العنوان أطفال من أجل الحرية (3)
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2007
مشاهدات 62
نشر في العدد 1754
نشر في الصفحة 39
السبت 02-يونيو-2007
إذا أردت أن تعرف مستقبل أمة من الأمم فانظر إلى أطفالها وصغارها وجيلها الناهض ثم إلى معلميهم ومربيهم وموجهيهم الذين يعلمونهم الفضيلة ويربونهم على الجد والنشاط وحب الريادة والإبداع ولا يكون هناك نشاط تربوي ولا تقدم حضاري، إلا إذا كان هناك قدوة وريادة وتدريب وعمل على النهوض والسيادة.
ويولد الطفل الغض على الفطرة، لم تتكون له عادة قبيحة ولا توجهات وقحة، أو خصال ذميمة بعد، ولهذا فإذا أحب أخلص ووفى، وإذا أعطى بذل وسخا وأقدم ولم يتوان، وقصة «أصحاب الأخدود» التي ذكرها الحق في القرآن الكريم ترينا كيف كانت صلابة الإيمان في قلب المؤمنين الموحدين الذين يقفون للظلم أعزة كرامًا، ولو نالهم ما نالهم، فالمؤمنون ومنهم الرسل منهم من يُقتل ومنهم من يُسجن، ومنهم من يهاجر من دياره، ومنهم من يعيش في كرب في أرضه ويكون متهمًا مضطهدًا، ولكن في ساعات الشدة تظهر العزائم، ويذهلك أن ترى النفوس تبذل رخيصة في سبيل الله وتختار الحريق على الخضوع لجبار عنيد، وتدهش أكثر فأكثر وأنت ترى الأطفال في ساعات الشدة أصلب عودًا من آبائهم وأمهاتهم.
يحكي الطبري في تفسيره عن الربيع بن أنس قال: كان أصحاب الأخدود قومًا مؤمنين اعتزلوا عبادة الأوثان، فأرسل إليهم ملك جبار من عبدة الأوثان فعرض عليهم الدخول في دينه، فأبوا، فحفر لهم أخدودًا في الأرض، وأوقد فيه نارًا، ثم خيرهم بين الدخول في دينه وبين إلقائهم في النار، فاختاروا الإلقاء في النار على الرجوع عن دينهم، وكانوا قريبًا من عشرين ألفًا، وقيل: إن النار ارتفعت أربعين ذراعًا في الجو أمام أعين المؤمنين، وألقى بهم في النار، فجاءت امرأة ومعها طفلها، فقيل لها، إما أن تتبعي دين الملك وإما أن يلقى بك وولدك في النار، فكأنها أحجمت وأشفقت على ولدها، فقال لها الصبي: أمي اثبتي فأنت على الحق، فإنما هي غميضة (يعني غمضة عين) ويضيع الألم فألقت بنفسها ولدها إلى النار.
ونزلت فيهم سورة البروج: ﴿قُتِلَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأُخۡدُودِ ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلۡوَقُودِ إِذۡ هُمۡ عَلَيۡهَا قُعُودٞ وَهُمۡ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ شُهُودٞ وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ﴾ (البروج: ٤-١٠).
وإذا نظرنا إلى تثبيت الطفل للأم في ساعة الشدة وفي موطن الرعب والهول الذي انخلعت منه القلوب، نعرف أولًا: أن الإيمان حينما تخالط بشاشته القلوب لا يهاب شيئًا في سبيل الله، وإن كان الضعف البشري قد يداعب النفوس لبعض الوقت.
وثانيًا: كيف كان الطفل هو الأسبق والناصح والمثبت للأم الشفوقة الرحيمة، وما أظن أن ذلك كان أمرًا عفويًا ، بل إنه يحمل دلالة على أن هناك تربية معينة ترتكز على إيمان عميق وصلة قوية بالله سبحانه وتعالى ورجولة واعتماد على الله ثم على النفس وعلى التضحية في سبيل الأهداف العليا، وأقرب مثل على ذلك تضحية إسماعيل عليه السلام وطاعته لأمر والده.
عن مجاهد وغيره من أهل العلم أن الله لما بوأ إبراهيم مكان البيت خرج إليه من الشام، وخرج معه إسماعيل وأمه هاجر، وإسماعيل طفل صغير، حتى وصل إبراهيم وزوجه إلى مكة، فقال له جبريل هنا مكان البيت ثم عمد إبراهيم إلى هاجر وإسماعيل فوضعهما وولى راجعًا وقال: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم: 37).
وعاشت هاجر في جوار البيت هي وولدها فلما بلغ السعي جاء إبراهيم لما رأى رؤياه لذبح إسماعيل، فقص على ولده الرؤية فقال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات: 102)، كم ينظر الإنسان إلى هذا الإيمان الأثبت من الجبال والأقوى من الرعود، ويتطلع إلى تلك الرجولة الفذة في هذا الطفل الذي يستهين بكل شيء مرضاة لله سبحانه، ثم تأتي رحمة الله سبحانه بالفداء لهذه النفس الطاهرة الأبية، ثم يأتي دور بناء البيت فيرفعه هو وأبوه وحدهما بدون ضجر ولا ملل، ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة: 127).
إنها الروعة والرجولة والتضحية التي يتقبلها الله سبحانه وتعالى.
ونحن في هذه الأيام نرى هذه النماذج الصغار تربى على مثل ما ألفه الصالحون وتقتدي بمثل ما سار عليه المخلصون بالتضحية والأمل، حتى تتحقق الأحلام وتأتي الحرية والسلام حين نسمعهم يرددون:
سوف نبقى هنا كي يزول الألم
سوف نحيا هنا سوف يحلو النغم
رغم كيد العدا رغم كل النقم
سوف نسعى إلى أن تتم النعم
سوف نرنو إلى رفع كل الهمم
بالمسير للعلا ومناجاة القمم
فلنقم كلنا بالدواء والقلم
كلنا عزم على أن نصارع السقم
فلنواصل المسير نحو غاية الأمل
ونكون خير أمة بين الأمم
سوف نبقى هنا كي يزول الألم
سوف نحيا هنا سوف يحلو النغم
ويعجبني من هذه الزهور هذا الإصرار القوي وذلك الأمل العريض والتفاؤل الكريم تعجبني تلك الروح الوثابة الشابة التي تدعو إلى الثبات حتى تتحقق الغايات ويسعد الناس، تعجبني هذه الريادة، وهذه النفوس الطموحة الطاردة لليأس والتخاذل وتتحدى المحن والأزمات وتضرب المثل، وأخيرًا أقول: بارك الله فيكم وصبر جميل والله المستعان وهو نعم المولى ونعم النصير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل