; أسرار تمديد الفترة الانتقالية في اليمن! | مجلة المجتمع

العنوان أسرار تمديد الفترة الانتقالية في اليمن!

الكاتب ناصر يحيي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1992

مشاهدات 59

نشر في العدد 1026

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 24-نوفمبر-1992

انتهى الخلاف بين الرئيس اليمني ونائبه بالطريقة اليمنية الرسمية المعروفة، وفي بداية الأمر لم ينتبه الناس إلى حقيقة ما يدور في كواليس الحزبين الحاكمين، حين أعلن أن الرئيس علي عبدالله صالح قد وصل إلى الحديدة -أنشط الموانئ اليمنية- فقد ظنوها زيارة عادية.

وفي اليوم التالي أعلن عن وصول نائب الرئيس علي سالم البيض -بصورة مفاجئة- إلى (تعز) ثم (الحديدة) قادمًا من (عدن).

وعندما عاد الرئيس ونائبه إلى العاصمة صنعاء وصفت وسائل الإعلام الرسمية الحدث بطريقة عادية جدًا، حيث انتشرت أخبار عن عودتهما إلى العاصمة بعد زيارة تفقدية مشتركة للحديدة.

كان مدلول الأخبار واضحًا، فالخلافات بين زعيمي الحزبين الحاكمين قد تم الاتفاق بشأنها، وبقي السؤال الأهم: علام اتفق الرجلان؟ وما تأثير ذلك على الأزمة السياسية التي يعيشها اليمن بسبب العجز عن إجراء الانتخابات النيابية في موعدها؟ الأمر الذي يدخل البلد في حالة فراغ دستوري بعد (22) نوفمبر القادم، وهو الموعد الذي تنتهي فيه مدة اتفاقية الوحدة، وتنتهي بانتهائها الفترة الانتقالية، وتسقط -أيضًا- شرعية كل مؤسسات الدولة الحاكمة.

وبينما المواطنون يحاولون تخمين شروط الصلح المفاجئ أعلنت وسائل الإعلام الرسمية أن لقاء موسعًا برئاسة الرئيس اليمني قد وافق على تأجيل الانتخابات إلى 27 إبريل؛ أي تمديد الفترة الانتقالية ستة أشهر جديدة.

عودة إلى أصل الخلاف

عندما تم الإعلان عن تأجيل الانتخابات في نهاية إبريل القادم فهم الناس أن الصلح -بين زعيمي الحزبين الحاكمين- قد تم على أساس تمديد الفترة الانتقالية وتأجيل الانتخابات النيابية، وهو أصل الخلاف الذي ظل الحزبان الحاكمان ينكرانه على مدى الشهور الماضية.

وكان الخلاف قد استحكم بين الرئيس ونائبه في مطلع أغسطس الماضي وعلى إثره (هجر) النائب العاصمة واعتكف في مسقط رأسه بحضرموت ثم في (عدن) رافضًا العودة إلى مقر عمله، رغم كل محاولات الوساطة التي قام بها سياسيون يمنيون وعرب على مدى شهور الخلاف.

وتسربت أخبار عن سبب الخلاف الرئيسي وهو مطالبة الحزب الاشتراكي بالاتفاق المسبق على دخول الانتخابات بقائمة موحدة وضمان وضعه في فترة ما بعد الانتخابات في جميع هيئات الدولة ومؤسساتها، بينما كان حزب الرئيس يبدو واثقًا من حصوله على الأغلبية في البرلمان الجديد، الأمر الذي يمنحه فرصة للتحرر من قيود شريكه في الحكم، ولذا فالرئيس يرفض الاتفاق المسبق على تقسيم غنائم الانتخابات، ويرى تأجيل ذلك إلى ما بعد الانتخابات.

ورغم شيوع حقيقة الخلاف بين الشريكين الحاكمين، إلا أن (الاشتراكي) حاول- على لسان زعيمه- أن يوهم الشعب بأن الخلاف الحقيقي هو حول الأوضاع الأمنية المتدهورة، وضرورة استتباب الأمن كمقدمة لإجراء الانتخابات في أجواء مناسبة.

