكية لم تبد اهتمامًا ملحوظًا بالزيارة أو ما دار فيها، حيث احتلت
الحرائق المشتعلة في كاليفورنيا وارتفاع معدل الجريمة في واشنطن وقضايا أخرى كثيرة
صدر صفحاتها الأولى طوال زيارة الرئيس، وقد دفع هذا الفتور الأمريكي الرسمي بعض
المراقبين هنا في واشنطن إلى تأكيد مخاوفهم تجاه تغير مرتقب في السياسة الخارجية
الأمريكية تجاه مصر، فيما سعى آخرون إلى تحديد أهداف زيارة الرئيس مبارك الأخيرة
من خلال معطيات الواقع، حيث إن الزيارة السابقة لم يمض عليها أكثر من ستة أشهر.
أهداف الزيارة
أوجز المراقبون في واشنطن زيارة مبارك الثانية للولايات المتحدة خلال
ستة أشهر في عدة أهداف من أهمها:
1- جاء الرئيس
مبارك ليؤكد أنه الورقة الرابحة الأولى للسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق
الأوسط، لا سيما بعدما أهملت الإدارة الأمريكية دوره في ترتيب أوراق «غزة– أريحا»
من البداية؛ لذلك سعى الرئيس مبارك إلى تأكيد ذلك مع الرئيس كلينتون، ومع الذين التقوه
في واشنطن، حيث ذكر نصًّا في لقاء تلفزيوني إنه بدون مصر لكان من العسير حتى على
الولايات المتحدة أن تمضي قدمًا في عملية السلام، كما أكد على دور مصر في دعم
الوجود الأمريكي في كل من الخليج والصومال، وفي لقائه مع كلينتون أكد على أنه
سيواصل جهوده من أجل إقامة سلام شامل في الشرق الأوسط بين كافة الدول العربية
وإسرائيل، وهذا طرح يغري اللوبي المحيط بكلينتون الذي قال معقبًا على كلام مبارك:
«لم يكن الاتفاق الإسرائيلي الفلسطيني ليبصر النور لولا تشجيع مبارك المستمر»، كما
تطرق مبارك مع كلينتون إلى نوايا القذافي فيما يتعلق بأزمة لوكيربي، وبناء على
معرفة كلينتون بهذه النوايا قررت أمريكا تشديد العقوبات على ليبيا.
2- ضمان التأييد
الأمريكي لفترة رئاسته الثالثة التي تكلفت نفقات الإعداد لها وإخراجها إعلاميًّا
ملايين الجنيهات التي أرهقت الخزينة المصرية الخاوية لتقديم شهادة إلى الولايات
المتحدة والغرب بالرغبة الشعبية العارمة في استبقاء الرئيس مبارك دون بديل لفترة
ثالثة، لا سيما بعد ظهور بعض البرامج التليفزيونية الأمريكية التي انتقدت بتورية
انتخابات المرشح الواحد دون منافس. والجدير بالذكر أن من أسباب ظهور غيوم في
العلاقات المصرية الأمريكية خلال الشهور الماضية هو الضغط الأمريكي المتزايد من
قبل الإدارة الأمريكية لاختيار نائب للرئيس، ومخاوف الرئيس مبارك مما وراء هذه
الخطوة.
3- التأكيد على أن
«الخطر الأصولي» هو الذي يمثل التهديد الحقيقي لخطوات السلام ومصالح الولايات
المتحدة في الشرق الأوسط، ومن ثم تكاتف الجهود- خاصة من الأمريكيين- للقضاء على
هذا الخطر.
4- ضمان تدفق
المساعدات الأمريكية السنوية لمصر التي تقدر بـ 2.2 مليار دولار، بعدما طالبت بعض
الأصوات في الكونجرس بخفضها لارتفاع معدل الديون الأمريكية، وانتهاك حقوق الإنسان
في مصر، وكذلك ضمان تدفق القروض من صندوق النقد والبنك الدولي.
مباحثات مبارك
من خلال هذه الأهداف العامة وما يتعلق بها، دارت مباحثات الرئيس مبارك
ولقاءاته مع المسؤولين في واشنطن، فقد كان محور مباحثاته مع كلينتون حول عملية
السلام، وما يستطيع الرئيس مبارك أن يقدمه فيها أكثر مما قدم، كما أبدى المزيد من
الاستعداد للقيام بدور مشترك للسياسة الأمريكية تجاه كل من ليبيا والصومال، وما
أكده لكلينتون أكده مع أعضاء لجنة الشؤون الخارجية في الكونجرس حينما اجتمع بهم في
26 أكتوبر، كما اجتمع مع وزير الخارجية بالوكالة كليفورد وارثون، وتركز الاجتماع
حول إصلاح الاقتصاد المصري بخطة مبارك لإصلاح هذا الاقتصاد خلال فترة ولايته
الثالثة، كما اجتمع مع نائب الرئيس آل غور ووزير الدفاع ليس آسين ورون براون وزير
التجارة، وينتسين وزير المالية، وأعرب مبارك في لقاء تلفزيوني عن أمله في أن تستمر
المعونة الأمريكية على نفس المستوى؛ لأننا في خضم إصلاحات اقتصادية تقتضي دعم
الولايات المتحدة.
كما التقى مبارك مع رئيس البنك الدولي لويس برويستوني ورؤساء اللجان
المالية ولجان الدعم في كل من مجلس النواب والشيوخ، وكان من الملاحظ أن معظم
اللقاءات تمت في بلير هاوس- مقر إقامة الرئيس مبارك- حيث الإجراءات الأمنية
المشددة عدا زيارته للكونجرس، كما منع معظم الصحفيين الأمريكيين من لقاء الرئيس
مبارك، عدا مقابلات نادرة لصحفيين ربما طلبهم الرئيس بنفسه مثل جوديث ميلر كبيرة النيويورك
تايمز.
رأي المراقبين
كانت جوديث ميلر، كبيرة مراسلي النيويورك تايمز، والمعروفة بتعاملها
على الإسلاميين ممن التقيت بهم في واشنطن، وقبل أن أعرفها بهويتي الصحفية عرفت
أنها على موعد مع الرئيس مبارك بعد ساعات، وحينما سألها أحد الزملاء عن رأيها في
الزيارة وموقف الإدارة الأمريكية مما يدور في مصر، قالت: «إن الإدارة الأمريكية قلقة
للغاية مما يدور في مصر، وهناك مخاوف لظهور أية مفاجآت في ظل الأوضاع الأمنية
والاقتصادية المتردية، إلا أنها بعد أن ذكرت رأيها بحرية عرفتها بنفسي، وطلبت
إجراء حوار معها حول كتاباتها ضد الإسلاميين، فوجدتها قد خرجت عن الحديث، وأخذت
تعدل من حديثها السابق حول الأوضاع في مصر.
ومخاوف ميلر التي تستقبل رسميًّا حين تزور القاهرة، شاركها فيها كثير
من المراقبين والمحللين هنا حيث أكد الجميع أن الإدارة الأمريكية قلقة من الأوضاع
المتردية في مصر، وأن ضغطها على الرئيس مبارك لاختيار نائب له نابع من وجود فراغ
سياسي في البلاد حال حدوث أي طارئ غير متوقع، كما أن جماعات حقوق الإنسان ودعاة
الديمقراطية قد انتقدوا بشدة انتهاك حقوق الإنسان في مصر، والأسلوب الذي جرت به
عملية الاستفتاء الأخيرة في ظل الاهتمام الأمريكي الأخير بالشؤون المصرية، ورفع
كثير من المحللين ومراكز الدراسات تقارير إلى الإدارة الأمريكية يطالبونها بعدم
الانسياق وراء الادعاءات المصرية المتعلقة بالخطر الأصولي، مؤكدين أن لسياسة القمع
المصرية دورًا في ظهور هذا التيار.
كما أن الفساد السياسي وانتشار الرشوة والفساد العام أدى لظهور طبقتين
في المجتمع المصري من الأغنياء جدًّا والفقراء جدًّا، مما دفع بظهور حقد طبقي
وشعور بالامتهان لدى عامة الشعب، مما يهدد بعدم الاستقرار، واستمرار عدم الاستقرار
سوف يؤدي إلى تهديد المصالح الأمريكية، وأكدت بعض الدراسات على أن الدور الذي
يؤديه الرئيس مبارك في عملية السلام والصومال وليبيا ومناطق أخرى بما يخدم مصالح
أمريكا في المنطقة يمكن أن يؤديه بديل آخر يقوم بتهدئة الأوضاع في مصر، ويؤخر
الصدام المرتقب، ولو إلى حين.
