العنوان أدب: (814)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 21-أبريل-1987
مشاهدات 66
نشر في العدد 814
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 21-أبريل-1987
قصة قصيرة:
مُدرّس ريَاضيّات
- بابا، يلزمني مدرس رياضيات، لأنني ضعيفة بها، ولم يبق للامتحان إلا ثلاثة شهور.
سأحضر لك أحسن مدرس في «....» وهمس لنفسه: سيأتي يقبل أرجلي، ويعلمك ثم يعود راضيًا، فأنا الرقيب محفوض أحد رجال المخابرات العسكرية التي أحكمت الطوق على البلد.
يا عسكري، أحضر لنا الشاي، ثم ابعث لي الرقيب حيدر.
- حاضر، حضرة الرقيب.
- يا رقيب حيدر، تستطيع تعطيني أسماء أقدم مدرسي الرياضيات؟
- بعد خمس دقائق أعطيك كل أسماء وعناوين مدرسي الرياضيات إذا أردت، لأن «الكمبيوتر» يعطينا أسماءهم مرة واحدة «ثم يحيي وينصرف» بينما يتمتم الرقيب محفوض لنفسه يا سلام، والله هذا الكمبيوتر عظيم جدًا، وأول ما دخل البلد استوردته المخابرات العسكرية، يعطيك أسماء وعناوين من تريد في لحظات.
- يا عسكري، هات العريف ناصيف- حاضر حضرة الرقيب.
- عريف ناصيف، هات لي الأستاذ عبد الله النجار حسب هذا العنوان.
قبيل الفجر تحرك خمسة من جنود الليل مدججين بأسلحتهم إلى عنوان الأستاذ عبد الله، توزع ثلاثة على مداخل ومنافذ العمارة بينما دق العريف ناصيف باب الشقة وإلى جانبه أحد العساكر.
- يا رب، استر علينا: قالت زوجته وهي ترتعد خوفًا.
- لماذا تخافين، أنا حتى ما أصلي ولا أصوم وكل الناس يعرفون أني أشرب الخمر، يمكن غلطانين. وخرج عبد الله النجار غير آبه ولا خائف، وما أن فتح باب الشقة حتى أطبق العريف ناصيف بكلتا يديه على فمه بينما جره العسكري الآخر، وما إن وصل السيارة حتى أحكموا ربط فمه ويديه جيدًا، وعادت السيارة بصيدها الثمين إلى مبنى المخابرات العسكرية، فأنزل الأستاذ وشحط إلى قبو التعذيب ليحصل على وجبة الاستقبال، بين ضرب السوط والخيزارانات وكبل الحديد حتى تشققت قدماه ويداه وعدة أماكن من جسده، بينما حبس لسانه من المفاجأة والخوف وتوقف دماغه عن التفكير ولم يعد يعقل أو يميز الواحد من الأربعة.
ومرت الأيام وزاد التعذيب لأنه ما زال يصر على أنه لا يصلي ولا يصوم ويشرب الخمر ولا علاقة له بالإخوان المسلمين، وكان الجلاوزة يضربونه ويقولون:
- ستعترف آجلًا أم عاجلًا، سيان، لقد أنكر غيرك كثير، ثم اعترفوا، قبل أن يموتوا بقليل، لا تظن أن مثلك يضحك علينا، إننا نعرف كل شيء عنك، ونعرف اسم الذي نظمك في الإخوان المسلمين، وأسماء الذين نظمتهم أنت... نعرف عنك كل شيء.
فقال لهم الرجل: هل تريدون أن أكذب عليكم أم أقول لكم الحقيقة؟
- نريد الحقيقة، ونحن نعرفها، فقط نريدك أن تعترف.
- أعترف بماذا، هل أعترف بغير الحقيقة؟
- وصرخ المحقق: خذوه إلى الساحة يتفرج على إخوانه المسلمين وينتظر دوره مثلهم، جره العسكري إلى ساحة قذرة في مبنى المخابرات وقد تجمعت أكوام من لحم البشر وبرك من دمائهم وثلاثة كلاب متوحشة تنهش من أجسادهم فيردها المسؤول عنها ولا يسمح لها بالإجهاز عليهم. ثم رأى طفلة في الرابعة من عمرها تضرب وينتف شعرها وهي تصرخ أمام أبيها الذي يفيق على صراخها فينظر إليها بعينين غائرتين ثم يقول بصوت متقطع- خلوا سبيلها، سأعترف بكل ما تريدون.. وتنحدر بقايا دموع سوداء من رسم عينيه الغائرتين، فيقهقه المحقق ويقدم له ورقة ثم يقول: اكتب صورة طبق الأصل عن هذه ثم وقع تحتها باسمك الصريح ثم التوقيع.
جاء دور أستاذ الرياضيات فقال المحقق:
خذ هذه الورقة اكتب مثلها ثم وقعها.
أخذ الأستاذ الورقة فقرأ «.... انتسبت إلى الإخوان المسلمين عام... وتسلمت شيكًا من فلان بمبلغ... وقد نظمت كل من فلان وفلان وفلان، وقد حضرت عدة جلسات خططنا خلالها للإطاحة بنظام الحكم...» قال عندها:
- هل أقول الحقيقة أم أكتب هذه يا سيدي، وما أن نطق بها حتى جاءه الضرب من كل حدب وصوب، وأسرع الكلب نحوه فأخذ قطعة من لحم ساقه صرخ على إثرها وسقط مغشيًا عليه من الألم والخوف.
لما أفاق قال: أين الورقة، هات كي أوقع عليها.
- لا، لا، اكتب بخط يدك. طيب هات لأكتب بخط يدي، وكتب أنه من الإخوان المسلمين مثلما أرادوا وقال في نفسه الموت بالمشنقة أفضل من أن يأكلني الكلب وعصر الألم قلبه وهو يندم على ذنوبه وعلى ما فرط في حق الله، ثم قال في نفسه أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، اللهم تبت إليك، فاقبلني يا رب، وهطلت دموعه عندما سمع أحد المغشي عليهم من الألم يردد في غير وعي قول الله عز وجل ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53) ثم كتب ووقع، وبعد يوم واحد نقل مع قافلة جديدة من أبناء الشعب الأبي إلى سجن عسكري.
ويكتب الله له الشهادة مع مئات من الأتقياء البررة في مجزرة السجن العسكري بعد أن صلى عدة أيام قبل أن لقي ربه.
عاد الرقيب محفوض إلى بيته غضبًا بعد أن فتش عن اسم ابنته بين الناجحات فلم يجده، وهو يرغي ويزيد ويقول، طلبت مدرس رياضيات أحضرت لك أحسن مدرس بالبلد فقالت ابنته وهي تمسح دموع الفشل والإخفاق، لا، ما أحضرت لي أحًدا قلت لك وما بعثت لي أحدًا، قال الرقيب محفوض: بعثت لك واحد «كلب» يقولون أمهر أساتذة الرياضيات، نسيت اسمه لأن هذا قبل أربع شهور تقريبًا ونحن كل يوم عندنا أساتذة وطلاب جامعات «أولاد الكلب» معنى ذلك أنه لم يأت، والله لأنتقمن منه الـ... وعاد إلى مقر عمله فاستدعى الرقيب ناصيف.
- أنا ما طلبت منك قبل أربع شهور أن تحضر أحد مدرسي الرياضيات.
لقد أحضرته من يومها، واعترف بسرعة خلال الأسبوع الأول من التحقيق، وأرسل إلى السجن العسكري، «ثم اقترب من الرقيب وهمس: وأظنه قتل مع الذين قتلوا في السجن».
اصفر وجه الرقيب محفوض، وتلعثم قليلًا ثم قال له انصرف يا عريف ناصيف وقام إلى ملفات القسم يقلب في أسماء المعتقلين قبل أربعة شهور وبعد ساعة من البحث في آلاف الأسماء وصل إلى البطاقة التالية:
عبد الله النجار، مدرس رياضيات
عنوانه ......
اعتقل يوم 25/ 2/ 1980 وقد اعترف بعد أن عرض على تعذيب الكلب المتوحش ووقع اعترافه، حول إلى السجن العسكري يوم 3/ 3/ 1980.
عاد الرقيب محفوض إلى قسم الكمبيوتر وطلب بطاقة عبد الله النجار وخلال دقيقة واحدة كانت بيده.
عبد الله النجار، مدرس رياضيات، عنوانه ... لا يصلي، ولا يصوم يشرب الخمر، لا يهتم بالسياسة أبدًا، مدرس ماهر في الرياضيات، يقضي كل وقته في تدريس الساعات الخصوصية، التصنيف: صديق للحزب لأنه كادح.
وعندما أكمل الرقيب محفوض البطاقة، قهقه عاليًا ثم قال:
الحق عليه، لماذا يكون مدرسًا للرياضيات.
خالد الأحمد
نشيد إسلامي:
المجاهدون في أفغانستان
شعر: يحيى حاج يحيى
بارودتي بيدي وبجعبتي كفني
كابول، فانتظري فجري ولا تهني
فعقيدتي أقوى أبقى على الزمن
حصني إذا عصفت بي موجة الفتن
والصبر لي زاد في شدة المحن
فليهدموا بيتي بيتي من الطين
أو خيمة نسجت من ريح كانون
سأظل أمطرهم حمم البراكين
ويذيقهم غضبي ذلًا مع الهون
لن يسكنوا بلدي وأكون في الدون
فليسفكوا دمنا فوق الثرى يجري
لن يهدأوا أبدًا في موطن الطهر
سنثور بركانًا ونكون كالجمر
يا دولة الكفر بعلوجك الحمر
لن نرتضي يومًا بالذل والقهر
([1]) الكواكب: إحدى بنات مؤسسة دار الهلال التي أسسها أحد مزوري تاريخنا القديم والحديث «جرجي زيدان» عام 1892.
([2]) مجلة «الكواكب» العدد 1844، 2 ديسمبر 1986.
([3]) «الأربعاء» ملحق صحيفة المدينة –العدد ((111)) 4 شعبان 1405ه.
([4]) الصحافة المهاجرة ص ((90)).
([5]) مجلة الاعتصام عدد فبراير ومارس 1986 من مقالة لمحمد عبد الله السمان.
([6]) مجلة الكواكب –العدد 1844.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل