العنوان أطفالنا والتليفزيون!!
الكاتب ابتهال قدور
تاريخ النشر الثلاثاء 31-مايو-1988
مشاهدات 67
نشر في العدد 868
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 31-مايو-1988
من أكثر المواقف انحطاطًا وتناقضًا هو تلك الحلقات التي تكون بطلتها ممثلة أو راقصة لكي تعلم الفضيلة والقيم!!
من الأفضل أن يتعلم الأطفال أن الدافع الأول للبطولة هي كلمة: الله أكبر.
في الموعد المحدد نادت الطفلة الكبرى أختها الصغرى بلهفة: "تعالي، أفلام كرتون!" وجرت الصغيرة لتأخذ مكانها إلى جانب أختها أمام جهاز التلفزيون، ودار المشهد التالي مرفقًا بتعليق من المقدم:
تذهب الأم إلى الساحر وتطلب منه أن يكون لها طفل. ويشفق الساحر على حالها لأنها لا تُنجب أطفالًا، ويعطيها حبة قمح ويقول لها: "اغرسيها وانتظري حتى العام القادم." وفي العام القادم تتحول حبة القمح إلى طفلة جميلة. ويستمر العرض إلى النهاية.
وأُفاجأ بطفلتي الصغيرة تقول: "أمي، لماذا لا تذهبين إلى الساحر وتطلبين منه أن يعطيك طفلة جميلة مثل هذه؟"
وحين هممت بالإجابة ردت عليها أختها: "الساحر لا يعطي أطفالًا، الله فقط يعطي الأطفال." وترد الصغيرة: "ألم تري كيف أعطى الساحر طفلة جميلة لتلك السيدة؟" وتجيبها الكبرى: "ولكن هذا الساحر قد مات وليس موجودًا الآن."
واستمعت لهذا الحوار البريء مبتسمة، ولكن ما لبث أن دب القلق في نفسي، القلق على أطفالي من هذه الأفلام الموجهة إليهم. حتى هذه أصبح من الضروري مراقبتها؛ لأنها تبث شيئًا خطيرًا للأولاد.
وأقل من هنالك أن الصور المتحركة قلما تربط الوقائع بالخالق.
. محاولة للسيطرة على الجهاز:
التلفزيون... هذا الجهاز الصغير بحجمه الكبير يفعله. حين قررنا إدخاله إلى البيت كان ذلك خوفًا من أن يشعر الأطفال بنقص، أو أن يصبح في أعينهم تحفة جميلة يتوقون للحصول عليها. وكان الاتفاق على أن تكون في البيت مراقبة شديدة لما يجب أن يُشاهد وما لا يجب أن يُشاهد. وحصل هذا فعلًا واستطعنا التحكم فيما نريد أن نشاهده وفيما لا نريد، وتم تخصيص أفلام كرتون للأطفال بالإضافة إلى بعض البرامج التعليمية والتثقيفية.
. غزو فكري ذكي لأطفالنا!!
وأستطيع القول: إنني حتى الآن نجحت في خطتي وألاحظ هذا عندما تظهر على الشاشة صورة المطربة تغني فتندفع الصغيرات إلى الجهاز لإيقافه. ولكن بعد أن ظهرت الكثير من التساؤلات حول نقاط غريبة في هذه الأفلام رحت أتساءل: إذا لم يكن من الضروري مراقبة هذه الصور المتحركة أيضًا. واسترجعت بعض الأفلام التي علقت بذاكرة الأطفال وما زالوا يذكرونها إلى الآن مثل السنافر والشناكل. ولو تذكرت معي أخي القارئ تلك الحلقات لوجدت أنها كانت عبارة عن فيلم أجنبي خليع أو عربي، ولكنها على صورة مصغرة وشائقة.
السنفور الصغير يحب السنفورة الجميلة ويبتدع الحيل لكي يراقصها أو يُقبلها، فهي محط أنظار جميع السنافر. هذا بالإضافة إلى الحفلات الراقصة التي كثيرًا ما كانت تظهر بمناسبة أو بدون، وهذه الحفلات لم تكن تختلف عن الحفلات الصاخبة التي يكون أبطالها من الناس عادة.
وكانت تتردد على ألسنتهم عبارات سخيفة مثل: «يا ألطاف السنافر» بدلًا من أن تكون «يا ألطاف الله».
. النموذج غريب عن التاريخ والواقع:
هذا بالإضافة إلى الأفلام القصيرة التي تظهر فيها القطة على أعلى مستوى من الأناقة وبرموش طويلة وجميلة وكعب عالٍ تتمايل لتخطف قلب القط. ويجلس الأطفال لكي يتعلموا أشياء ليست في برنامجنا.
إنني متأكدة تمامًا أن الرقابة الإعلامية لا تضع أفلام كرتون ضمن البرامج التي يُجرى عليها المراقبة، لأننا حتى في بيوتنا لا نفكر أن نراقب مثل هذه الأفلام.
