العنوان في ظلال انتفاضة الأقصى.. خيار المجاهدين
الكاتب د. عيد عبد الحميد
تاريخ النشر السبت 19-يناير-2002
مشاهدات 79
نشر في العدد 1485
نشر في الصفحة 48
السبت 19-يناير-2002
بينما البشرية في بحر من الشقوة لجى، تتلاطمها الأمواج، مشتتة جموعها تنشد النجاة والخلاص في كل السبل والفجاج، فليس أمامها سوى خيار خلاص واحد في خضم هذا الليل الداج.. تمامًا كخيار سفينة أهل التوحيد، التي كانت الملاذ الآمن الوحيد عندما حقت كلمة العذاب على المشركين الصناديد.. تلكم السفينة التي ابتدئت صناعتها زمن نوح - عليه السلام - حينما طرأ الشرك على العبيد، وطغى على أنصار التوحيد، فباتت سفينة نوح هي خيار النجاة المطروح، كذا قضى ربنا الفعال لما يريد ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ (المؤمنون: 27)، وكان خيارًا غريبًا على من سُلبوا عمق الفكر وبعد النظر، لدرجة أنه أثار هزأهم وسخريتهم من نبي هو بين أهل زمانه خير البشر ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ (هُود: 38)، فلسان حالهم يقول: يا نوح إن السفينة لا تجري على اليبس، لكن ذلك لم يكن ليفت في عضده، لأن خياره هذا الذي انحاز إليه كان بعناية من الله تعالى ووحي من عنده، فيما أن خيار النجاة الذي تشبث به نوح ينبثق من وحي الله، وتكلؤه عناية الله، فعليه ألا يعبأ ولا يلقي بالًا لكيد وسخرية وهزء من عاداه، ممن بدا لهم لقصر نظرهم، وفرط جهلهم، وانتكاس فطرهم، أن خيار نوح - عليه السلام - لا يتماشى مع تحديات الواقع، وعليه: فلن يرفع عن نوح ومن آزره شيئًا من الاضطهاد الواقع.
وشرع نوح - عليه السلام. يدعو الناس للانحياز إلى الخيار الرباني الذي آمن به وانخرط في سلكه فرفع شعار ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ (هود: 42).
وظل هذا الشعار يصدع به بين أظهر المسلمين وأعقابهم على مر السنين، في كل مرة ينحازون فيها لخيار رب العالمين بغية الانفكاك من الظلام والنعتاق من قبضة الظالمين.. لكن من أخذته العزة بالإثم ولم يميز بين الغنم والغرم، ما كان حجته إلا أن قال:﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ (هُودٍ 43)، كفرانًا بخيار نوح - عليه السلام - بعدما عميت بصارهم لما اجترحوه من آثام، وتجريدًا للأحداث عما يقف وراءها من قوة عزيز مقتدر لا يضام.. ونسي القوم أو تناسوا أن الله عز وجل هو الذي يقلب الدهر ويصرف الزمان ويدبر العقبى والمال.
فما لبثت أن دارت عجلة الزمان، فعم الأرض طوفان ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا ﴾ (القمر: 12)، ليري الجميع رأي العين أن خيار نوح - عليه السلام - هو خيار النجاة الوحيد الأكيد، وما ذلك إلا لأنه خيار جرت به المقادير﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ (القَمَرِ: 12).
وأهل فلسطين تراهم اليوم وقد انحازوا إلى خيار رباني أذن به رب العباد، ألا وهو خيار الجهاد والاستشهاد ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (التوبة 41 )، ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (النساء: 75) في حين شرع المرجفون يشككون بهذا الخيار ويمكرون ضده وضد أنصاره، إن في ليل أو نهار، بذريعتهم المزعومة وحجتهم الموهومة، أن لا مكان لخيار مثل هذا في ظل واقع مشحون بالتحالفات الدولية والقوى الإقليمية، والتصنيفات الإرهابية، غير موقنين أنه خيار جرت به المقادير، فقد قال البشير النذير: «الجهاد ماضٍ منذ بعثني الله تعالى إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل» (أخرجه أبو داود في سننه والهيثمي في المجمع)، وقال: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون» (أخرجه الشيخان).
ومن هنا، فإن عجلة الزمان ستدور، ليغدو واضحًا للعيان أن هذا الخيار به سيسطع النور، ويزاح عن الأمة الديجور.. فكما أن خيار السفينة كان حكم الله تعالى في زمن نوح – عليه السلام - فإن خيار الجهاد والاستشهاد هو حكم الله تعالى لأهل فلسطين بخاصة ولجموع المسلمين بعامة، وكما أن خيار السفينة كان محروسًا من المولى تبارك وتعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ (القمر: 14)، فكذا خيار الجهاد والاستشهاد هو حكم الله تعالى سيظل ومن آوى إليه محل العناية والكلاءة من الله عز وجل: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ (الطور: 48)، ولا يخفـي ما في الصبر من معنى الثبات على الخيار، وعليه فإلى أن تحين كلمة الله تعالى التي فصلها قوله ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات: 171 - 173)، سيظل هذا الخيار الرباني يتنامى ويتصاعد ويتجذر في النفوس ويمتد حتى يأذن الله تعالى بنصر مؤزر للمؤمنين، وبمنقلب شوم للمغتصبين، ومن شايعهم وناصرهم ووالاهم من الظالمين.
وبعد: فكل من حاد عن هذا الخيار وناوأه محاربًا النواميس والأقدار، فعاقبته حتمًا إلى بوار، وكيانه يقينًا إلى انهيار، كقوم نوح لما حادوا عما رسمه الله لهم من خيار، فكان أن لاحقهم الطوفان ولفتهم أزمنة النسيان، فلبسوا لبوس الخيبة والخذلان، وباؤوا بالفشل والخسران، ولم يعد الخطاب الإعلامي الرباني في التعقيب على عاقبتهم كلمات معدودات ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (هود: 44)، ذلك أنها هانت على ربها لما حادت عن الخيار الذي ارتضاه لها، فلم يستحقوا من المولى وقفة يطول وقتها .. وتأمل كلمة «قيل»، فلم يقل سبحانه: «قلنا» بضمير العظمة الموحي أن الله تعالى هو المعقب على ما ألم بالقوم من عاقبة شؤم، إنما هو لفظ «قيل» المشعر أن التعقيب قد يكون جرى على ألسنة ملائكة مقربين أو ثلة من عباد الله المؤمنين، أو في غضون حديث يتفكه به لدى الأولين والآخرين، إذا ما جنحوا للحديث عن مصارع القوم الغابرين.
فيا أهل فلسطين: الزموا خيار ربكم، فهو مكمن الهداية، وتشبثوا به كما تشبث به من قبل نبي الله نوح، فصار للناس آية: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (العنكبوت: 15)، وهكذا سيظل الخيار الرباني أنموذجًا يحتذى، وموقفًا يتأسى به ويقتدى.. على امتداد الزمان وطول المدى.. ومن حاد عنه غشيته الشقوة وطواه الردى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل