العنوان الشعر في صدر الإسلام
الكاتب الدكتور محمد علي الهاشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-1978
مشاهدات 42
نشر في العدد 390
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 14-مارس-1978
نحن مع عهد صدر الإسلام. نرود آفاق حياته وما عكست من فن القول شعرًا، سبيلنا إلى ذلك دراسة مستأنية، وتحليل فني للفترة، يخرجها من إطار الدراسة التقليدية السابقة إلى استعراض ألوان الحياة الإسلامية، وصنيع الشعر في التعبير عنها.
إن هذا التعبير في ميزاننا النقدي الحديث، وفي ميزان تذوقنا للقيم الإسلامية وخطى المجتمع الإسلامي ليتجلى تعبيرًا فريدًا بعيدًا عن مواضعات النقاد القدامى، وأصرهم للأدب والفن في قوالب تقليدية، إننا نستطيع اليوم أن نكون أكثر حرية وأوفر طلاقة في التعرف إلى هذه الفترة، رغم بعدها الزمني عنا، لأن صفاء تصورنا لها ساهمت فيه أجيال طويلة من الثقافة الواسعة المتنوعة والنظر الفني المتجدد، وتوارد القيم الجديدة.
يطالعنا عصر زاهر خصيب بألوان القول. يضم ثروة كبيرة من الشعر الجيد، تمرح فيه وفرة من أسماء الشعراء، وتتوزعه ميادين وأغراض كثيرة، قد سجل فيه الشعر أحداث العصر ومثل حياته.
ولا بد لنا في مستهل الدراسة أن نستعرض ألوان الحياة والبيئة، التي درج عليها الشعر والشعراء، في عهد صدر الإسلام، لنجلو ما نهضت به الحياة الجديدة من قيم ومثل، وغاية ومصير، وما خالفت فيه عن أصول الحياة السابقة في العصر الجاهلي، ولعل في بيان ما هناك من اختلاف في رقعة حياة العصرين، من دليل على تميز هذه الفترة التي ندرسها، بمعطيات فكرية واجتماعية، تخالف عن معطيات الحياة في العصر الجاهلي ولهذا جميعًا آثاره وظلاله على الشعر والأدب.
لقد كان للجاهلي في مجتمعه قبل أن يصدر عنها، يمجدها ويذود عن حياضها، كالكرم والشجاعة وعزة النفس والنجدة، ولكن القيم الجميلة كانت تدور في إطار النزاع القبلي، الذي كان يفتت الجزيرة، وفي دائرة الأنانية القبلية التي كانت تورث الحروب والغل والسلب والظلم، حتى بات .... رديفًا للقوة في المجتمع الجاهلي يقول زهير بن أبي سلمى معبرًا عن ذلك:
ومن لم يذُد عن حوضه بسلاحه
يُهدم، ومن لا يظلم الناس يُظلم
وكانت بعض القبائل إذا لم تجد من تحاربه أغارت على جيرانها اقتتلت فيما بينها، يمثل ذلك قول الشاعر القطامي: كما يقول عنترة متمدحًا بقتل * القوم، لا لشيء إلا لأن السيف كان الحكم بين القبائل، ومن يغلب السيطرة والمال:
وكنّ إذا أغرنَ على قبيل فأعوزهن نهب حيث كانا
أغرن من الضباب على حلال وضبة أنه من حان حانا
وأحياناً على بكرٍ أخينا إذا ما لم نجد إلا أخانا
كما يقول عنترة متمدحا بقتل .... القوم، لا لشيء إلا لأن السبب كان الحكم بين القبائل، ومن يغلب السيطرة والمال:
فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الأَصَمِّ ثيابَهُ لَيسَ الكَريمُ عَلَى القَنَا بِمُحَرَّمِ
وأمَّا طرفة بن العبد فيعرض للـ.... الأعلى الجاهلي، وقوامه التمدح بالنجدة والكرم، واللهو والخمر ويقول:
فلولا ثلاثٌ هُنَّ من عِيشةِ الفتى وجدِّكَ لم أحفلْ متى قام عُوَّدي
فمنهنَّ سَبقي العاذلاتِ بشَربةٍ كُمَيت، متى ما تُعلَ بالماءِ تُزبدِ
وتقصيرُ يوم الدَّجن، والدَّجن مُعجِبٌ ببَهكَنةٍ تحت الطِّرافِ المُعمَّدِ
وكَرّي إذا نادى المُضافُ مُحنَّبًا كسِيدِ الغَضا نبَهتَهُ المُتورِّدِ
ونجد نظير ذلك في أشعار .... الجاهليين، يجلو قيم الحياة- .... لها، وفصلنا أهدافها .... المألوفة.
