; أحمد نعيم بابان زادة | مجلة المجتمع

العنوان أحمد نعيم بابان زادة

الكاتب محمد حرب عبد الحميد

تاريخ النشر الثلاثاء 03-فبراير-1981

مشاهدات 63

نشر في العدد 515

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 03-فبراير-1981

أستاذ الجامعة الذي حذر من استغلال الإسلام آلة في الدعاية للفكرة القومية

«1» حياته

 منذ عهد التنظيمات العثمانية، أي في بدايات النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أصيب العالم الإسلامي بمقدمات غزوة الفكرة الأوربية المتمثلة في القومية. 

غزت الفكرة القومية بلاد المسلمين وفي مقدمتها الدولة العثمانية، تطور هذا الفكر بواسطة منظمات مدسوسة على الدولة العثمانية وجودها في بلاد المسلمين، وجذورها في أوروبا، نمت هذه الفكرة وازداد أتباعها وعلى رأسهم هؤلاء الذين تعلموا في الغرب فأخذهم بريقه.

 وقد تمثل انتصار الفكرة الغربية في الدولة العثمانية بقيام الدولة القومية التركية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، الذي اتخذ مثاله الأعلى في الغرب رافضًا إسلامية البلاد الشرقية.

 لا بد من القول هنا إن سبق هذه المرحلة مرحلة إعلان الأيديولوجية الطورانية سياسة للدولة العثمانية، بعد أن استولت عليها -عنوة- جمعية الاتحاد والترقي، إلا أن الوعي الإسلامي العام بجانب نفور القوميات الأخرى الموجودة في الدولة العثمانية، مثل القوميتين العربية والكردية من مبدأ الاتحاديين، وهو الجامعة الطورانية «وحدة أتراك العالم» بجانب عوامل أخرى أدت إلى فشل الجامعة الطورانية، بل وقد تسببت هذه الفكرة في تدمير الدولة العثمانية.

 وفي أثناء بدايات اقتحام الغرب الفكري لفكرة المسلمين، ولد أحمد نعيم بابان زاده في بغداد، وأحمد نعيم ينتمي إلى أسرة بابان زاده البغدادية، وأحمد نعيم هذا هو الذين عرف بعد كواحد من رجال العلم المسلمين النابهين ذوي السمعة الإسلامية الطيبة، عرف بعمق الفكر وقوة الحجة وسلامة المنطق، يجمع بين الثقافتين الشرقية والغربية، لكن شهرته طبقت الآفاق عندما دافع عن الفكرة الإسلامية في مواجهة القوميين: «الجدد والقدامي» في الدولة العثمانية، ثم في تركيا بعد انهيار الدولة.

 وهو الذي أخطر القوميين حتى لا يستغلوا الإسلام في الدعاية للقومية وكسب مزيد من الأنصار.

 أمضى أحمد نعيم فترة دراسته الابتدائية في بغداد، ثم انتقل إلى مدارس إستانبول حيث استمر في بقية مراحله الدراسية التي توجت بأستاذيته في الجامعة.

 منذ شبابه كان يجيد اللغة العربية، وكانت معرفة العربية ميزة تفتح أمام المثقفين العثمانيين الطريق إلى الوظائف المحترمة، فقد التحق أحمد نعيم في البدء بوزارة الخارجية العثمانية بوظيفة مترجم، وقد كانت وظيفة مرموقة، ثم عمل أستاذ اللغة العربية في نفس المدرسة التي تخرج فيها وهي غالاطة سراي.

 وبين عامي ۱۹۱۱ - ۱۹۱۳، عمل أحمد نعيم مديرًا للتدريس العالي في وزارة المعارف، وأثناء تأديته لهذه الوظيفة عمل عضوًا في غرفة التأليف في وزارة المعارف، وأثناء تأديته لهذه الوظيفة عمل عضوًا في غرفة التأليف والترجمة التابعة لوزارة المعارف أيضًا.

 كما بدأ أحمد نعيم بك في عام ١٩١١ في إلقاء دروسه في كلية الآداب «شعبة الإلهيات»، في دار الفنون «الجامعة» بإستنبول، وأخذ يلقي في هذه الكلية دروس الفلسفة والمنطق والأخلاق واستمر في ذلك حتى عام ۱۹۳۳، كان في أثنائها أيضًا مديرًا للجامعة.