وفي مقابلة أجريتها مع البروفيسور مأمون الفندي أستاذ العلوم السياسية
والمحلل السياسي في صحيفة كريستيان ساينس مونيتورز حول العلاقات المصرية
الأمريكية، قال: إن الفتور الواضح في استقبال الرئيس، والإجراءات الأمنية غير
العادية، تعتبر رسالة غير مباشرة على قلق الإدارة الأمريكية مما يدور في مصر، لا
سيما وأن جماعات حقوق الإنسان تضغط بشدة على الإدارة الأمريكية، كما أن كثيرًا من
المراقبين أكدوا على ما يدور في صعيد مصر هو رد فعل على تصرفات الحكومة المصرية،
وأنه ليس من مصلحة الولايات المتحدة أن تستمر في سياسة دعم الحكومة المصرية في ظل
هذه الضغوط، وأكثر ما تخشاه أمريكا هو أن يفلت الزمام من يدها، لذلك فإنها أحرص ما
تكون الآن على البديل، ولا أستبعد أن تسعى الإدارة الأمريكية إلى فتح حوار مع
الإسلاميين، بل إن لديَّ معلومات أكيدة بأنها بالفعل قد فتحت حوارًا مع
الإسلاميين، لا سيما التيارات ذات الانتماء والجذور والقواعد العريضة في المجتمع
المصري لضمان حفاظها على مصالحها في حالة وصول هؤلاء بدعم شعبي إلى السلطة.
فقلت له: وهل تتوقع أن تسمح أمريكا لهؤلاء بالوصول إلى السلطة، ولو
بدعم شعبي؟ قال الفندي: إن أمريكا لا تستطيع الوقوف أمام إرادة الشعوب، وكل ما
يهمها هو مصالحها، وعداء الإسلاميين ليس نابعًا من الإدارة الأمريكية، وإنما من
اليهود الذين يلعبون دون شك دورًا في إبراز هذا العداء، والإدارة الأمريكية تدرك
جيدًا أن استمرار القلاقل في مصر معناه تهديد كامل لمصالح أمريكا ليس في مصر
وحدها، وإنما في منطقة الشرق الأوسط كلها، لذا فإني أؤكد أنها تبحث الآن عن
البديل. أما البروفيسورة إيفون حداد الأستاذة بجامعة أمهرست والكاتبة المتخصصة في شؤون
الشرق الأوسط، فقالت: لقد تعود الأمريكيون على تغيير الوجوه، وإن كانت سياستهم في
الشرق الأوسط تخالف ذلك، إلا أن حفاظهم على مصالحهم يدعوهم على الأقل للتفكير في
ذلك.
ورغم إعلان إدوارد جيرجيان بأن المعونة الأمريكية لمصر لن تتأثر في
الفترة القادمة، إلا أن أحد المحللين الأمريكيين الاقتصاديين البارزين والذي طلب
عدم ذكر اسمه قال لي: لقد تم اتخاذ قرار سري بالفعل في الكونجرس بتخفيض المعونة
الأمريكية لمصر بما لا يقل عن عشرين بالمائة، وسوف ينفذ هذا القرار مع بداية عام
1995م.
هذه الرؤى المختلفة لهؤلاء المحللين وغيرهم تؤكد أن الغيوم التي ظهرت
في سماء العلاقات المصرية الأمريكية، والتي بدت واضحة منذ شهور، لم تبددها
العبارات الديبلوماسية وبروتوكولات السياسة الأمريكية، وأظهرت الزيارة الأمريكية
الأخيرة للرئيس مبارك حجم القلق والحرج الذي تشعر به الإدارة الأمريكية تجاه ما
يدور في مصر، ومع إجابة المراقبين على بعض التساؤلات تبقى هناك علامات استفهام
أخرى لا تتم الإجابة عنها بالتوقعات، وإنما يجيب عنها واقع الأيام القادمة، وشواهد
التاريخ القريب.