أما بالنسبة للأفلام البطولية الأخرى مثل خماسي وجريندايزر و... فأريد أن أسأل لماذا تكون مثل هذه الأفلام لشخصيات خيالية لا وجود لها، بينما يزخر تاريخنا الإسلامي بشخصيات لا تقل شجاعة وبطولة عن البطل الخماسي. سُئل الأطفال يومًا من يعرف شخصية تاريخية كانت مثالًا للبطولة والشجاعة فأجاب أحد الأطفال: "إنه جريندايزر!!"
أليس الأفضل أن يتعلم الأطفال أن الدافع الأول للبطولة هي كلمة: "الله أكبر" وأن تأثيرها أفضل وأقوى من العبارات المترددة في مثل هذه الأفلام.
. القدوة راقصة!!
وإن من أكثر المواقف انحطاطًا وتناقضًا هو تلك الحلقات التي تكون بطلتها ممثلة أو راقصة حسناء، وتأتي بأجمل صورها لكي تعلم الأطفال الفضيلة والقيم! وبطريقة راقصة... ربما! أقول ربما كان هذا أحدث أسلوب لبث القيم والفضيلة في أنفس الأطفال وأنا لست أدري. ولكنني أذكر جيدًا إنني قرأت يومًا في إحدى الجرائد أن البرامج الموجهة للأطفال في أمريكا قد أصبحت مشكلة لأن الممثلة التي ستقدمها أصبح من المفروض عليها أن تلتزم بأخلاقيات معينة على مستوى حياتها الاجتماعية كأن تمتنع عن ارتياد الخمارات، وإنما تحافظ على قيم عالية لكي يتقبل الأطفال منها ما تقول، وإلا فإن مثلهم الذي سيعتبرونه الأعلى سينهار. هذا آخر ما توصلوا إليه. فماذا عن صفاء أبو السعود التي كانت تقدم برنامج زهور من نور؟ ماذا عن رقصها ونحن نعلم بناتنا أن الرقص أمام الملأ حرام؟ ماذا عن لباسها ونحن نهيئهم لتقبل الحجاب والاقتناع به؟ ماذا عن أغنيتها التي تقول: "البنات ويا البنين في الصفوف منتظمين" بينما نعلم أطفالنا أن البنات لوحدهم والبنين لوحدهن؟ ثم نذهب لنعلمهم أن الكذب لا يجوز والسرقة حرام... إلخ.
. أطفالنا يسألون:
وتسألني صغيراتي هل سيدخلها الله إلى النار أم إلى الجنة؟ إن قلت إلى الجنة فستصبح القدوة. وإن قلت إلى النار فسيقولون ولكنها جميلة ومحبوبة. وإن قلت لا أعرف سأتركهم في حيرة! لم يكن أمامي إلا القول: إنها مسلمة وتحب الله ولكنها لا تطيعه فأفعالها حرام ولكن ربما يهديها الله، قولوا: "الله يهديها". ورحت أتعمد تلهيتهم لكيلا يروها مرة أخرى.
. تناقض رهيب!!
وتساءلت أيجب أن يعيش أبناؤنا هذا التناقض الرهيب بين ما يسمعون وما يرون؟ أو بين ما يقال في البيت وما يقال خارجه؟ ولمصلحة من سيكون هذا الوضع؟
نعم، لمصلحة من سوف نستمر في وأد شخصية أطفالنا الذين هم عجينة بين أيدينا! إن الطفل لديه من المقدرة على التسجيل والتقليد الشيء الكثير، فكيف يمكن الحصول على طفل ذي شخصية قوية إذا كانت النماذج أمامه تنهار أو كانت القدوة لديه تقول ولا تفعل، أو كانت تبيع دينها بعرض من الدنيا؟ ولماذا لا يكون هناك مراقبة إعلامية لبرامج الأطفال؟
ألا يجب أن نخاف على صغارنا كما نخاف على الكبار، إن لم يكن خوفنا على الصغار أكبر لأن فيهم يتم بناء الأسس الأولى؟
. نداء إلى كل أم:
وإلى كل أم أقول: أختي الأم لا تتركي أبناءك أمام الصور المتحركة بمفردهم، فإن كانت مشاهدتهم لها لا غنى عنها فاجلسي معهم ونبهيهم إلى كل خطأ يرد فيها. وأجيبي على أسئلتهم بصراحة مقنعة، فالطفل رغم صغر سنه يعرف جيدًا أن يقتنع بما هو مقنع.
أعرف إحدى الأمهات تطلب من أبنائها في آخر الفيلم أن يعطوها الأخطاء التي وردت فيه والذي جمع أكبر نسبة منها له جائزة.
وهي بهذا تعلمهم أن ينقدوا الأشياء لا أن يستقبلوها كما هي وينساقوا معها. وإياك أن تتركيهم يقابلون الشاشة لساعات طويلة فأنت بذلك ستقتلين عندهم القيمة الفائقة للوقت وسينشأون ولا أهمية عندهم للساعات. حددي لهم وقتًا معينًا لمشاهدة ما يفيدهم فقط. وبالمقابل وكونك القدوة بالنسبة لهم لا تضعي الكثير من الوقت في مشاهدة ما هو غير مفيد.
أطفالنا عجينة لينة بين أيدينا، فلنُكوِّنهم كما نريد بل كما أراد الله لهم أن يكونوا. وأول ما يُسأل المرء عليه يوم القيامة جهالة أهله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل