العنوان «المجتمع» تستطلع آراء المراقبين وقادة المجاهدين والسياسيين في: اتفاق السلام الأفغاني
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1993
مشاهدات 60
نشر في العدد 1043
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 23-مارس-1993
إسلام آباد: جمال
إسماعيل
بعد ما وقع اتفاق السلام بين فصائل
المجاهدين الأفغان في إسلام آباد، ووقعت عليه كل من باكستان والسعودية وإيران كدول
ضامنة لتنفيذ بنوده كما اتفق عليها، بدأ الكثير من الناس يتساءلون عن هذا الاتفاق
وموقف الجهات الأفغانية وغيرها منه، وهل سيتم تنفيذه وما فرص نجاحه؟ كما أن البعض
لا يزال يتخوف من أن يكون مصير هذا الاتفاق كغيره من الاتفاقات السابقة خاصة أن
بعض بنود الاتفاق تركت غامضة غير مفصلة وموضحة مما يعني أن فتيل الأزمة لا
يزال موجودًا.
«المجتمع» استطلعت آراء بعض المهتمين بالقضية
الأفغانية في باكستان، وكذلك آراء بعض الأحزاب الأفغانية وما يمكن أن تؤدي إليه
الأحداث في أفغانستان ومدى إمكانية تطبيق الاتفاق والمخاطر التي تواجه تطبيقه من
الناحية العملية.
بين اتفاقي بيشاور وإسلام آباد
قبل أقل من عام وقعت في بيشاور
اتفاقية بين أحزاب المجاهدين لنقل السلطة من النظام السابق للمجاهدين، وكان الظن
أن هذه الاتفاقية ستنقل السلطة سلميًا وستعمل على إقامة حكومة المجاهدين المرجوة
التي سالت الدماء من أجلها، إلا أن الأيام التي تلت توقيع الاتفاقية أثبتت عكس ذلك
فقد اندلعت المعارك بين أحزاب المجاهدين بعد يوم من توقيع الاتفاقية، كما أن
العاصمة كابل وبعض المناطق الأخرى مثل شين دند، هلمند، بغلان، شهدت معارك دامية
بين فصائل المجاهدين فيما بعد.
الجنرال «متقاعد» كمال متين الدين
المدير السابق لمعهد الدراسات الاستراتيجية في إسلام آباد، يرى أن اتفاقية بيشاور
كانت وثيقة صغيرة تتألف من صفحة واحدة تحوي ثلاث فقرات، وقد نصت الفقرة الثانية
منها على توزيع بعض الحقائب الوزارية على أحزاب المجاهدين، وقد عارض هذه الاتفاقية
الحزب الإسلامي «حكمتيار» وحزب الوحدة الشيعي المدعوم من طهران، كما أنها (اتفاقية
بيشاور) أبقت أمر الحكومة الانتقالية مفوضًا للمجلس الانتقالي الذي لم يكتب له
النجاح والاستمرار، بينما اتفاقية إسلام آباد- حسب رأي الجنرال متين الدين- تعتبر
تعديلًا لاتفاقية بيشاور حيث وقعت عليها ثمانية أحزاب من تسعة، حيث تغيب مندوب
الشيخ يونس خالص لدعوة باكستان مندوبًا عن دوستم لإسلام آباد، خاصة وأن هذه
الاتفاقية نالت موافقة وتأييد قلب الدين حكمتيار المعارض القوي السابق لاتفاقية
بيشاور وما نتج عنها.
كما أن توقيع حزب الوحدة على
الاتفاقية مع بقية الأحزاب الأخرى يقلل من إمكانية اللجوء للصدام مستقبلًا بينه
وبين الحكومة الجديدة، بعد أن كان يطالب سابقًا- حسب اتفاقية بيشاور- بمنصب رئاسة
الوزراء ووزارة مهمة أخرى هي الداخلية.
ويضيف الجنرال كمال متين الدين أن
اتفاقية إسلام آباد نصت على وقف فوري لإطلاق النار وأنه سيتم تطبيق هذا الوقف
لإطلاق النار بشكل فعال خاصة بعد تشكيل الحكومة، بينما اتفاقية بيشاور لم تنص على
مثل هذا الأمر للاعتقاد الذي ساد أنه بمجرد وصول مجددي إلى كابل كرئيس انتقالي
فستسكت مدافع وبنادق أحزاب المجاهدين وهو ما لم يحدث على أرض الواقع.
الثغرات في اتفاقية إسلام آباد
الشيخ يونس خالص زعيم أحد جناحي
الحزب الإسلامي يرى أن اتفاق إسلام آباد فيه ثغرات ومن الممكن أن تؤدي هذه الثغرات
إلى تجدد القتال مرة أخرى.
وقال الشيخ يونس خالص: إن الأيام
القادمة ستثبت صحة رأيه بأن اتفاقية إسلام آباد لا يمكن تطبيقها وقد تؤدي إلى سفك
دماء، وقد وضع الشيخ يونس خالص ثلاثة شروط لإعلان تأييده للاتفاقية وهي:
1- أن تطبق هذه الاتفاقية بروح
إسلامية.
2 - أن تؤدي إلى إقامة نظام إسلامي
صحيح.
3 - ألا يتم التحالف مع القوى
الشيوعية والمعادية للإسلام في أفغانستان.
بينما الكاتبة الصحفية الباكستانية
الشهيرة نسيم زهرة ترى أن أهم الثغرات والعوائق لاتفاقية إسلام آباد غياب شخصين
مؤثرين عنها؛ وزير الدفاع الأفغاني القائد أحمد شاه مسعود وقائد الميليشيات
الأوزبكية عبدالرشيد دوستم.
وترى نسيم زهرة أنه بدون رضا هذين
العنصرين الهامين فإن آفاق السلام في أفغانستان ستبقى مشكوكًا فيها، وقد ألمح إلى
هذا صبغة الله مجددي الذي قال أمام الرئيس الباكستاني غلام إسحاق خان بعد التوقيع
على الاتفاقية: «إنني أطلب من إخواني القادة الأفغان أن يعطوا شيئًا لدوستم»،
ووافقه الرئيس الباكستاني غلام إسحاق خان على مقولته.
بوادر مطمئنة في المقابل
جهات كثيرة تحاول أن تلعب على وتر
الخلافات بين التنظيمات الأفغانية سواء عرقيًا أو غير ذلك، وقد بدأت هذه الجهات
ببث الأخبار حول إمكانية قيام وزير الدفاع أحمد شاه مسعود بانقلاب أو تمرد على
الرئيس رباني، وذلك بعد أن وافق الرئيس رباني على تشكيل مجلس للدفاع، مما يعني
تخليه عن مسعود كوزير للدفاع، إلا أن مسعود الذي حقق مكانة ممتازة خلال سنوات
الجهاد كلها أبطل مثل هذه التوقعات في مؤتمره الصحفي الذي عقده في كابل بعد
التوقيع على الاتفاقية حيث قال: إنه سيلتزم بها طالما وقعها رئيس «الجمعية» التي
ينتمي إليها- الأستاذ رباني- ومد يد التعاون للعمل مع المهندس حكمتيار من أجل
مصلحة الإسلام والبلاد.
في المقابل فإن المهندس حكمتيار أعلن
أنه كرئيس للوزراء سيسعى للاستفادة من طاقات مسعود وأنه حريص على أن يبقى مسعود في
التشكيلة الوزارية القادمة لكن ليس كوزير للدفاع لأن الاتفاقية نصت على عدم إعطاء
منصبين هامين لتنظيم واحد في نفس الوقت.
كما أن الأطراف الأخرى في الاتفاقية
أبدت تخوفها من خرق الاتفاقية، حيث قال ناطق بلسان «حركة محسني» إنه لا مجال الآن
للاختلاف لأن العواقب ستكون أكبر مما يتصورها أي شخص، وقد كانت تعليقات جيلاني على
المسألة قريبة من هذه.
هذا فيما يخص وزير الدفاع أحمد شاه
مسعود.. فماذا عن دوستم وموقفه وخطورته إذا عارض الاتفاقية؟
رسميًا فقد أعلن دوستم تأييده
للاتفاقية التي وقعت في إسلام آباد، وحول اشتراكه في الحكومة القادمة قال للإذاعات
إنه ينتظر عودة قادة المجاهدين إلى كابل ليتم بحث هذا الأمر معهم.
وقد رحب حكمتيار رئيس الوزراء المعين
بموقف دوستم قائلًا: إنها خطوة طيبة لوضع حد للقتال في أفغانستان، كما أن غالبية
التنظيمات الأفغانية ترحب بإعطاء دور لدوستم، ولم يعارض مثل هذا الاتجاه رسميًا
حتى الآن سوى الشيخ يونس خالص والشيخ عبد رب الرسول سياف.
الجنرال «حميد حول» القائد السابق
للاستخبارات الباكستانية أبدى شكه في أن يعارض دوستم الاتفاقية بعد أن وقعت عليها
فصائل المجاهدين وقال: «إن دوستم يحاول أن يجد له مكانة في الوضع الأفغاني
الجديد»، ويريد أن يمحو من أذهان الشعب الأفغاني سابق ماضيه في دعم النظام
الشيوعي، لذا لن يلجأ للمعارضة المسلحة التي قد تقضي على آماله وطموحاته، كما أن
الدول التي يمكن أن تدعمه في هذا المجال مثل أوزبكستان أو بعض دول وسط آسيا الأخرى
تدرك أن الأفغان قد يختلفون ويتناحرون فيما بينهم لكنهم يتحدون إذا رأوا قوة أجنبية
تتدخل في شؤونهم، وهذه الدول تدرك ما حل بالاتحاد السوفياتي في أفغانستان.
الأمير تركي الفيصل الذي شارك في
مباحثات إسلام آباد وكذلك الحكومة الباكستانية يري أنه على المجاهدين إيجاد مكان
لدوستم في الحكومة الجديدة، وذلك انطلاقًا من رؤية للحقائق والواقع الأفغاني
وموازين القوى في أفغانستان. وقد أوضح شهريار خان هذا الموقف حين قال: أحزاب
المجاهدين قبل عامين كانت ترفض التعامل مع حزب الوحدة والاعتراف به لكنها الآن ترى
إشراكه في أي مباحثات وأي صيغة للحل، ونفس الشيء بالنسبة لدوستم حيث بمرور الوقت
سيعترف به حقيقة واقعة وسيتم التعامل معه على هذا الأساس.
الجماعة الإسلامية في باكستان كان
لها رأي آخر حين أوضح البروفيسور خورشيد أحمد رأي الجماعة من قضية دوستم فقال: نحن
لا ننكر أنه حقيقة موجودة على الأرض في أفغانستان لكن لا ينبغي الإصرار والضغط على
أحزاب المجاهدين للقبول به، كما يجب ألا يضخم شأنه، وإذ يراد للمجاهدين التعامل
معه على أنه يمثل قومية في أفغانستان فلماذا لا يطالب في نفس الوقت بالتعامل مع
جلال الدين حقاني القائد البشتوني وإسماعيل خان وهو فارسي ومسعود من الطاجيك،
لماذا الإصرار على دوستم بالذات؟
الاتفاق لصالح من؟
حين وقع اتفاق إسلام آباد يوم (8)
آذار الحالي كانت أبرز التساؤلات حول المستفيد من الاتفاق أو الرابح والخاسر في
هذا الاتفاق، ورغم بعض الملاحظات على مثل هذا التفسير للاتفاق إلا أن هناك أطرافًا
قد تكون حققت مكاسب من هذا الاتفاق، وأطرافًا أخرى ربما خسرت بعض المراكز. والذي
يبدو أن الرابح من هذا الاتفاق بشكل أساسي ثلاثة أو أربعة أشخاص: نواز شريف رئيس
الوزراء الباكستاني، والمهندس قلب الدين حكمتيار رئيس الوزراء الأفغاني الجديد،
والأستاذ برهان الدين رباني رئيس الدولة في أفغانستان، وعبدالرشيد دوستم قائد
ميليشيات الشمال.
نواز شريف الذي رعى الاتفاق الأول في
بيشاور والثاني في إسلام آباد حقق سمعة جيدة من خلال استطاعته جمع حكمتيار ورباني
في إسلام آباد وإقناعهما مع بقية القادة بالتفاهم حول اتفاقية السلام التي ستستفيد
منها باكستان اقتصاديًا وسياسيًا، خاصة وأن باكستان كانت ومازالت تسعى لصلات
تجارية قوية مع دول وسط آسيا إلا أن بوابتها لهذه الدول «أفغانستان» كانت العائق
أمام هذه الصلات بسبب القتال فيها.
المهندس قلب الدين حكمتيار اعتبره البعض
المنتصرَ في هذا الاتفاق لأنه فوض بتشكيل الحكومة بالتشاور مع رئيس الدولة والقادة
الآخرين، واستطاع من خلال الاتفاقية سحب وزارة الدفاع من مسعود الذي كانت علاقته
به طوال سنوات الجهاد– تقريبًا- علاقة خصومة وعداء، كما أن وجود حكمتيار بنفسه على
رأس الحكومة سيعطيه- مع الصلاحيات التي يتمتع بها- إمكانية للتأثير في السياسة
الأفغانية أكثر فأكثر مما قد يؤهله للفوز في الانتخابات القادمة إذا حصلت كما اتفق
عليه.
الرئيس برهان الدين رباني قد يكون
نجاحه في أنه حصل على اعتراف من أحزاب المجاهدين بشرعية رئاسته لمدة سنة ونصف خاصة
وأن بعض هذه الأحزاب «حكمتيار – مجددي – جيلاني - حزب الوحدة» كانوا يطالبون بتنحي
الرئيس رباني عن السلطة مباشرة وتشكيل مجلس جديد لأهل الحل والعقد بدلًا من الذي
انعقد في ديسمبر الماضي.
عبدالرشيد دوستم قائد الميليشيات
الأوزبكية نجاحه كان في دعوة إسلام آباد له رسميًا لحضور المفاوضات، وإن لم يشترك
بها مباشرة هو أو وفده إلا أنه اطلع على مجرياتها أولًا بأول، كما أن طلب بعض
أحزاب المجاهدين إشراكه في الحكومة القادمة خطوة لصالحه خاصة وأن الدول الضامنة
للاتفاقية «باكستان- السعودية– إيران» تطالب منذ فترة بإشراكه في الحكم في
أفغانستان.
الأيام القادمة وتشكيل الحكومة
الجديدة ستكون المحك الأول لمدى جدية الأحزاب الأفغانية في تنفيذ اتفاقية إسلام
آباد وتعاونها لإعادة بناء البلاد المحطمة، وإذا نجح المجاهدون في تنفيذ الاتفاقية
كما تعهدوا بذلك فإن معركة إعادة بناء أفغانستان ستكون رغم مشاقها أسهل مما واجهوه
في السابق من معارك، لكن إذا تعثر تطبيق هذه الاتفاقية- لا سمح الله- فإن الحل
البديل والذي يخشاه الجميع قد يكون تدخل الأمم المتحدة والقوى الخارجية، خاصة وأن
الاتفاقية جعلت دولًا ضامنة لها مما يتيح مبررًا قانونيًا لهذا التدخل الذي قد
يجعل أفغانستان- إذا ساءت أحوالها لا سمح الله- شبيهة بالصومال قبل التدخل الغربي
فيها.
واقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل