العنوان الرمز في الشعر الإسلامي المعاصر
الكاتب محمد هدى قاطرجي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-1978
مشاهدات 52
نشر في العدد 405
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 25-يوليو-1978
لا بد لي في بداية هذا الموضوعمن الإشارة إلى أني لا أقصد أن أنقب وأبحث عن سمات للرمزية الغربية في الشعر الإسلامي المعاصر، لا فالموضوع جد مختلف، ذلك أن التأثر والتأثير في الأدب والفن لهما حدود لا يمكن اجتيازها، إذ إن أصالة الأديب الإسلامي وغنى ما يملكه من التراث الأدبي يجعلانه أديبًا متميزًا عن غيره من أدباء الأمم الأخرى، وهذه قضية ينفرد بها المسلم.
فقد نجد معالم الرمزية وخصائصها التي نادى بها الفرنسيون- بودلير وفرلين ورامبو- والتي أوجد قواعدها الشاعر الفرنسي مالاربيه- في أدب الغربيين جميعًا مهما اختلفت أوطانهم وجنسياتهم، أن الآداب المعاصرة لدى تلك الأمم لا ترتكز على رصيد تاريخي طويل من الأصالة كما هو الحال بالنسبة للأديب الإسلامي، لهذا فإن الأديب الشاعر والفنان والقاص والمسرحي الإسلامي يظل متميزًا بأدبه مهما تأثر بخصائص الأدب العالمي ومذاهبه المختلفة، وأود هنا أن أشير إلى بعض الخصائص البارزة في الرمزية الغربية لأقف فيما بعد على الرمز في الشعر الإسلامي.
إن أول ما يلاحظه الباحث أن الرمزية عند الغربيين مذهب ينزع إلى الذاتية المطلقة، ويفر من العالم الواقعي المحسوس، وبالتالي فإنه ينزوي عن مجتمعه متقوقعًا على ذاته، ووفق هذا المفهوم فإن الشعراء الرمزيين في الغرب يعتبرون أن الواقع لا يصلح للقول الشعري وليس فيه ما يبعث على الأداء، الفني على الإطلاق، كما يلاحظ الباحث أيضًا موقف الرمزيين الغربيين من العقل والمنطق، فهم يجافون العقل ومنطقه، وثاروا على كل ما يمت إلى العقل بصلة، وقد نتج بناء على هذا المفهوم عندهم أن تطرفوا في موقفهم من قواعد الفن المألوفة فثاروا على الميزان الشعري لأنه كما يعتقدون عمل عقلي بحت وبهذا نأوا بفنهم عن كل تقليد أدبي سابق لهم، وللرمزية الغربية خصائص أخرى كأسلوب الإبهام والغموض والتجاوب بين معطيات الحواس والاعتماد على الموسيقى في الإيحاء بالمضمون بحيث تكون الألفاظ مجردة عن دلالتها العقلية، ونحن لا نستطيع أن ننفي تأثر بعض الشعراء العرب والمسلمين ببعض هذه الخصائص الأخيرة بيد أن الشاعر الإسلامي يبقى متميزًا مهما اختلفت أشكاله وألوانه وضروبه.
وإذا كان شعراء الرمزية الغربية يشتركون بصفة الذاتية، فإن الشاعر الإسلامي هو الشاعر الإنسان والإنسان الذي يعيش الواقع حلوه ومرة، الإنسان الذي يصدر بفنه عن إحساس عايش الواقع، وأحس به من خلال معاناة واضحة، ترتكز على العقيدة الإسلامية لذلك فإن صفة الذاتية تنتفي عن الشعراء الإسلاميين سواء أكانوا من الذين يتوسلون بالرمز في تعبيرهم أم كانوا ينحون منحى التعبير المباشر، فالشاعر الإسلامي هو إنسان مسلم قبل أن يكون شاعرًا، لذا فإنه يعتبر الفن بشتى أشكاله مسخرًا للعقيدة وما يتعلق بها من مواقف، وبهذا لا يمكن له أن ينسلخ عن واقع أمته، وبالتالي فإن قصائده سوف تعيش الواقع وتتناوله بالتعبير، وحديث الشاعر محمد منلا غزيل عن الشعر يحدد هذا المفهوم، انظر إليه يقول :
إن لفه الصمت في أكفانه أمدا
أو ضمه الرمز حينًا في حناياه
فالحرف ما زال يزكي وهج شعلته
وقع الصراع فيؤتي بعض نجواه
وفي قول غزيل: إشارة إلى أن الشاعر الإسلامي يبقى ملتصقًا بالواقع ملتزمًا بقضايا أمنه سواء أکان تعبیره رمزيًّا أم غير ذلك.
