; هل من إحياء جديدة وعزمة أكيدة؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل من إحياء جديدة وعزمة أكيدة؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1996

مشاهدات 81

نشر في العدد 1227

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 26-نوفمبر-1996

     قيام قرية مثل المدينة في وسط الصحراء بصناعة أمة تملك الزمان والتاريخ والأصقاع- شيء عجيب مبهر، وقيام فرد في وسط وثنية وبداوة وجاهلية بتربية رجال وتنشئة جيل يحمل الهدى، ويقشع الظلام، ويزيل التخلف، وينطلق في المعمورة مبشراً بالظهر، وحاملًا للحضارة والنور شيء أشبه بالخيال والأساطير، وانبثاق شريعة وظهور عقيدة هادية فطرية تحيي الموات النفسي والعقلي والحركي، وتقود الناس إلى حضارة باقية مشعة في كل زمان ومكان شيء من المعجزات، وأمر من الخوارق الذي يتحدى صناعة البشر وقدرات الأدميين ومواعة هذه الهداية لكل أمة ومخالطتها لكل طبيعة، ومناغمتها لكل قبيل، ومناسبتها لكل زمان، وصيرورتها جزءاً من الناموس والنظام الكوني والحياتي الذي لا يستغني عنه الإنسان، ويجعلها مكونًا من مكونات صلاحه وديمومته على وجه هذا الكوكب وفي محيط هذه الحياة، شيء من الآيات والمعجزات، ولعل هذا هو ما دعا رجلاً مثل «توماس كاريل» أن يتعجب منبهراً من هذا الحدث الفريد فيقول: «خرجت جيوش رعاة الأمس تقتحم الأرض شرقاً وغرباً، وتفتح وتهدي باسم الدين الجديد، وفي خلال قرن واحد من الزمان قضت على القوى العظمى، وملكت الأرض من تحت أقدامهم، إنها معجزة ولولا أنها حقيقة تاريخية لقلت إنها خرافة أو خيال، لقد كانت صيحة محمد أشبه ما تكون بشرارة ملتهبة وقعت لا على كثبان كسولة من رمال الصحراء، ولكن على جبال من البارود الذي تفجر مرة واحدة، فعم نوره الآفاق من هضاب الهند وحتى سهول الأندلس».

    وليس هناك شيء أصدق في وصف فاعلية هذا المنهج وآثاره من قول الحق -سبحانه وتعالى- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (سورة الأنفال: 24) فكان هذا المنهج الرباني هو الإحياء الحقيقية لهذا الموات البشري المنتشر في صحراء التخلف والهجير العربية، وإحياءه هذا المنهج الفريد ظهرت في ثلاثة جوانب من النفس الإنسانية:

 أولها: في الإيمان العميق.

 وثانيها في العزيمة القاهرة .

وثالثها: في الرسالة الباهرة.

     أما الإيمان العميق: فقد ظهر في الاحتساب وبيع النفس والمال لله -سبحانه وتعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (سورة التوبة: 111) هي بيعة مع الله لا يبقى بعدها للمؤمن شيء في نفسه ولا في ماله ولا في شيء يحتجره دون الله -سبحانه- ودون الجهاد فيه؛ لتكون كلمة الله هي العليا، ولا يعترض هذا، أو يقف أمامه والد ولا ولد ولا زوج ولا أخ أو عشيرة، لأن هذا الإيمان لا يتحمل أن يكون له في القلب شريك أو أن يفضل عليه شيئًا: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ  (سورة التوبة: 24)، وهذا التجرد لا يطالب به الفرد وحده، وإنما تطالب به كذلك الجماعة المسلمة والدولة المسلمة، وليس المقصود ولا المطلوب أن ينقطع المسلم عن الأهل والعشيرة والزوج والولد والمال والعمل والمتاع واللذة، ولا أن يترهبن ويزهد في طيبات الحياة، كلا وإنما المراد أن يكون قانون الإيمان هو حاكم تلك العلاقة، وأن لا تكون هذه المفردات كلها غير متنافرة معه، فإذا تم ذلك فلا حرج عندئذ أن يستمتع المسلم بالأبناء والإخوة وبالزوج والعشيرة، وبكل الطيبات التي أحلها الله من الرزق، ولا عليه أن يتخذ الأموال والمتاجر والمساكن، بل قد يكون ذلك من الواجبات التي يؤمر بإحسانها، والسعي والدأب في تحصيلها، والإبداع فيها لإعفاف المسلمين وكفايتهم وقوتهم اقتصاديًا واجتماعيًا وعلميًا وحربيًا، والمؤمن مأمور بالسعي وعمارة الأرض، ونفع الناس وعدم الإفساد فيها، وإقرار الحق في جوانبها وأصقاعها، ولهذا كانت تضحيات المسلم وكان تخليه عن كل ما يلفته عن الغايات النبيلة والأهداف العظيمة إلى الفساد والإفساد والضلال ﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ﴾ (سورة البقرة: 205)، ولأن الله جعلهم قوامين على العدالة وعلى الحفاظ على إنسانية الإنسان؛ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰٓ أَن تَعْدِلُواْ ۚ وَإِن تَلْوُۥٓاْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (سورة النساء: 135)، وما كانت كل هذه التضحيات الإيمانية إلا لمحاربة الظلم، وقمع العدوان، وتخليص البشرية من الظالمين: ﴿وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ وَهَٰذَا كِتَٰبٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ (سورة الأحقاف: 12) صدق الله العظيم، فأي إيمان هذا الذي يقف في وجه الفساد والظلم، ويعمل الخير، ويدافع عن الحق بكل ما يملك، وإن ضحى في سبيله بجميع ما يملك.