وعندما اتضح للجنة العليا للانتخابات أن إجراء الانتخابات في موعدها- قبل 22 نوفمبر 1992م صار أمرًا مستحيلًا بسبب ضيق الوقت، وجهت رسالة لمجلس الرئاسة استعرضت فيها المهام التي أنجزتها والمهام التي لم يسعفها الوقت للانتهاء منها، وشرحت الصعوبات التي واجهتها وتمنعها من إنجاز هدفها الأصلي في موعده، ثم اقترحت الرسالة موعدًا جديدًا للانتخابات في 18 فبراير 1993م بما يعني تمديد الفترة الانتقالية لثلاثة أشهر أخرى تكفي لاستكمال مراحل الانتخابات وفق هذا القانون.

وتلفقت وسائل الإعلام الرسمية والأهلية الأمر الذي أوحى بأن هذه هي رغبة الرئاسة والحل المناسب الذي ينقذ السلطة من الحرج الذي تواجهه بسبب تأجيل الانتخابات.

وقبل أن تبدأ الاستعدادات لبدء عملية الانتخابات تسربت أخبار عن انضمام الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي، وعضو مجلس الرئاسة (سالم صالح محمد) إلى زعيمه الغضبان في (عدن) وهو ما يعني أن الخلاف بين شريكي السلطة قد تفاقم وشمل المعتدلين، ثم اتضح بعد ذلك أن ذهاب (سالم صالح) إلى (عدن) كان بغرض وضع اللمسات الأخيرة للصلح واصطحاب (النائب) للعودة بعد غياب (3) أشهر عن العاصمة.

وبالفعل أعلن الإعلام اليمني الرسمي يوم الأحد 8 نوفمبر عن زيارة مفاجئة قام بها الرئيس علي عبدالله صالح إلى (الحديدة)، وفي اليوم التالي وصل (النائب) إلى المدينة ذاتها في موكب ضخم من السيارات المدنية والعسكرية يضارع الموكب المشهود للرئيس نفسه.

ماذا جرى في الحديدة؟

في الحقيقة لم يشهد لقاء زعيمي الحزبين الحاكمين في الحديدة حوارات جدية بشأن الاتفاق، فكل شيء كان قد تم الاتفاق حوله مسبقًا من خلال لجنة مشتركة تضم أبرز قيادات الحزبين.

أما لقاء الحديدة فقد كان لقاء شكليًا وحلًا وسطًا لمشكلة إصرار نائب الرئيس على ضرورة نزول (الرئيس) إلى عدن أو تعز للقائه، ثم العودة معًا إلى العاصمة، وهكذا تم الاتفاق على أن يزور الرئيس (الحديدة) ثم يتبعه (النائب)، ثم يعودان إلى العاصمة وكأن شيئًا لم يكن.

وإزاء الصمت الرسمي حول ما جرى قبل الحديدة وأثناء الزيارة تسربت أخبار عن حقائق الاتفاق بين الرئيس ونائبه، وكان طبيعيًا أن يتضمن الاتفاق تنازلات لصالح (النائب) وحزبه في مقابل إنهاء الأزمة السياسية.

ويقال في اليمن إن السبب الرئيسي للمبادرة لحل الخلاف هو التهديدات المبطنة التي وجهتها دوائر أوروبية وأمريكية حول ضرورة الاتفاق بين الحزبين الحاكمين قبل أن تسوء الأوضاع، وتضطر شركات البترول العاملة في اليمن إلى التوقف.

وبعيدًا عن هذه الحكاية فقد بدأت ملامح الاتفاق تتسرب إلى الشارع اليمني عبر الصحافة المحلية والجلسات الخاصة؟

ويمكن تحديد نقاط الاتفاق بين الرئيس ونائبه في التالي:

1- تأجيل الانتخابات والاتفاق المسبق على تحديد نصيب كل حزب من مقاعد البرلمان الجديد، وبحيث يحصل الحزبان الحاكمان على عدد (201) من المقاعد مناصفة بينهما بالتساوي، وبحيث يتم التنسيق في الانتخابات وفي مجلس النواب القادم باعتبار الفائزين كتلة برلمانية واحدة.

2- تتكون الحكومة الجديدة من (18) وزيرًا يكون للحزبين (10) مقاعد فيها بالتساوي، وتشمل الوزارات الهامة، ويتم توزيع البقية على الأحزاب الرئيسية الأخرى.

3- تسليم مسؤولية أمن القصر الجمهوري إلى الحرس الخاص بنائب الرئيس، رغم أنه يسكن في جزء منه فقط، بينما يستخدم الرئيس الجزء الآخر في أعمال روتينية أخرى (الرئيس يسكن في قصر الرئاسة).