.... المجتمع الإسلامي، فيبطل .... هذه المواضعات، ويرسي قيمًا جديدة من معين جديد .... في كثير من الأحيان نقيض الجاهلية، وإذا استعرضنا عملية .... هذه ألفينا المجتمع الإسلامي .... الإخوة مكان النزاع، .... الفردية، وأحل الجهاد في سبيل الله لرفع شأن المجتمع، ونشر .... الله، مكان الغزو الذي كان .... طاقات العرب في الجزيرة .... يأتي عليهم في- البسوس- حروب عشرين عامًا.. وفي - .... - والغبراء- بعد حروب أربعين عامًا، كما أحل الجماعة المؤمنة .... المسلم المتآخي الأفراد، .... الهدف والاتجاه، مكان .... وحدة الحياة الاجتماعية في .... وصاغ أسباب الحياة ....، بالإخاء والتعاون والتكافل والتراحم والإيثار، بجوار أسباب .... والشورى والتنظيم الاجتماعي .......
.... في قيم الحياة، أما في مادتها ....، فالحياة الجاهلية في الجزيرة محدودة الأطراف بحكم محدودية ....، حتى أنك لا تكاد ترى عند .... الجاهلي، من مواد في شعره .... ما تجود به الصحراء، وما بها كالخيمة والناقة والجواد الوحش وهوام الأرض، وما ....، لذلك كانت حياته وكان فن لا يكاد يتعدى هذه المواد ....، وقد ولد عنده وضوح .... واستبانة أبعادها، سرعة .... المواكبة للنظرة السريعة لا تستأني ولا تتعمق، فألفينا .... يقفز من فكرة إلى أخرى دون تعمق إحداها، وهذا ما جعل الشعر تضيق بالشعراء، ويكرر بعضهم بعضًا إلا من التفاتات ذاتية، .... قسمات كل شاعر.
وقد تغير الحال في عصر صدر الإسلام، حينما انطلق العربي في البيئة الرحبة الجديدة، وقد غادر النظرة المادية للحياة، بعد أن كانت مستحوذة عليه في الجاهلية، ومضى ينظر إلى الحياة، ماديها ومعنويها، باتساع وشمول، كما أنه أضحى بعد أن كان حائر القصد، ذا هدف كبير، تتضمنه الحياة الكبرى من دنيا وآخرة، بما في ذلك من عوالم وآفاق.
وهكذا انتقل في ظل قيم الدين الجديد من حدود تصوير الرسوم والأطلال وواحات النخيل ووقائع المعارك، إلى آفاق الكون الواسعة، في سمائه وأرضه وبحره، ومن مشاهد الحياة القبلية المحدودة، إلى آفاق الحياة الإنسانية الواسعة، وانعكس هذا التحول على الأدب، فتجاوز هذه الآفاق الضيقة إلى أدب يصور الماضي بأممه وشعوبه، والحياة الإنسانية بمراحلها المتعددة، والطبيعة بشتى ألوانها.
وفي أفياء ذلك المجتمع الواحد الذي صنعه الإسلام، تخطى العربي الالتزام بمفاهيم الحياة القبلية فتضاءل الانتماء إلى القبلية والعشيرة حيث استظل الجميع بظل الأُمّة الواحدة على أساس من الفكرة الواحدة في ظل الأخوة الشاملة.
ثم كانت الفتوح، فخرج العرب المسلمون من جزيرتهم إلى أقاليم لم يقع نظرهم عليها، واطلعوا على أقوام لم يسبق لهم الاختلاط بهم، فاتسعت آفاقهم باتساع الأقاليم التي غشوها وتعددت ألوان الحياة التي طرقوها. فغنيت تجاربهم، واتسعت وتجددت، أمَّا القرآن فقد منحهم زادًا ملهمًا بالتأمل والنظر في أقطار السموات والأرض، وفي آفاق النفس والحياة والأحياء. كما حدثهم عن أحوال الأمم الغابرة ورسم لهم المستقبل الباسم المشرق، والغاية الكريمة للحياة، ومد في آفاق تصورهم. فكان ذلك نقلة فكرية رفيعة، قفزت بهم في ميدان الحياة الوجدانية، فأثرت مخيلتهم، ووسعت مداركهم، وأسهمت في تجديد فنون تعبيرهم.