 وأثناء ذلك كان يكتب في الصحف والمجلات داعيًا إلى الفكرة الإسلامية مدافعًا عنها، وكان هذا أثناء اشتداد المعارك بين أنصار الفكرة الإسلامية وأنصار الفكرة القومية، وكان طبيعيًا أن تنتقل هذه المعارك إلى الجامعة بين الأساتذة الإسلاميين وبين الأساتذة القوميين.

 يجدر الملاحظة هنا أن أحمد نعيم بك وجد في العمل السياسي يلائم دعوته، فنجده عام ۱۹۱۹ وقد أصبح عضوًا بمجلس الأعيان واستمر في عضويته هذه لمدة ثلاث سنوات، وعندما انتهى مجلس «المبعوثان العثماني»، عاد أحمد نعيم بك «عام ۱۹۲۲» إلى الجامعة مرة أخرى واستمر في وظيفة الأستاذية والكتابة أيضًا، إلى أن «أطاح» به «القوميون الخلص»، بعد أن كسبوا المعركة السياسية وسيطروا على البلاد وأعلنوا مبادئ الأيديولوجية الكمالية، وقد اتخذ الكماليون عدة قرارات منها عدم السماح للمطالبين بتحكيم الشريعة الإسلامية، لا بالكتابة ولا بالكلام، وكان فصل أحمد نعيم بك من الجامعة في أول يوليو ١٩٣٣.

 أحمد نعيم بك أجاد اللغة العربية إجادته للغة العثمانية وعرف الفارسية، كما أنه لكي يعرف تطور الفكر الغربي، درس اللغة الفرنسية حتى يجد الفرصة ليدرس الغرب مصدر الفكرة القومية.

 لذلك اتسمت كتابات أحمد نعيم بك بالجدية وحازت الاحترام، وقد كان يعقد المقارنة دائمًا في كتاباته بين مفكري الشرق الإسلامي وبين مفكري الغرب، مبينًا في دراسات جادة مدى أهمية الفكر الإسلامي في الحفاظ على وحدة المسلمين، وخطورة استمرار الفكر الغربي في الشرق في تفتيت وحدة المسلمين.

 وقد كانت خطورة الفكر الغربي متمثلة في الفكر القومي، الذي أسماه المسلمون العثمانيون في ذلك الوقت «داء الفرنجة» أو «علة الغرب».

 اشتهر من عائلة بابان زاده في ذلك الوقت اثنان: أحمد نعيم بك، وكان إسلامي النزعة إسلامي الفكرة إسلامي الاتجاه، وإسماعيل حقي بابان زاده، وهذا ارتقى إلى درجة وزير للمعارف، وكان فكريًا مضادًا لأخيه أحمد نعيم، فقد كان إسماعيل حقي من دعاة الفكر القومي، كان كرديًا يدعو للفكرة القومية الكردية، وكان صاحب مكانة كبيرة بين رجال الاتحاد والترقي، أما أحمد نعيم بك فقد وجد أن: «من الذل الدعوة إلى القومية، أي إلى عصبية قومية في الوقت الذي ننعم فيه بالإسلام».

 تخرج على يد أحمد نعيم بك عدة آلاف من الطلاب طوال ثلاثين عامًا، كان قريبًا من تلامذته، لم يكن يبخل عليهم لا بالوقت ولا بالجهد في سبيل إعدادهم «فكريًا» و«علميًا».

 وعندما ظهرت الحركة الكمالية في تركيا كان معنى ذلك أن تطورت فكرة الطورانية «فكرة تجميع أتراك العالم في دولة واحدة» إلى فكرة الدولة القومية المحدودة التي أعلن مصطفى كمال أتاتورك حدودها، بالدولة «التي دافع الأتراك عنها، وحملوا السلاح دفاعًا عن حدودها، وأراقوا دماءهم في سبيلها» وهي دولة تركيا الحالية.

