; أصالتنا هي طريق الخلاص | مجلة المجتمع

العنوان أصالتنا هي طريق الخلاص

الكاتب نجم الدين أربكان

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يونيو-1981

مشاهدات 67

نشر في العدد 533

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 16-يونيو-1981

إن الصفة الغالبة التي تجلت بها أمتنا عبر التاريخ هي الإيمان بالعقيدة.. إن أمتنا قد أخذت مكانها دائمًا في طريق الحق والعدل.. ناضلت أمتنا في هذا الطريق، وحاربت فيه.. في فطرتها تندرج أعلى درجات الأخلاق والفضيلة.. في فطرتها تستقر أسمى الخصال الإنسانية، لقد أبرزت هذه الخصال نفسها، عبر تاريخنا. لم تكن أمتنا تستهدف أبدًا المنفعة الماديةلم يحدث هذا، قط إنما كانت تضع نصب عينيها ودائمًا الحق والعدل.

ورغم هذا، فإن في أمتنا اليوم ما هو مخالف لفطرتها من الناحية الأخلاقية، وهذه الأعراض إنما ظهرت من جراء تلك التأثيرات المؤقتة على فطرة أمتنا من خارجها للأفكار المخالفة لما جبلت عليه أمتنا ونتيجة للتأثيرات المؤقتة والعارضة الوافدة من الخارج، كما أنها نتيجة من نتائج السياسات التعليمية الفاشلة.. إن أمتنا لم تخدم فقط الأمم الكثيرة التي ظللتها بحمايتها، بل خدمت كذلك الإنسانية كلها، عندما أخذت على عاتقها نشر العدالة في الساحة العالمية لمدة طويلة عبر القرون الطوال، وحصلت أمتنا في هذا الميدان على نتائج إيجابية.

هذه الأمة تقف اليوم وجهًا لوجه أمام مشكلات أخلاقية من بعض الوجوه، وإن هذا الموقف من الأمة لا يكمن في جرم ارتكبته، لكنه يكمن في هؤلاء السياسيين الخالين من الفكر والنظام والذين يريدون أن يدفعوا الأمة إلى سبل مخالفة لفطرتها.

وإذا كان جزء من شبابنا اليوم مبتعدا عن قيمنا الأصلية، مندمجا في حركات الفوضى والشغب السياسي، وإذا كان جزء آخر من شبابنا اليوم قد انساق إلى تيار "الهيبيز" وطرز الملابس وأساليب الحياة الرخوة غير الجادة، وإذا ظهر هؤلاء بمظهر لا يكن احترامًا لقيمه ولا لأم ولا لأب، فإن سبب كل هذا يكمن في تلك الرغبة في الزج بأمتنا ذات المثل الأعلى وذات الخلق والمعنويات الخاصة بها.. الزج بأمتنا إلى الماديات بالقوة في مخالفة لفطرتها.

وإذا ما كنا اليوم نشكو من الرشوة ومن الوساطة، وإذا ما كان عدم الاستقرار يسود حياتنا التجاريةوإذا كانت إمكانات الاستغلال والاحتكار والكسب الحرام موجودة فإن كل هذا ما هو إلا نتيجة للجروح التي فتحتها هذه الذهنية الفاسدة التي لا تعطي قيمة للنظام الأخلاقي في بنية مجتمعنا، وهي بنية سليمة الأصول.

إنه من السهل إزالة هذه الظواهر المؤقتة التي ترفضها الأغلبية الساحقة من أمتنا، لكن هذا الأمر إنما يكون مرتبطًا بظهور حكومة مناسبة بمعنى الكلمة لتكوين الأمة الفطري ولنظرتها الوطنية الأصلية.. إن حل مشاكلنا إنما ينتظر هذه الحكومة.

طريق الخلاص

من الممكن أن تصبح تركيا المستقبلبعد التخلص من آلامها التي أوجزناهابلدًا عظيمًا وقويًا.. إن هذا يسير، بل إن هذا قريب.. إننا ننظر إلى المستقبل بثقة وإيمان رغم كل الظواهر السلبية.. إن أمتنا لم تقع في أي يوم من الأيام فريسة لليأس.. في داخل أمتنا يكمن العزم والإرادة والقرار والإيمان والقوة المعنوية وهذا من شأنه أن يأخذ بيد نهضتنا ذات الشطرين المادي والمعنوي إلى الفلاح.. من الممكن النهوض ماديًا لنصبح من أكثر دول العالم وأقواها تقدمًا في الصناعة والتكنولوجيا، وكما أن هذا أمر ممكن، فإن النهوض معنويًا أيضًا، وإفادتنا من النظام الأخلاقي النموذجي للعالم والقائم على الفضيلة أمر ممكن أيضًا ويسير.