4- السماح بإدخال (10) آلاف عسكري من أتباع النائب إلى العاصمة صنعاء، على أن يستقروا في الجبال والتلال المحيطة بالعاصمة؛ لموازنة القوات العسكرية الموجودة في المدينة والموالية للرئيس.

وبرغم عودة الهدوء إلى العلاقات بين الحزبين الحاكمين بعد هذا الاتفاق إلا أن هناك توقعات بأن صعوبات مستقبلية سوف تنشأ أمام تطبيق البنود الخاصة بالمسائل الأمنية وإدخال قوات عسكرية إلى العاصمة.

أما بالنسبة لقضية التنسيق بشأن تأجيل الانتخابات، فقد بدأ تنفيذ الاتفاق بعد أقل من (24) ساعة من عودة الرئيس ونائبه إلى العاصمة؛ حيث تم توجيه دعوة مفاجئة لحضور لقاء تشاوري موسع ضم أعضاء مجلس الرئاسة والمجلس الاستشاري والمحكمة العليا وهيئة رئاسة مجلس النواب واللجنة العليا للانتخابات والأمناء العامين للأحزاب الممثلة في اللجنة العليا للانتخابات.

وفي اليوم الأول للقاء تمت قراءة رسالة اللجنة العليا للانتخابات التي اقترحت 18 فبراير موعدًا للانتخابات، وعند تداول الآراء دعا بعض الحاضرين إلى اتفاق الحزبين الحاكمين قبل أي مناقشة جادة للوضع، وبالفعل تأجل اللقاء إلى اليوم التالي، ولاسيما أن ممثل تجمع الإصلاح الإسلامي قد وجه نقدًا مباشرًا لأسلوب الدعوة الفجائي وعدم التحديد المسبق لمضمون النقاش.

وفي اليوم التالي كان المشاركون في الملتقى على موعد مع مفاجأة جديدة حيث أعلنت الرئاسة تحديد يوم 27 إبريل 1992م موعدًا جديدًا للانتخابات على أساس اقتراح قدمته اللجنة العليا للانتخابات.

ولأن الأمر لم يكن كما قيل فقد شهد اللقاء نقاشات ساخنة وعاصفة، تزعم جانب المعارضة فيها الأستاذ عبدالوهاب الآنسي الأمين العام للتجمع اليمني للإصلاح وأحد أبرز الوجوه البرلمانية اليمنية.

والحقيقة أن الموعد الجديد لم يكن نتيجة مقترح من لجنة الانتخابات، بل تم تمريره على الطريق (الديمقراطية) المشهورة في العالم الثالث.

أما أهم ما طرحه ممثل تجمع الإصلاح فيتمثل في:

1- أن القضية الأساسية ليست في تأجيل الانتخابات فهو أمر صار شبه مقرر، ولكن الأهم هو تحديد طبيعة السلطة والمؤسسات الدستورية والتنفيذية العليا في الفترة من 22 نوفمبر حتى الموعد الجديد للانتخابات، وهي الفترة التي تفقد فيها هذه المؤسسات (مجلس الرئاسة- النواب- الوزراء) شرعيتها وفق اتفاقية الوحدة، ويطرأ فراغ دستوري في البلد.

2- إنه لابد من اتفاق سياسي بين الدولة والمعارضة بشأن تحديد طبيعة مرحلة ما بعد انتهاء الفترة الانتقالية لتلافي نشوء فراغ في السلطة، ولاسيما أن الدستور لا يتضمن مخرجًا سليمًا لمعالجة مثل هذا الوضع، وعليه فلابد من الاتفاق والتشاور حول آلية مناسبة لإخراج الاتفاق السياسي.

3- ينبغي تحديد مهام المؤسسات العليا للدولة التي تنتهي شرعيتها في 22 نوفمبر بحيث تكون مقتصرة على مستلزمات مرحلة الإعداد للانتخابات فقط، وتصريف الأمور الاعتيادية للدولة دون أن يكون لها حق التشريع، أو إصدار القوانين، أو عقد معاهدات، أو اتفاقيات جديدة.

وبمجرد طرح هذه النقاط استمر النقاش الصريح، وأيد عدد من المسؤولين وجهة نظر المعارضة، وكان من بين المؤيدين عضو في اللجنة التي أعدت الدستور ووزير الشؤون القانونية نفسه؛ حيث أكدوا أن الأمر واضح، وأن فراغًا دستوريًا سينشأ بعد 21 نوفمبر، وأن المخارج العسكرية لا تتناسب مع الوضع؛ لأنها مصممة للأحوال العادية التي يعمل فيها الدستور (طوال الـ(30) شهرًا الماضية كانت اتفاقية الوحدة مهيمنة على الدستور).