     وأما العزيمة القاهرة: فهي عزيمة إيمانية لا يردها راد، ولا تمنعها قوة مهما عظمت عن قهر الفساد، وإزاحة الظلم، مهما تناءت البلاد، وبعدت ديار الظالمين، وما كانت هذه العزائم الإيمانية لتحارب الديانات ولو كانت فاسدة، وإنما كانت تحارب الظلمة من أصحابها والجبابرة من أتباعها الذين أذلوا العباد، واستعبدوا البشرية تحت أسماء دينية وصكوك كهنوتية؛ لأن المؤمن مأمور بتركهم وما يدينون به وبمعاملتهم معاملة حسنة: ﴿وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ ۖ (سورة العنكبوت: 46)  ولهذا ذهب المسلمون لمطاردة الظلم حتى وصلوا الأندلس وفرنسا في قلب أوروبا، وقد ذهب طارق بن زياد بثلة من الجيش المسلم لم تتجاوز الأربعة آلآف، ولكنهم بعزيمة إيمانية تقتلع الجبال، فحرق سفنه فور وصوله إلى شاطئ الأندلس، ثم خطب في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس أين المفر البحر وراءكم والعدو أمامكم، وليس لكم -والله- إلا الصدق والصبر، وليكن حظكم ثواب الله على إعلاء كلمته وإظهار دينه، إلى أن قال: واعلموا أني أول مجيب إلى ما دعوتكم إليه، وأني عند ملتقى الجمعين حامل بنفسي على «لزريق» كبير القوم فقاتله -إن شاء الله- فاحملوا معي، فإن هلكت بعد قتله فقد كفيتم أمره، ولم يعوزكم بطل منكم عاقل تكلون أموركم إليه، وإن هلكت قبل وصولي إليه، فاخلفوني في عزيمتي هذه، واحملوا بأنفسكم عليه، واقتلوه فإن القوم بعده يخذلون، ثم حمل على القوم فانهزموا، وفتحت البلاد، وانقشع الظلم، وعم الإيمان، إنها العزائم.

     وأما عن الرسالة فهي الهداية والأخوة والرحمة والعدالة والصراط المستقيم والتعاليم السامية التي حملها المسلمون؛ ليؤمن بها من شاء، ويهتدي بها من يريد من غير جبر ولا قهر ولا أذى؛ ليسود العدل والمعروف والإحسان، وقد حذرهم الله من الظلم والطغيان، فقال -سبحانه- ﴿وَسَكَنتُمْ فِى مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلْأَمْثَالَ﴾ (سورة إبراهيم: 45) واليوم يا أخي ماذا نحمل من هذه الصفات الإيمان والعزيمة والرسالة، وهل اجتنبنا الظلم والبغي والظلمات؟ وهل فقهنا الأمثال التي ضربت لنا؟ وبعد، فهل نستمع لقول ربنا من جديد، ونستجيب لدعوة الإحياء القادمة من قريب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (سورة الأنفال: 24) نسأل الله ذلك.

الرابط المختصر :