إن إقامتنا لمزيج بصير ومصيب لحركة نهضة ذات نظرين مادي ومعنوي وإمساكنا بالمشعل لإنسان القرن العشرين الذي يضطرم في أتون المشاكل والآلام لأمر ممكن بعناية الله.

الأفكار الرئيسية المضادة لفكرنا الأصيل

منذ عام ١٩٤٦ بدأت بلادنا عهد تعدد الأحزاب.. احتلت أحزاب مختلفة منذ ذلك التاريخ أماكنها في حياتنا السياسية.. ظل البعض منها ممتلكًا لزمام سلطة الحكم لأعوام طويلة.

إن أمتنا بهذا الشكل قد لمست، بل جربت بنفسها هذه الذهنيات المختلفة التي تربعت فوق دفة الحكم في البلادكيف دفعت البلاد إلى طرق كادت أن تودي بها، وساقتها إلى مشاكل أغرقتها.. إن فترة تعدد الأحزاب قد بلغت اليوم ربع قرن من عمرها وخلال هذه الفترة اكتسبت أمتنا تجارب عدة وأثناء هذه الفترة اهتمت أمتنا اهتمامًا كبيرًا بحركتين قديمتين وبأخرى جديدة.

في الخمسين سنة الأخيرة مرت تركيا بفترتين سياسيتين كل منهما دام خمسة وعشرين سنة.

في فترة الخمس والعشرين سنة الأولىوهي فترة الحزب الواحد.

في فترة الخمس والعشرين سنة الثانيةوهي فترة تعدد الأحزاب.

لكن لهذه الفترة الثانية خاصية معينة أنها متعددة الأحزاب لكن المتحكم في الجميع ذهنية واحدة تستطيع تكملة أحزاب كما تشاء، ولكن بشرط أن تقدم فكرًا في أطر تقولبت من قبل.. هذه هي في الواقع الفعليات والتطبيقات.

قامت في بلادنا منذ ٢٥ سنة أحزاب متعددة.. إن الأحزاب وإلى وقت قريب كانت تطرح مسألة أنها أحزاب ولا مبدأ وإنما هي أحزاب جماهيرية، لكن مع الوقت قامت حياتنا السياسية بتغيرات في بنيتها وانحلت الأحزاب الجماهيرية تلك التي لعبت الدور الأساسي في حياتنا السياسية إلى عهد قريب وأصبحت مجبرة على ترك مكانها للأحزاب ذات الفكر، والتي تدور مبادئها حول نظم.

ونتيجة لهذا التطور، ظهر عندنا اليوم- مثلما يحدث في البلاد الأخرى التي تدار بالطريق الديمقراطي ثلاثة أحزاب رئيسية وثلاثة أحزاب كبيرة تمثل هذه الأفكار:

1- الفكر الوطني.

2- الفكر الليبرالي.

3- الفكر اليساري.

أما هدف الفكر الوطني وغايته الأساسية فيتمثل في الوصول بالأمة إلى بر السعادة والسلامة معنويًا وماديًاوفي سبيل ضمان نهضتنا المعنوية يعتقد الفكر الوطني أن تكون الأمة كلًا واحدًا لا يتجزأ، يتجمع حول الشعور الوطني والغايات الوطنية وفي وضع ضمان محقق لحقوق الإنسان وحرياته، وفي تحقيق السلام الداخلي في إطار من النظام الديمقراطي، تحققًا كاملًا وبالمعنى التام، وفي تأمين وحدة الدولة والأمة، وفي تطور الوجود المعنوي للإنسان الذي يجد التعبير عنه في المادتين العاشرة والرابعة عشرة من الدستور، وكذلك في اتخاذ النظرة المعنوية والأخلاقية التي تقبل بضرورة نظام اجتماعي يستند إلى الأخلاق والفضيلة

إن فكرنا الوطني يؤمن أيضًا بضرورة التحرك بشعور يفيض بالإيمان والعزم نحو الأمام دائمًا، وضرورة أن تتحرك الأمة وتجبل على تقاليدنا وعرفنا المرتبط بماضينا وتراثنا، وأن تفخر الأمة بتاريخنا العظيم الشأن، لكي يمكن لأمتنا إقامة مدينتها النموذجية بحيث تسمو في كل ناحية من نواحيها فوق كل مدينة معاصرة لها، ولكي يمكن لأمتنا ضمان نهضتنا المعنوية.