هذا الخصب الفكري الوجداني. الذي شمل الحياة الإنسانية. سينعكس صداه بالطبع على الشعر والأدب، تصويرًا وتعبيرًا، فلم يا ترى أهمل النقاد القدامى هذه الفترة ولم يمنحوها اهتمامهم وكلفهم بالدراسة والتأليف، حتى أنهم اعتبروا شعرها دون الشعر الجاهلي مستوى وقيمة؟
يغلب علي الظن أنهم لم يعنوا بما نعني به الآن، في تقويم الحياة الفنية من تمثيل الشعر للحياة ومقوماتها النفسية والفكرية والاجتماعية، ومن تأليفه لها ورسمه لتطلعاتها وتحفزاتها.. وإنما كان اهتمامهم منصرفًا إلى اعتبار أمثلة الشعر الجاهلي وفنونه الأدبية، وفي أحكامهم ونقدهم، فكل ما يصدر عن الشعر الجاهلي هو النموذج المختار والطريق الأمثل.
وقد أوقفت هذه النظرة شعرنا العربي ردحًا من الزمان، أمام هيكل القصيدة الجاهلية لا تتعداه، وأمام عمود معاني الشعر الجاهلي لا تتخطاه بجوار إيثار الأغراض الجاهلية من مدح وهجاء وفخر وتسيُّب، وإن كان عهد صدر الإسلام وحده قد تفرد مبكرًا بتجاوز هذه المقاييس، وإطلاق لعنة القول دون قيود معوقة، يقول الأصمعي مؤكدًا نظرة نُقّاد عصره في اعتبار الشعر الجاهلي نموذجًا للفن الشعري:
وطريق الشعر هو طريق الفحول مثل امرئ القيس وزهير والنابغة، من صفات الديار والرحل والهجاء والمديح والتشبيب بالنساء وصفة الخمر والخير والافتخار، فإن أدخلته في باب الخير لان.
ونقف هنا عند حدود نظرة النقاد القدامى للشعر، وتقويهم له، وما اتبعوا في ذلك من مقاييس لم ينصفوا بها شعر صدر الإسلام، لنتم ذلك في الحلقة القادمة إن شاء الله.
للبحث صلة
أدب
كان –نزار قباني- قد كتب قصيدة بعنوان: الخرافة.. قال فيها:
حين كُنا في الكتاتيب صغارًا حقنونا بسخيف القول ليلًا ونهارا
علمونا ركبة المرأة عورة ضحكة المرأة عورة
صوتها خلف ثقب الباب عورة
فانبرى للرد عليه الشاعر المؤمن الأستاذ محيي الدين عطية:
فيما يلي نص قصيدتي الشاعر محيي الدين عطية:
**المشوهون.. **
| يا سادتي |
| لا تأبهوا لهذه القضية |
| لا تبحثوا تاريخنا |
| لا تسألوا عن شمسنا الوفية.. |
| ولكن ابحثوا تاريخ من يشوه القضية |
| لأن أمسه القريب والبعيد |
| مظلم الطوية |
| فمن قضى طوال عمره المديد |
| ينمق القصائد الهمزية |
| في قصة الفراش والسراويل الخفية |
| لن يبصر الحقيقة المرئية |
| ولن يرى في صندوقه سوى القمامة الدنية |
| ولن يرى في إرثه |
| سيوف القادسية |
| ولن يرى كتيبًا صغيرًا |
| يعلم الأبناء منطق الحرية |
| قد خطه صلاح الدين بدمائه الذكية |
| ولن يرى بطاقة انتساب |
| لقبلة العلوم تشع كالنجوم |
| من قصور إشبيلية |
| تاريخنا بستاننا الذي يفوح في البرية |
| ويقطف الثمار من أفنانه |
| أعداؤنا الذين يبصرون |
| أعداؤنا الذين يحصدون |
| بذورنا الخصيبة الوردية |
| ويتركون خلفهم |
| أبواقهم تنوح تندب الضحية |
| يا سادتي |
| لا تأبهوا لهذه القضية |
| لن يطمس الشعاع ذو الأصابع الطرية |
| ولن تغنى ذات يوم بنزيف البندقية |
| وتباكى فوق مدفن الحرية |
| فتلك لحظة وهمية |
| ولا يطول صبره |
| عن قصة المرحاض والشوارع الخلفية |
** حين كُنَّا **
| حين كُنا |
| نتغذى من عقول الفضلاء |