 لكن هؤلاء الكماليين تمكنوا من الانتصار بفكرتهم القومية العلمانية، انتصروا وكان لا بد بالضرورة من وجهة مصالحهم الأيديولوجية، تصفية المفكرين الداعيين للإسلام مفهومًا للدولة. وشملت التصفية فيما شملت الأستاذ أحمد نعيم بك، إذ إنه كان في كل محاضراته وكتاباته يفضل الفكرة الإسلامية على الفكرة القومية الواردة.

 تم إبعاد أحمد نعيم بك عن الجامعة وعن كل وسائل الاتصال الجماهيري، فأصابه الحزن والكمد. إن ما كان يزعج أحمد نعيم بك هو انحسار القوة عن الفكر الإسلامي الذي وهب نفسه للدفاع عنه، حز في نفسه استيلاء المعارضين للفكرة الإسلامية على إدارة البلاد، إذ إن النتيجة كانت تقول إن الإسلاميين قد خسروا المعركة.

 فصلوا أحمد نعيم بك عن الجامعة في منتصف عام ۱۹۳۳، ومات في منتصف عام ١٩٣٤.

 كان أحمد نعيم بك يكره حب الظهور، ولم يعط أحدًا الفرصة لمدحه فقد كان يكره هذا. قال عنه معاصروه إنه لم يداخله الغرور ولا الرياء. كما كان سمحًا، قال عنه مدحت جمال إينانج ألب في كتابه المسمى «أحمد نعيم: المدرس» «المدرس في اللغة العثمانية، بمعنى أستاذ الجامعة أي بروفيسور»: «كان لأحمد نعيم بك قلب محمدي».

 كان لوفاة أحمد نعيم بك أثر كبير في نفوس الذين تلقوا عنه «الفكرة الإسلامية» وفي نفوس الذين قرأوا له، بل بلغ الأمر في ذلك أنه عندما سمع شاعر الإسلام محمد عاكف بوفاة أحمد نعيم «داعية الفكرة الإسلامية والمدافع عنها أمام الفكرة القومية» أن قال: «حسبت ساعتها أن بيتي قد خرب وأنني واقع تحت أنقاضه». 

 كان شاعر الإسلام محمد عاكف على حق عندما قال: «إن أحمد نعيم بك هو أكثر الناس الذين أحببتهم بعد الصحابة»، ذلك لأن أحمد نعيم بك كان من أشد الناس تأثيرًا في المثقفين الذين تكتلوا أمام قوى الفكر القومي المتعصب، الذي غرقت فيه البلاد العثمانية في أوائل القرن العشرين. رثاه الشاعر التركي علي رضا قوش أضالي بقوله:

«أها! لقد رحل عنا أحمد نعيم بك: وهو منبع العلم والعرفان».

 كما رثاه العالم المسلم المشهور «محمد حمدي المالي» بقوله:

«ذهب نعيم إلى ربه؛ عبر السجود».

«2» أعماله

أولًا- المقالات:

لأحمد نعيم بك مقالات كثيرة نشرها في مجلة «ثروت فنون»، وهي مجلة ظهرت في أواخر عهد السلطان عبد الحميد تهتم بالأدب والأدباء، بها ترجمات من اللغات العربية وخاصة الفرنسية، أما أحمد نعيم بك فقد كان له سلسلة مقالات في هذه المجلة تحت عنوان «بدائع العرب»، قدم فيها للقارئ العثماني ترجمات مختارة من الأدب العربي إلى اللغة التركية، كما كتب المقالات حول هذه المترجمات والشروح.

 كما كتب أحمد نعيم بك المقالات في جريدة طنين وفي مجلة كلية الآداب بجامعة إستانبول.

٢- ثم كتب في مجلة «صراط مستقيم» التي كانت تصدر في إستانبول، مجلة الصراط المستقيم التي أخذت في الظهور منذ عام ۱۹۰۸، وهي مجلة أقامها المسلمون العثمانيون، يردون من خلالها غائلة الفكر القومي الذي كان استولى على عقول الشباب العثماني، خاصة صغار ضباط الجيش قبيل انهيار دولة آل عثمان، وكتب في مجلة «سبيل الرشاد» وهي امتداد طبيعي للصراط المستقيم.

 وقد عرض أحمد نعيم بك على المجلة رسالة أرسلها لها، عرض أن يكتب فيها وقال فيما قال: «سلام عليكم، إنني أطالع في أوقات فراغي بحب وشوق ولذة مجلتكم الغراء...» وبعد أن أبان أحمد نعيم بك في رسالته إلى المجلة أنه يقدر خدمات المجلة، في وقت تمر فيه «أمة محمد» بالظلم والجهل، وإني أقدر مدى توفيق المجلة في تلقين حقائق الإسلام للأذهان الفاسدة، وتبعث من جديد الأحاسيس الدينية في القلوب الميتة، وإن المجلة لها السبق في نفخ شعور الإحياء الإسلامي من جديد في البلاد.

ثم أفصح أحمد نعيم بك عن تصوره لخدماته في مجال الإحياء الديني عن طريق المجلة في قوله: «إن رأيي المتواضع أنه أهم خطوة يمكن أن تخطوها في هذا المجال، هو التفسير والحديث، وإني أعتبر أن على الرغم من خدماتكم الجليلة في المجلة، إلا أننا لم نر فيها شيئًا خاصًا بالحديث الشريف، فالكتاب والسنة هما أهم منبعين في ديننا، وأنه ينبغي عليكم أن تفتحوا قسمًا لكل منها بين أعمدة «الصراط المستقيم»، «ومن هذا المنطلق أقول لكم إنه برغم عدم حيازتي لقدرة عميقة في مجال التفسير ولا في مجال الحديث النبوي، ومع رغبتي في خدمة المسلمين، فعلى الأقل يمكنني تقديم خدماتي في هذين المجالين عن طريق الترجمة من العربية».

 «وإني لأثق أنني عندما أجد الفرصة لترجمة الكتاب المبارك المسمى بالتجريد الصريح، وهو الذي رتبه الزبيدي عن البخاري، باختصار أثق أنني إذا ترجمت هذا الكتاب المبارك على حلقات وأرسلت ذلك إليكم فلن ترفضوه.

وقد كان هذا العرض من داعية إسلامي عميق الفكر عظيم التواضع، مسارع للخدمة الإسلامية، كسب وأي كسب لمجلة الصراط المستقيم، التي كانت صاحبة نفوذ عظيم في قلوب المسلمين.

بدأ أحمد نعيم بك في نشر «التجريد» في الصراط المستقيم، ثم أخذ بعد ذلك في شرح حديث نبوي في كل عدد من أعداد المجلة. وقالت مجلة الصراط المستقيم في عرفانها بفضل أحمد نعيم بك: إننا نشكر باسم جميع العالم الإسلامي الأخ أحمد نعيم بك، فقد أخذ على عاتقه هذه الخدمة السامية المقدسة المفيدة».

ثانيًا- المؤلفات:

«1» تمرينات: وهو كتاب مدرسي في صرف اللغة العربية، عبارة عن تطبيقات على رسالة كتبها جميل الناظر بمدرسة غالاطه سراي.

«2» دروس في الفلسفة.

«3» علم النفس: وهو ترجمة كتاب «بيسيكولوجي» لجورج فونس جريف «إلى التركية».

«4» ما هو علم الفلسفة؟ وهو ترجمة عن بول جانيت «إلى التركية».

«5» ترجمة الأربعين حديثًا من «العربية إلى التركية».

«6» قضية القومية: وهو كتاب في دحض الفكرة القومية، حتى إن بعضهم نشره بعد ذلك بالحروف اللاتينية التركية تحت عنوان «الإسلام يمنع العرقية».

«7» أسس الأخلاق الإسلامية.

«8» ترجمة التجريد الصحيح مختصر البخاري، لم يكمل إذ لم يصدر منه إلا جزءان: الجزء الأول عبارة عن تأليفه ويختص بدراسة علم الحديث والأصول، وهذا الجزء هو «الكتاب الوحيد الذي يمكن اعتباره ووصفه بأنه أكثر الكتب المنشورة حتى الآن في علم الحديث تكاملًا وعلمية»، كما وصفه ناشر كتاب بعنوان الإسلام بخطوطه العريضة لأحمد نعيم بابان زاده، نشر دار جیغیر بإستانبول عام ١٩٧٥.

 وقد طبعت إدارة الشئون الدينية بأنقرة هذا الكتاب عام ۱۹۲۸.

الرابط المختصر :