إن الغاية الرئيسية لفكرنا الوطني في الإطار المادي هي الوصول بأمتنا إلى أكبر مستوى متقدم في السباق المدني.

وفي سبيل تأمين هذه النهضة المادية ينبغي أن يكون الأساس هو ضمان الرفاهية للمجتمع، وللفرد والعمل على تحقيق مستوى حياة يليق بشرف الإنسانية لكل فرد كما هو مطروح في الدستور، والحث على الكسب الحلال، وعلى تحقيق الفعالية وزيادة النشاط، واحترام حق الملكية.

وبهذا الهدف، تقوم نظرتنا الوطنية على:

  • إلغاء الإسراف.

  • ترك كل أنواع الاحتكار والنظام الربوي.

  • تحقيق النهضة والعمل على انتشارها بالعمل على التصنيع السريع.

  • إعادة تخطيط الضرائب وإرجاعها إلى أسس بسيطة وعادلة.

  • تحقيق نظام مثمر من شأنه ضمان مكان للمجالات الأكثر حيوية في الاقتصادية والنهضة الاجتماعية وحسن توجيه المال المخزون، وتوجيه الإمكانات تبعًا لها.

  •  تحقيق هذا النظام وتنفيذه.

إن نظرتنا الوطنية تؤمن بضرورة القيام ببذل الجهد في سبيل النهضة ضمن روح وثابة، وحب، وشعور وطنيوتدعو نظرتنا الوطنية أمتنا العزيزة إلى العمل في إطار من وحدة القلب والساعد، من أجل تحقيق هذه الغايات التي هي كل واحد غير قابل للتجزئة.

الفروق الرئيسية بين نظرتنا الوطنية وبين النظرات الأخرى

النظرة الوطنية هي روح أمتنا ومعناها أمتنا التي قامت عبر تاريخها المظفر بفتح إستانبول، وبذلك أغلقت ..بدأ تاريخيًا وفتحت آخر، أمتنا التي حاصرت فيينا وحققت انتصار معركة الدردنيل، وحاربت حرب الاستقلال خيرًا هي أمتنا التي أظهرت الخوارق الهائلة مرة أخرى لقبرص.

إن أمتنا ترى نفسها في النظرة الوطنية، حيث تجد فيها..بحثه عنه، وبنيتنا الوطنية تمثل فيها.

في مقابل هذه النظرة الوطنية، تأتي النظرة اليسارية هذه تستلهم نبعها من النظريات الاشتراكية العقيمة التي تحدد الحريات في الغرب الذي لم يجد الطريق الصحيح في تاريخه كله.

أما النظرة الليبرالية، فتستقى إلهامها من النظريات الرأسمالية الربوية الحادة والمستغلة.

إن النظرة اليسارية والنظرة الليبرالية تعتمدان على توابع أجنبية تسللت إلى بنيتنا الوطنية لكن هذه العناصر تسللت إلى كياننا فيما بعد، لم تستطع ولله الحمد.. إن بنيتنا سليمة، وهذه التأثيرات مؤقتة أتت.

أما النظرة الوطنية فهي الرداء الطبيعي الذي يوائم بنية أمتنا، ومثل النظرة اليسارية أو الليبرالية كمثل من يرتدي ملابس غيره.. أكمام ملابس الغير تصبح قصيرة على الشخص الآخر، أو أن ثنية بنطلون الغير تصل عند الشخص الآخر إلى ركبتيه فقط.

كما أن النظرتين اليسارية والليبرالية قد أهملتا الجانب المعنوي للإنسان ووضعتا كل ثقلهما في النهضة المادية فقط، إذن فقد بعدتا عن إجابة الاحتياج الوطني.. إننا موقنون بأنهما لم تعطيا الثقل المطلوب للمعنويات والأخلاقيات المنصوص عليهما في المادتين العاشرة والرابعة عشرة والمواد الأخرى المتعلقة بذلك في الدستور.

من هذا يتضح لنا أن النظرتين اليسارية والليبرالية نظرتان ناقصتان على ذلك فلا يمكنهما تحقيق السعادة والسلامة للأمة ذلك لأن أساس السعادة والسلامة إنما يكمن في الأخلاق والمعنوياتلذلك فإننا أخدنا طريقنا ونحن نحمل راية الأخلاق والمعنويات أولًا وقبل كل شيء.

إن النظرة الوطنية تمثل الطريق الصحيح، الطريق الحق.. أما النظرتان اليسارية والليبرالية، فإنهما تمثلان الطريق الباطل.

الرابط المختصر :