ويقال إن الرئيس اليمني قد انزعج من تحول مجرى النقاش إلى مناقشة شرعية الحكم، فآثر الانسحاب من المكان، ولاسيما بعد أن اتضح أن أغلبية الحاضرين أيدت منطق المعارضة، خوفًا من تحميلها وزر التلاعب بقضايا حساسة كهذه، تشغل الرأي العام اليمني منذ فترة طويلة، فهناك إجماع شعبي -بل ورسمي- بأن الفترة الانتقالية قد صاحبها كثير من ممارسات الفساد والتسيب الإداري والمالي ونهب الأراضي والاستيلاء عليها بصورة لم تعرفها اليمن من قبل.

والغريب أن الدولة أذاعت في مساء اليوم نفسه خبرًا عن اتفاق المشاركين في اللقاء الموسع حول تأجيل الانتخابات إلى 27 إبريل، الأمر الذي أثار المعارضة، فاضطرت السلطة إلى استئناف الحوار بعد يومين، وتم الاتفاق بين الطرفين على أن يقوم مجلس الرئاسة بدراسة مقترحات المعارضة بشأن طبيعة المرحلة الجديدة والضوابط المقترحة لها.

التفاف جديد

وبينما المعارضة تنتظر دعوة مجلس الرئاسة لها لمناقشة التصور النهائي للاتفاق السياسي، فوجئ المواطنون بانعقاد لقاء مشترك للكتلتين البرلمانيتين للحزبين الحاكمين برئاسة الرئيس ونائبه، حيث تم الاتفاق على تأجيل الانتخابات إلى 27 أبريل، وبقاء صلاحيات المؤسسات العليا كما هو معمول به في السابق دون تعديل ودون التزام بالضوابط التي اقترحتها المعارضة!

والمثير أن هذا اللقاء شهد نقاشات عاصفة كذلك؛ فقد انتقد عدد من النواب تأجيل الانتخابات باعتباره أظهر تلاعب السلطة وعدم صدق كل التصريحات التي أكدت إجراء الانتخابات في موعدها، مما أفقد الحزبين الحاكمين المصداقية أمام الشعب.

ويقال -أيضًا- إن عددًا من نواب الاشتراكي أثاروا قضية الحوادث الأمنية والاغتيالات والتفجيرات التي شهدتها البلد في الفترة الماضية الأمر الذي أغضب الرئيس، وجعله ينسحب من اللقاء، وهو يؤكد أن كشف الحقائق يضر بسمعة (الاشتراكي) في إشارة واضحة إلى الاتهامات التي تحمل شريكه في الحكم مسؤولية عدد من الحوادث نتيجة الصراع الداخلي بين أجنحته المتنافسة.

وبرغم أن الحزبين الحاكمين يملكان أغلبية كبيرة في مجلس النواب الذي تشكل بقرار بعد الوحدة إلا أن الأمر لم يمر بسهولة في مجلس النواب، وإلى ساعة كتابة هذا التقرير لم تتم الموافقة عليه بعد.

وأما بالنسبة للتوقعات فالراجح أن الحزبين الحاكمين سوف ينفذان رغبتهما رغم كل شيء، ويبدو أنهما -الآن- بصدد إخراج الأمر بصورة تخفف من المعارضة التي سوف يقودها تيار الإصلاح الإسلامي، حيث أصدر (الإصلاح) بيانًا يوم الأربعاء -قبل الماضي- انتقد فيه بقوة ممارسات الحزبين الحاكمين، وحملهما المسؤولية في التلاعب بإرادة الشعب، كما شنت صحيفة (الصحوة) المعبرة عن التيار الإسلامي هجومًا قويًا في عدد الخميس الماضي، ووصفت تأجيل الانتخابات وتمديد الانتقالية بأنه وسيلة لتوزيع ما تبقى من غنائم السلطة على الأنصار والمحاسيب، ومن المنتظر أن يتم هذا الأسبوع تحديد كامل للصورة التي ستكون عليها المرحلة القادمة التي يتوقع كثيرون أنها ستشهد من الحوادث ما يجعل تمديد الفترة الانتقالية أمرًا غير مستبعد.

الرابط المختصر :