; التاريخ الإسلامي .. رصد مساره وسبر أغواره (٥) .. أصول الحضارة الغربية | مجلة المجتمع

العنوان التاريخ الإسلامي .. رصد مساره وسبر أغواره (٥) .. أصول الحضارة الغربية

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر السبت 07-يونيو-2008

مشاهدات 59

نشر في العدد 1805

نشر في الصفحة 44

السبت 07-يونيو-2008


·        من العجيب أن تهمل الحضارة الغربية النبوات رغم أنها ملأت الساحات الأرضية بأحداثها والحياة الإنسانية بآثارها وشغلت الأحياء بمراميها

الحضارة الغربية موروث خليط من الحضارة اليونانية (الإغريقية) والرومانية Greco-Roman بالإضافة إلى ما أخذته من المسيحية، فالفكر والفلسفة والنظرة إلى الكون والحياة والإنسان جذورها يونانية رومانية والعلاقة بين الإنسان وغيره هو الصراع والعداء([2]).

ومن النصرانية طقوس دينية تغلب الوثنية على كثير من جوانبها وهذه الحضارة اليونانية الوثنية هي التي حملت إلى الفكر الحديث عقيدة الصراع التي افترضوها بين الآلهة، ومن الرومانية تبنت القوة الباغية وغلبت الانفلات والانحلال والفوضى الأخلاقية (ومنها الجنسية).

والفساد الخلقي، والتحلل في العديد من جوانب الحياة، لاسيما العلاقات الاجتماعية مما يهدد الكيان الأسري، الأمر الذي جعل البابا يندب الحظ العاثر أمام الخطر الماثل ويحذر منه، مما جعل العديد من المتنافسين في دول الغرب يضعون العناية بالأسرة في برامجهم الانتخابية (كأمريكا، وإسبانيا، وبريطانيا)، كما غلب التعلق بالمتع الحرام والبحث عن المصلحة الذاتية بأنانية مفرطة موغلة([3])، وإن تقننت خلال مؤسسات وفرضت بالقوة أو التقنية التي تملكتها وبزمام السياسات التي سطت عليها([4]).

انظر إلى الغرب كيف تتردى إنسانيته رغم ما بلغه من الترف والرفاهية وتوفر أسباب العيش، وما تحقق له من ديمقراطيات، وهذا ما حذر منه- منذ عقود- الكثير من عقلائهم([5])، من أمثال الفيلسوف الإنجليزي اللورد: برتراند راسل (۱۹۷۰ –Trand Russel Lord Ber)

الحسنات المحفوفة المهددة

إذن فجذور الحضارة الغربية -عدا العلم والتقنية- قادم من تلك الحضارات القديمة بينما نجد كل ما فيها من ميزات علمية أو اجتماعية أو معنوية جاءها من خارجها وتحديداً من الحضارة الإسلامية، وبها بنت مدنيتها وحضارتها وامتلكت العلمية وتقنياتها وأساليبها ، لكن لأنها نقلت بغير مقوماتها وجذورها ومحاضنها، مستبدلة ذلك -جوًا وبيئة، وتراثًا- من تلك الحضارات الأخرى، ففقدت الكثير جدًا من وجهتها الخيرة وسمتها الكريم وروحيتها الإنسانية، فتأذت وآذت، ولربما يأخذها إلى الهاوية ويوصلها إلى حتفها.

كيف تكون المقارنة؟

لكن هذه المقارنة تكون مع الإسلام والمجتمع الذي يبنيه وبناه، وقام بهذه المعاني والصيغ والصبغ لقرون، والأمل -إن شاء الله- أن يتكرر ذلك في صولات وجولات قادمات ليرى الناس بأعينهم رأي العين هذا المجتمع الذي يبنيه الإسلام ويحقق به الحضارة الإنسانية الحقة، وفي التاريخ من الأخبار الموثقة ما يغطي مساحات واسعة لا تعد ولا تحصى، أشاد بها كثير من الدارسين الغربيين.

ومن يأخذ بهذه الألوان من الفهم من النظريات المتوهمة، ويجعلها مسلمة ويتخذها ميزاناً ومقياساً، كيف يمكنه أن يفهم حركة التاريخ الإسلامي - وأي تاريخ- وأن يفسره؟ وهو نفسه لا يعرف غير المعتقدات المظلمة والدوافع المبهمة، وحتى لو صدقت تفسيراته أو صحت على قوم في مثل معتقده ومتبنياته الفكرية والسلوكية، فإن الواقع يكذبه

أما أهل العقيدة الإسلامية وشريعتها الربانية فقد جروا على فهم سليم وصلة بهدي رسالة الإسلام([6])، ومهما بلغت العقول والمعرفة في أي عصر ومصر فلا يمكن أن يصل إلى ما وصلوا إليه([7])، وعليه فلا بد من الأخذ بمنهج الله ليهتدي الباحث في فهمه وتفسيراته، والله أنزل هذا المنهج للبشرية لأنها بحاجة إليه لا يمكنها أن تحيا كريمة بدونه وبه تؤدي حق الله عليها بتعبيد نفسها له سبحانه فتؤدي حق الربوبية والألوهية حاكمية وعبودية ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الزخرف:٤٣).

فهم التاريخ وتفسيره

إن قوة الفهم الإسلامي للتاريخ والحياة لتلغي وتبطل وتُكَذِّب كل التفسيرات من خلال تطبيقاته، وليس من خلال مقولاته فقط، وهذا ما تعجز التفسيرات المادية الجاهلية الضالة أن تفهمه أو تفسره، ناهيك عن أن تقبله.

والذي يقف موقف مسلم ينظر من مرتفع ارتقاه، بثبوت وقوة ورسوخ، يستطيع أن يرى التحركات الأخرى وليس كالذي يقف على السفح الهابط المغلق، وهذا في حالة حسن الظن بأهل الاتجاهات الأخرى وهي التي أهملت النظر والحديث بأمور وأحداث رغم أهميتها وسعتها وأثرها: لأنها معادية لها.

أليس من العجب العجاب أن تهمل النبوات وهي التي ملأت الساحات الأرضية بأحداثها والحياة الإنسانية بآثارها وشغلت الأحياء والأشياء بمراميها . كيف لمثل هذا المنهج (أو المناهج)([8]) الذي أهمل -بل ألغى- هذا كله، أن يتولى تفسير التاريخ - أي تاريخ- بله التاريخ الإسلامي، بعد أن أعدم، عن عمد أو جهل أو تخلف القيمة الحقيقية للحياة والأعمدة القوية لقيامها والميزان الحق لسيرها ثم لفهمها([9])، ومن لم يؤهل المسح هذه الحقائق والوقائع والمجريات - نسيانًا أو إهمالًا أو تحيزًا- كيف يكون مؤهلًا لتفسيرها؟!

وهذا يقود إلى القول بأنه لا بد من منهج، ليس من صنع الإنسان بل من خالقه يبين الصواب ويوضح الحقيقة ويحدد الطريق، يعود الناس إليه دومًا ويكون هو الميزان الذي لا يخطئ ولا يزول، حتى لو خالفه الناس أجمعين، إن أعرضوا عنه يوماً عادوا إليه لا محالة إذ لا يستمد صحته وصوابه وأحقيته من كثرة الأتباع، أو من سطوة الموقع وتأثيره، أو من توافر الإمكانيات وامتلاك وسائلها التطويعية والتطبيعية المطاعة، بل إنما يستمد تلك الأحقية مما يمتلكه ذاتيًا، وهذا لا يتأتى إلا لمنهج أنزله الخالق وهو العليم الغني الكريم، وهذا نفسه يجعل الانحراف طارئًا، والأصل الاستقامة عليه، وبه يتم تفسير المسيرة التاريخية للمجتمع المسلم في ازدهاره، حين الاستقامة عليه والخسارة حين الانحراف عنه، وبه يعرف الحق والصواب وكرامة التوجه والمنهج، وقيمة هذا المنهج الذي إذا ما زل عنه المجتمع أو انحرف تقوم دعوة للعودة، لاستئناف حياته الكريمة الفاضلة المتحضرة، وفي ظله يعبدون أنفسهم لله ولا يبتعدون عنه ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء:٩).

ضرورة المنهج ولزومه

وذهاب هذا المنهج وانحساره من واقع الحياة في العصر الحاضر كان-بصورة رئيسة- بسبب تكالب الأمم المعادية وذيولها عليه الحديث الشريف الذي أخرجه أحمد وأبو داود: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها» قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولَيَنْزعَنَّ الله المهابة من صدور أعدائكم، وليَقْذَفَنَّ في قلوبكم الوهن»، قالو: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت»، وهذا ما أخبر به الرسول وهو من معجزاته، وهذا ما جرى في الأندلس تماماً لمن يعرف ذلك التاريخ، ولكن لابد بعون الله أن يكون المستقبل للإسلام الذي هو دين أهل الأرض مستقبلاً لا محالة، كما بين الله تعالى في القرآن الكريم في عدة آيات من مثل ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف:١٢٨) وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء:١٠٥).

وهناك آيات أخرى كثيرة مبثوثة في القرآن الكريم وأحاديث متعددة، بل إن طبيعة الإسلام نفسه تفصح عن ذلك بوضوح تام تثبت القراءة الواعية أن الله تعالى أنزله وبعث به الرسول الكريم ، وجاهد من أجله وضحى ليقيم مجتمعه لهذا الغرض والهدف الحق، والأمر كما أخبر بذلك الرسول الكريم في أحاديث عدة منها ما أخرجه مسلم: «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ...» وهي الغربة الثانية، أي سيعود للانتشار كما كان في الغربة الأولى وانتشر بعد ذلك، لأنه دين أهل الأرض في كل زمان ومكان.



([1]) أستاذ التاريخ الإسلامي والأندلسي وحضارته.

([2]) انظر: كيف نكتب تاريخنا الإسلامي، ١٤٠ رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر ٤٦ وبعدها، في ظلال القرآن، ٣/١٢٦٢-١٢٦٣ وهو واضح في أساطيرهم وآلهتهم: زيوس (Zeus) وبروميثيوس (Prometheus) وإيبيميثوس (نعوذ بالله تعالى الواحد الأحد الفرد الصمد).

([3]) قرأت منذ سنين أنهم كانوا يتقيأون ما يأكلون ليعودوا للأكل مستمتعين.

([4]) قارن نفسه، ۱۳۵، وقد مرت بعض تلك المعاني بصيغ أخرى بما يتناسب ومواقع الكلام في مكان أو أكثر من هذا المبحث الحالي.

([5]) انظر: الإنسان بين المادية والإسلام ۷۹، 85، 94-95، مذاهب فكرية معاصرة، ٦٤٥-٦٤٨

([6]) انظر: في ظلال القرآن، ٢/۸۱۱.

([7]) نفسه.

([8]) كلها ذات سمات متقاربة، وإن اختلفت مشاربها أو آمالها ومثقلاتها، هو البعد عن منهج الله تعالى، فأولى وصف لها أنها جاهلية مجتمعة مع جاهليات التاريخ المتباعدة أو المتقاربة.

([9]) قارن في ظلال القرآن ٢/۸۱۲.

الرابط المختصر :