على أن طريقة التعبير الرمزي عند الشعراء الإسلاميين لا تؤثر على المضمون الفكري في قصائدهم كما حصل لدى الرمزيين في الغرب فثاروا على كل ما هو عقلي ومنطقي، وإذا كانت دواعي الرمزية في الغرب كانت تنطلق من مفهوم الهروب من الواقع والثورة على التقنية هناك، فإن دواعي الرمز عند الشعراء الإسلاميين جد مختلفة فقد تكون دوافعها سياسة أو فنية جمالية تنطلق من رغبة الشاعر بالتزويق وإشباع رغبة الفن في نفسه بحيث لا يطغى ذلك على المحتوى الفكري في القصيدة.
لقد كابد الشاعر الإسلامي الظلم والتزييف، وتجرع خلال ذلك كؤوس الألم المرة ونال العذاب المضني والحرمان المنهك من الحاكم، كما أنه أحيط بالقهر الفكري والإبعاد الفني، فحرم عليه القول وسدت في وجهه ميادين التعبير المباشر فعاج يطوف حول التعبير الرمزي الذي ينقل المعنى المقصود إلى القارئ الواعي، وبهذا يتجاوز الشاعر الإسلامي مسألة حظر القول والنشر والإبداع، وقد صدرت عده دواوين تحتوي على أروع ما كتبه الشعراء الإسلاميون من الشعر المعاصر، وديوان الشاعر محمد الحسناوي في غيابة الجب خير شاهد على ما أقول، والرمز يبدو من تسمية الديوان، فالجب هنا هو السجن، وقد اختاره الشاعر ليضع تحته ملحمته التي رسم فيها قصته مع الاعتقال والسجن وما لقيه وصحبه من ظلم وقهر، وها هو يصور بأسلوب ساحر لهفة الأرواح التي تتلهف لخروجه من سجنه وعودته إليهم، فيرمز إلى نفسه بالنبي يوسف، يقول:
رباه... يا وهاب
يا راعيًا يوسفه الأواب
في السجن، في الجب، وفي الأصلاب
رد لنا يوسفنا
بصرنا
كما رددته على يعقوب
يا رب يا وهاب
وقد يأتي الرمز في قصائد الشعراء الإسلاميين على سبيل التلميح والإشارة، في الحالات التي يخشى الشاعر صولة الحاكم انظر إلى قول نجيب الكيلاني:
كل «نيرون» يغني طربًا |
| ويكيل العسف للمستضعفين |
فنيرون هنا هو رمز السلطان اللاهي والظالم بآن واحد، إنه رمز الحاكم المتعجرف الذي يكيل شعبه خسفًا وقهرًا وقد يستمد الشاعر رمزه من التراث الإسلامي، فالكيلاني يأخذ كلمة راع من الحديث النبوي- كلكم راع.. ويشير بها إلى السلطان الزائف، كما يشير إلى الشعب بالقطيع، وهذا أدعى لتماسك الرمز والتعبير يقول في قصيدته- مدرسة الرعب..
وراع زائف الأحلام في زيف من القيم
أضاع قطيعة الحيران عبر متاهة الظلم
وأعتقد أني لا أجانب الصواب إذا سميت هذا النوع من الرمز رمزًا سياسيًّا، فهو يصدر عن العلاقة السيئة بين الحاكم والمحكوم، والشاعر محمد منلا غزيل يجيد استخدام هذا الله النوع من الرمز في قصيدته- الله والطاغوت رمز الحاكم ومنهجه المنحرف عن الشريعة الإسلامية، وهو يشير إليه في بعض الأبيات على أنه العدو الحقيقي، يقول مخاطبًا أمته:
إن العدو هو الطاغوت فانعتقي |
| من كيد إبليس إن المكر إياه |
وقد يستمد الرمز السياسي وسيلته من التاريخ أو الطبيعة، فالشاعر مأمون فريز جرار يرمز بالشمس إلى انطلاقية المسلم التي سوف تذيب الجاهلية وأصحابها من مستبدين وظالمين، وقد رمز لهؤلاء بالذئاب، يقول:
ستزول في الشمس الخديعة والضباب |
| وسترعوي عن ركبنا هذه الذئاب |
وهذا يذكر بقول هاشم الرفاعي في قصيدته- دين وعروبة- التي رمز فيها بالثعلب وجلده إلى المخاتلة والخداع، وهي شأن المراوغين من سدنة هذه الأمة يقول:
اعترفت الآن معنى أن ترى |
| حاقدًا يلبس جلد الثعلب |
ويشبهه قوله:
فمشى بالكأس مسمومًا وكمْ |
| يشهد الليل دبيب العقرب |
ولا يقف الشاعر في رمزه عند هذه الحدود، فالشاعر الإسلامي يملك تراثًا ضخمًا من الرموز، إن لديه تاريخًا مليئًا بما يعينه على التعبير ومقارعة الحاكم من خلال الرمز السياسي، إن مأمون فریز جرار يرمز- بهبل- إلى الحاكم الماكر الظالم الذي حاول أن يميت ويخنق كل شعاع يصدر عن روح مسلمة يقول الشاعر وهو يشير إلى سقوطه:
وسيسقط «الهبل الجديد» وذا العقاب وسيهلك الطاغوت في شر المآب |
ومثل ذلك قول وليد الأعظمي وهو يصور علاقة الحاكم المستبد بأعوانه يقول:
وعصابة للغدر جاهزة إذا ما لاح أمر |
| وإذا بدا «هبل» عنت للأرض ساجدة تخر |
وقد يتوسع الشاعر الإسلامي باستخدام الرمز حيث يصوغ من الحدث التاريخي صورة رمزية يضعها في سياق فكرته، بحيث يتناسق معها ويشبعها بالإيحاءات المناسبة التي تضفي على الفكرة لمسات من الروعة، ويرمز الشاعر فاضل خرج الكبيسي إلى الخلافات العربية بحرب البسوس المعروفة في التاريخ العربي، مشيرًا إلى أن الأمة لا يمكن أن تعود إلى أمجادها وهي في حال من الخلاف والبعد عن العقيدة السليمة، يقول:
إذا دخلنا إلى التاريخ يدفعنا |
وقد يبني الشاعر الإسلامي قصيدته كلها على الرمز، فنجيب الكيلاني يتخذ من أبي جهل صورة رمزية متكاملة الجوانب ويرمز بها إلى أولئك الذين يعمدون إلى الصلف والعسف، ويرتدون لباس الكبرياء والعناد والغرور ويسوقون الناس إلى جاهلية حمقاء، ويذكر صاحب مقدمة ديوان الكيلاني- عصر الشهداء- أن العقيدة لا تعني فردًا بعينه، وإنما ترمز للكثير من خلال شخصية أبي جهل، الذي عرفه التاريخ الإسلامي بصلفه وغروره وعسفه وعناده، ولعل في الأبيات التالية بيان ذلك:
يا رفيقي وفؤادي دامع |
| ذوب روحي همسات تحتضر |
إن الرمز لدى الشعراء الإسلاميين لون قصائدهم بصور جميلة سواء أكانت مستمدة من الطبيعة أم من التاريخ أم من الذات الإنسانية وانفعالاتها، وإزاء هذا المنحى فإننا على قصائد كثيرة تزاحمت فيها الصور المتناسقة حيث ارتبطت بالرمز ارتباطًا عضويًّا كاملًا، وتبرز هذه الظاهرة عند عبد الله عيسى السلامة الذي لا تنفك الصورة الرمزية عن شعره، بل يكاد كل حرف عنده يحمل رمزًا ويصب في سياق القصيدة بشحناته ومدلولاته، وها هو يتساءل عن الحال التي وصل إليها الإنسان، هل له من فجر ينير له الطريق؟ يقول:
هل يشيع الفجر في الإنسان يومًا ظفره؟ |
وفي قصيدة السلامة عجوز الجن تزدحم الصور الرمزية نابعة من آلام الحياة التي عانى منها الشاعر، وقد رمز إلى آلام الحياة بعجوز الجن التي آلمته وجرعته كؤوس الشقاء، يقول:
عجوز الجن زرقاء اللهاة |
| تجرعني كؤوس الذكريات |
وهو في نهاية القصيدة يشير إلى ما أراده من رمزه بعجوز الجن حيث قال:
فقلت وما عجوز الجن هذى |
| فقال مزيج آلام الحياة |
هذه صور من الرمز كما برز لدى الشعراء الإسلاميين في الزمن الحاضر ولا يخفى على الدارس أن الرمز لدى هؤلاء هو أداة ووسيلة وليس غاية كما هو عند الرمزيين الغربيين، وإذا كان الرمز عند الغربيين مشوبًا بالغموض منغلقًا على الأفهام، فإن الرمز في الشعر الإسلامي يتسم بالوضوح، وسياق النص كفيل أن يحمل الرمز إلى القاري، ويوصله إليه كما أراده الشاعر، وإلا فما جدوى قصيدة لا يفهمها قارئها. وهنا أحب أن أشير إلى أثر الرمز في الارتفاع بفن القصيدة الإسلامية، فلقد اضطر الشاعر في هذا المقام أن يبتعد عن التعبير البسيط والنثرية التي تقتل روح الشعر في القصيدة ولعل كافة الشواهد السابقة تبرز التعبير المصور الراقي الذي ارتفع مستوى التوسل بالتعبير المباشر ونأى عن الصبغة النثرية التي تسم الشعر بسمات النظم، وفضلًا عن الرمز فإن الشاعر لا يجد طريقة للتعبير سوى سبيل التصوير، لأن الرمز صورة بحد ذاته، ولا يمكن أن يتكامل النسق إلا بالتعبير المصور، وهذا أدعى إلى بروز الجمالية الفنية التي ترتقي بمستوى النصوص فلتلقاها القارئ والسامع بأحلى حلة وأبهج رونق كما وأن الشاعر يشبع بذلك رغبته الفنية الطموحة إلى كل ما هو جميل وطريف.