وتربينا شريفات النساء آلت إلينا الأرض والسماء أشرق النوار فينا وت |
| آلت الأرض إلينا والسماء |
| أشرق النوار فينا |
| وتباهينا بجيل العظماء |
| وسقطنا إذ رضعنا كلمات الآخرين |
| وطعمنا من فتات الغالبين |
| أوهمونا أننا نطفو |
| يا غراق السفين إننا نحيا |
| بدفن السالفين فتسابقنا |
| لسب العلماء وتندرنا بقول الأنبياء |
| أي عشق يا سليب الأرض |
| أي عشق والصواريخ تدك الكبرياء |
| قد دحرنا قد دحرنا |
| يوم صار الفن ماخورًا كبيرًا |
| يوم أضحى الشعر كأسًا وسريرًا |
| لقنونا لا يكون الحب حُبًا |
| دون عرى الركبتين |
| وأطعنا فتعرى الحب منا |
| حين صار القلب عند الركبتين |
| حين ضاع النبض بين الشفتين |
| ما قتلنا لو سبينا |
| ما هُزمنا بصواريخ الغناء |
| وانتحرنا بمزامير صنعنا لحنها |
| كالبلهاء |
قصص لا تُنسى
قصة العدد
حذاء الرئيس
بقلم
محمد المجذوب
مفاجأة لا يدري كيف يصفها كل ما يدركه منها أنها أوقعته لا يعرف السبيل إلى التخلص ولا تتوافر لديه الأسباب لإعطائها التفسير النهائي.. بل ملايين يتمنون مثل هذه .... مقابلة الرئيس، فهي حلم، بل يستحيل تحقيقه إلا على .... في هذا البلد.. ولكن أيضًا ملايين يرتجفون رعبًا من ذكر اسمه. فضلًا عن تلقيهم .... حتى ليحاسبون أنفسهم .... والهمسة. خشية أن .... غير سليمة، فتكون .... ما لا يسعهم تصوره من .... فكيف بتحمله والخوض في ....، الذي أقيم عليه جيش من الصين في فنون التعذيب.. تطرق الضابط مليًا يستحضر ....، منذ خرج في الكلية الحربية حتى أحيل على المعاش برتبة .... وراح يقلب صفحات ثلاثين .... في ذلك السلك، متنقلًا بمختلف الأرجاء من القطر، فلا .... بياضها على نقطة سوداء واحدة. لقد كان مثالًا للنظام وترسيخ جذور النظام وفروعه في كل قطعة أو سرية تولى أمرها من ذلك الجيش، حتى لقد امتاز جنوده بذلك وأصبحوا مثلًا يُحتذى بالدقة واللياقة إذ لم يكن قادرًا على أن يتساهل في أي شيء من ذلك قل أو جل..
وهنا يتوقف ذهنه قليلًا ليشهد خلال هذه المتخيلات صورة الرئيس نفسه، وقد كان واحدًا من ضباطه الحديثي العهد بالتخرج.. وطبيعي أنه سيحتفظ له في ذاكرته بكل ما يستحق التقدير والتوقير، إذ لمس بنفسه كفاياته العالية، وحرصه الشديد على جعل الانضباط ينتظم كل حركة وسكنة من عناصره.. وكانت وقفته على ذلك المشهد موفقة، لأنها سرعان ما أقرت الطمأنينة في قلبه، فكاد يقطع بأن سيادته لم يبعث بطلبه إلا بدافع من الإعجاب بمميزاته الكبيرة التي خبرها عن كثب..
وتتماوج في صدره طيوف لا يمكنه تحديد هوياتها.. ولكنها جميعًا على تفاوتها في الحجم والبُعد، من الضرب السار المبهج.
لا بد أن سيادة الرئيس يريده لعمل مناسب لكفاياته.. ولكن.. ما هو؟ أفي الجيش، أفي الإدارة؟.. أم ومع تشوقه لاستعادة ماضيه في الميدان العسكري، لكنه لا يرغب به، لما يرى هناك من تطور لا يتلاءم مع الطرائق التي ألفها في ذلك السلك.. وبخاصة تلك الترقيات التي تقفز بصغار الضباط إلى قمم ما كان لأحدهم أن يفكر بالوصول إليها إلا على رؤوس المشاق، وعلى الجهود المضنية، والخبرات التي لا تُتاح لغير الكبار جدًا في السن والمواهب والعمل الدؤوب.
أمّا الإدارة فلن يصلح منها إلا ما يتصل بهذا الاتجاه العسكري.. وهو أمر غير محبوب لديه، ولا سيما بعد الذي أصبح مألوفًا من أن الذين يمرزون له من الضباط هم في الغالب من غير المرضي عنهم لدى أصحاب السلطة الفعلية، فهم يوجهونهم إلى هذا الجانب تخلصًا من أخطارهم المتوقعة...
وإذن فلم يبقَ سوى الوزارة.. وليس عليه أن يعين اختصاصها، فهي لا تعدو وضعًا تمثيليًا يتصدره الوزير ولا عمل له غير التوقيع على منجزات الخبراء في دائرته، ثم تبني كل تخطيط يصدر به الأمر من المقام الأعلى.. على أنه لو خير لما أثر على وزارة الدفاع أي مركز آخر.. لما خبره خلال خدمته الحربية من مواطن الضعف والقوة، والصواب والخطأ والضروري والكمالي، من مصالح الجيش.
وما لبث اللواء المتقاعد أن ألقى نفسه على غاية الرضى من هذا التصور.. ثم لم يتمالك أن يقلب الفكر في ما يجب عليه عمله إذا هو قبض على زمام تلك الوزارة ليصير بها إلى المستوى الذي طالما تطلع إليه من قبل..
ولكن.. لماذا يتعجل البت في الموضوع وهو ما هو من الخطورة؟ إنها الوزارة.. وإنها لعبء لا يُحتمل في مثل الجو الذي يعيشه الناس هذه الأيام...
وانحرفت به التصورات بغتة إلى الجانب المظلم من ذلك الجو.. هذه السجون التي شُحنت بالرجال والنساء، ولم تستثن حتى الأطفال والأحداث وهذه الأخبار تتسرب من وراء أسوار السجون عن أفانين النكال الذي يصب ليل نهار على هؤلاء التعساء من نزلائها، فترتعد منه الفرائص، ويكاد يلجم الأفواه، حتى لا تجرؤ على الكلام، إلا في ما يرضي أولئك القائمين على التعذيب والأمرين به...
وطفا على ذاكرته ذلك النبأ الرهيب الذي لم يزايل أزيزه صدره منذ مساء أمس، حين همس في سمعه أحد أقربائه الثقات، بأن قرينه الطبيب الخاص بسيادة الرئيس قد أعلنت في غمرة المصيبة أن زوجها قد أخبرها وهو يجود بنفسه أنه يموت بالسم الذي دُس له في منزل الرئيس.. وكل ذنبه التصريح الذي أفضى به إلى أحد الكبار من مساعديه أن سيادته في حالة من- السكوباتية- الانفصام- تجعله عاجزًا عن التحكم في تصرفاته...
وقبل ذلك. ألم يفش بين الناس خبر ذلك العضو الذي أخذ بما سمعه من حديث سيادته في مجلس الشعب عن تقديره للحرية وتشجيعه على ممارستها، فلم يتمالك أن يقف ليعرض لمسامعه شاكرًا ما يشكوه الناس من فقدان هذه الحرية في أهم مرافق الحياة، وبخاصة في نطاق الإعلام الذي يسيطر عليه المهرجون والمفسدون والمتخصصون في فن التضليل.. فاستقبل سيادته تلك الصراحة بمنتهى الرضى، ودعا صاحبها لزيارته في مقر الرئاسة للتفاهم حول الموضوع.. ثم كانت إلى المانية، ليقضي هناك- فسحة طويلة فارغة من كل ما يشغله سوى القلق الذي حطم أعصابه- ولقنه وأمثاله من المغامرين درسًا لا يُنسى في مفهوم الحرية التي يريدها سيادة الرئيس..
وكادت هذه الذكريات المزعجة تصرف اللواء المتقاعد عن كل ما يتصل بموضوع الوزارة.. وجعل يتمتم: لماذا الوزارة.. لا.. السجن؟ وأحس برعدة تناسب في أعصابه عند ذكر السجن.. ورفع راحته الباردة إلى رأسه يمسحه جيئة وذهوبًا ثم يعود ليرد على نفسه.. وفيم هذا الوهم؟.. وما شأن السجن بمثلي، وأنا الذي لا أكاد أتحرك- منذ تقاعدي- خارج حدود ما بين المنزل والمسجد.. ولم يكد يأتي على كلمة المسجد حتى عاوده القلق أشد مما كان، وتراءت لخياله بسرعة صورة رجال الحفيه وهم يترصدون رواد المسجد. ليسوقوا أكثرهم ترددًا عليها إلى غياهب السجون. حيث تضيع أشخاص وأسماؤهم فلا يعرف أحد من .... .... عنهم.
وفي جزع لم يطق كتمانه أخذ .... من هنا جاءت هذه الدعوة إذن وهل يُعقل هذا؟
وانطلقت عيناه، اللتان بدا يغشاهما الكبر، فيما وراء سور الحديقة التي تطوق مقدمة منزله. وكأنه يحدق في أبعاد الفضاء دون تحديد لمكان.. ثم ما لبث أن أغلق أجفانه .... إلى مرئياته الباطنة..
واستمر الصراع غير يسير .... توقعاته المتباينة، فإذا ما أوشك الغرق في أطباق المآسي التي .... على خياله من هنا وهناك، وجد نفسه مشدودًا إلى الصور .... تطل عليه من الزاوية الأخرى .... فلا يسعه إلا أن يقف بذهنه على الوافدين، ليوازن بين آثارهما وموحياتهما وعواقبهما.. بيد أن جانب الرهبة ظل أثقل في الميزان من جانب الرغبة.. فود لو يُتاح له يظل بقية حيته في هذه العزلة، .... قيضت له من الأنس الروحي ما لم .... إلى بعضه سبيلًا طوال عقوده السبعة الماضية، فلا يخالجه في ظلها خوف من بلاء، ولا يساوره مطمع في منصب.
ولكن.. تلك أمان لم يعد لها مكان من حياته بعد وصول هذه الدعوة التي لا يجد مفرًا من تلبيتها، والتي سينتقل مصيره على ضوئها، فإما إلى .... لم يسع إليها ولم تلح في خاطره وإما إلى.. الوزارة، التي لم .... إليها قط.
وفي عفوية ساذجة تحركت يمينه لتتلمس صدر سترته. وتذكر سيواجه الرئيس بهذه البزة العارية من كل مؤشر يميزه عن العاديين من الناس.. إلا أنه تذكر كذلك الرئيس لن ينسى صور الأوسمة التي كانت تملأ صدره آخر عهده في الجيش فهو سينظر إليه من خلال الماضي فلا يغفل مكانته وما تستوجبه من التقدير وأخذ سبيله إلى الطريق العام وهو يقرأ في خشوع سورة الانشراح، سأل الله أن يحفظه من كل مكروه وأن يقدر له أفضل ما يسعده من الخير.
وطالت ساعات اللواء مرسي في .... الانتظار بعد أن بعث باسمه مع مسئول إلى سيادة الرئيس..
وكثر دخول الوافدين وخروجهم إلى أن يحين دوره.. وكلما تحرك موظف باتجاه القاعة المنشودة همس في تواضع كثير أرجو ألا تنسى اللواء مرسي..
وتعذر على اللواء أن يهتدي إلى .... المقبول لهذا التأخير غير ...... غير أنه أثر إحسان الظن .... يكون الموضوع مما يقتضي .... مع سيادته، وهي لا تتم إلا بفراغه من مواجهة الناس وإنجاز .... الضرورية..
واستراحت نفسه لهذا التقدير، وبدأت الأفكار تتنازع في صدره بين .... والضار.. فما يكاد يميل لأحدها حتى يهزه الآخر.. دون أن تنتهي من هذا أو ذاك إلى .... ..
يكاد الدوام الرسمي يشرف على .... حين أحس يد الموظف تمس لتنتزعه من تصوراته، ويسمع .... يدعوه في لطف إلى مواجهة .... ..
سرعان ما تعتري اللواء غمرة ....، ويستشعر في قلبه سرعة تنبض لم يعتد مثلها، ويسوي ....، ويتلمس ربطة عنقه، حتى إذا وثق من حسن وضعه مضى في .... نحو القاعة المرموقة، ومنذ أطل سيادته اتخذ الوضع العسكري يده بالتحية.. ولكنه لم يدر ذلك ماذا عليه أن يفعل.. سيادته مشغول بالنظر في أوراق ....، فلم يرفع بصره إليه بعد.. .... آخر كاد يضيع وعي اللواء بما في أعصابه من الاضطراب، ذلك طريقة جلوس الرئيس. فقد .... بظهره إلى صدر المقعد الوثير ومد ساقيه فوق النضد الفخم، حتى كان أسفل نعليه باتجاه المدخل..
وجمد اللواء مكانه لا يتحرك، وأوشك أن يشك في الجو الذي يحتويه أهو في يقظة، أم تلك رؤيا ثقيلة كئيبة.. وكاد يرفع يده ليمسح رأسه كعادته.. ولكنه أمسك بعد أن أقنع نفسه بأنه في غير منام؟
وجعل يستعرض وقائع حياته منذ تلقى دعوة الرئيس حتى الساعة.. فيسمي لديه كل ريب بأن يواجه واقعًا لا خيال فيه ولا وهم..
وبعد دقائق كانت أطول عليه من الساعات. تفضل سيادة فخفض أوراقه قليلًا، ونظر إلى زائره بعينين تتطل من خلال سوادهما الغارق في الحمرة أشتات من المعاني المفزعة، فيقول: هذا أنت؟
وفي صوت ظاهر التهدج يجيب اللواء، وقد وجد في هذا السؤال بعض التخفيف من ضغط الإحراج الذي يستغرقه: أجل.. يا سيادة الرئيس.. اللواء مرسي..
ويتفضل سيادته بمزيد من الإكرام فيقول: تقدم.. تقدم.. ويتقدم اللواء خطوات ثم خطوات.. حتى يكون على مقربة من النضد الفخم، وقد جعل العرق يتصبب من جسمه كله..
وهنا فقط يزيح سيادته لأوراق عن مجال وجهه، ويأخذ في تحريك قدميه مكانهما على أعلى النضد ثم يستأنف بلهجة يثقلها السخر:
- انظر جيدًا.
ولم يفهم اللواء مراد الرئيس فلم يزد على قوله: نعم؟
ويستأنف سيادته الكلام.
- انظر.. هذا الحذاء. هل ترى فيه بأسًا؟..
ولم يجد اللواء ما يجيب به سوى تكرار هذ الكلمة.. السائلة.. المستنكرة المتقطع ن.. ع.. م. ن... ع... م...
- قلت لك. هل يعجبك هذا الحذاء؟ انظر جيدًا. هل ترى فيه ما يسوءك؟
وانعقد لسان الرجل... وجعل يفرك جبهته في عصبية عفوية.. وقد كاد يقطع بأنه حلم.. بل كابوس جد مرهق..
ويجيئه صوت الرئيس ليرده إلى الواقع المجهول.
- هل تذكر... هل تذكر يوم أقبلت على ضباط كتيبتك تتفقد أوضاعهم، فلم وقعت علي جعلت تلومني لعدم نظافة حذائي..
وتمتم اللواء. ن... ع.. م.. تذكــــــــ... رت...
ولم يبق في صدر اللواء متسع لأمل.. وخيل إليه أن جسمه الفارع قد شرع يتقلص، وأن القاعة تدور به حتى يوشك سقفا الغارق في الأضواء وجدرانها المتألقة وأرائكها الأخاذة.. خيل إليه أن كل أولئك موشك أن ينقض عليه...
وتلاحقت في خياله بسرعة صورة السجون.. والسياط.. والكلاب المتوحشة.. والقضاة المكلفين بتوزيع أحكام الإعدام.. وأولوان العقوبات الجهنمية.. كل هؤلاء قد فغروا أشداقهم، لنهشه، ومدوا مخالبهم لتمزيقه..
ولكن هذه الأوهام الرهيبة جميعًا لم تلبث أن تبددت بكلمة واحدة انفرجت عنها شفتا السيد الرئيس، فردت إلى اللواء المروع الأمن الذي كاد ينفض يديه كلتيهما من أثره..
قال سيادته، وهو يحرك قدميه، ويرسل قهقهته كأنها قعقعة السياط في أجسام أعداء الثورة لمقدسة:
من أجل هذا بعثنا بطلبك يا سيادة اللواء.. ولك الآن أن تعود بسلام من حيث أتيت..
وعاد اللواء يتلمس طريقه بعينين لا تكادان تبصران.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل