العنوان أكبر وأشهر سجين سياسي في أوروبا.. الكاتب أحمد ديماتشي: وجودي في السجن يخدم حرية الآخرين!
الكاتب عبدالله سليمانى
تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-1989
مشاهدات 121
نشر في العدد 941
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 14-نوفمبر-1989
بعد موت البعض وإطلاق سراح البعض الآخر، نتيجة للتحول نحو الديمقراطية، بقي الآن أحمد ديماتشي دون منافس في أوروبا؛ إذ قضى ثلاثين سنة في السجن من عمره الذي لا يتجاوز الـ53، لقد كان حتى الآن أشهر سجين نظرًا للمنظمات الإنسانية الكثيرة التي تبنت قضيته، والمجلات الأوروبية العديدة التي كتبت عنه باستمرار، بينا يصبح الآن أكبر سجين في أوروبا؛ أي من حيث العمر الذي قضاه في السجن، إنه الشاعر والروائي اليوغسلافي أحمد ديماتشي، الذي أصبح الآن في حالة صحية سيئة بعد أن فقد البصر تقريبًا.
كانت قضية أحمد
ديماتشي تتردد باستمرار في أوروبا، وبالتحديد في الصحافة، وفي منابر المنظمات
الديمقراطية والإنسانية التي تدافع عن حقوق الإنسان، وفي البيانات والاحتجاجات.. إلخ،
بينما كان اسمه لا يذكر في يوغسلافيا إلا حين الحكم عليه من فترة لأخرى، أما
الجديد في هذه القضية فهو أن تكون سنة 1989م هي السنة الأخيرة في حياة السجين
البائسة لهذا الكاتب، بعد أن أخرجته الصحافة اليوغسلافية من التعتيم الطويل الذي
كان مضروبًا حوله، فبعد أن كان اسمه كاللعنة أو كالتهمة، التي يخشى الآخرون أن
تلحق بهم، فتحت له بعض الجرائد اليوغسلافية صفحاتها، وسمحت له لأول مرة بعد ثلاثين
سنة أن يتحدث عن نفسه وعن أفكاره.. إلخ.
وفي الواقع أن
هذا الانعطاف في قضية أحمد ديماتشي جاء نتيجة للاهتمام الأوروبي المتزايد بمصيره،
الذي يكاد يصل إلى حد الإلحاح، وللتغييرات التي تشهدها يوغسلافيا الآن، فبعد أحداث
مارس 1989م حدث في يوغسلافيا فرز عميق بين اتجاه ديمقراطي واتجاه قمعي، وضمن هذا
أصبح من الممكن الحديث بشكل آخر عن قضية أحمد ديماتشي.
من
هو أحمد ديماتشي؟ وماذا يمثل بالنسبة إلى يوغسلافيا؟
ولد أحمد
ديماتشي سنة 1936م في قرية بجنوب يوغسلافيا، حيث يتمركز الألبانيون المسلمون
(حوالي 3 ملايين)، وأكمل هناك دراسته الثانوية ثم ذهب إلى بلغراد لمتابعة دراسته
في الجامعة (كلية الآداب- قسم الأدب العالمي)، بعد تخرجه عاد إلى موطنه في الجنوب
حيث عمل محررًا في جريدة «ريلينديا»، الجريدة المركزية للألبانيين في يوغسلافيا،
وكان ديماتشي -منذ وجوده في المدرسة- قد لفت الانتباه إليه بما كان يكتبه، وقد
تأصلت موهبته أكثر مع اختياره لدراسة الأدب العالمي، ثم عمله في الجريدة، وهكذا
فقد بدأ النشر في أواخر الخمسينات، ونال بسرعة الاعتراف بموهبته الأدبية، فقد نشر
سنة 1958م روايته الأولى «مصاص الدماء» ثم أتبعها بديوان شعر، إلا أنه اقتيد إلى
السجن في الوقت الذي كان محيطه ينتظر منه الكثير.
لقد عاش أحمد
ديماتشي فترة شبابه التي تتميز بالاندفاع بطبيعة الحال، خلال فترة عصيبة من تاريخ
يوغسلافيا المعاصر، ففي الخمسينيات كانت مراكز القوى (أجهزة الأمن) قد أخذت تتحول
إلى دولة ضمن دولة، وتمارس قمعها على الألبانيين بشكل خاص والمسلمين بشكل عام، حتى
اضطر حوالي ربع مليون مسلم إلى الهجرة إلى تركيا خلال 10 سنوات فقط (1955-1965م)،
إلى أن تمكن الزعيم تيتو من التخلص من هذه الدولة التحتية الأخطبوطية في اللحظة
الأخيرة (صيف 1966م)، وقد كان من الطبيعي أن تتحول تلك الفترة إلى تربة خصبة تغذي
الشعور بالغبن لدى الألبانيين بشكل خاص، والمسلمين بشكل عام في يوغسلافيا.
فقد كان
الألبانيون يتوزعون على أكثر من وحدة فدرالية، ويعاملون كأقلية على الرغم من عددهم
الكبير، بينما كان المسلمون في البوسنة يعاملون بفوقية كمجموعة غير محددة الانتماء؛
أي ليس كشعب من الشعوب اليوغسلافية، وفي هذا الوضع لم يكن من المستغرب أن تجرى
محاولات لتأسيس حركات أو تنظيمات سياسية لدى الألبانيين في جنوب يوغسلافيا أو لدى
المسلمين في البوسنة.
الحركة
الثورية لتوحيد الألبانيين
في هذا السياق،
أسس أحمد ديماتشي الذي كان من المثقفين المعدودين في محيطه المتخلف منظمة سياسية
سنة 1958م أطلق عليها «الحركة الثورية لتوحيد الألبانيين»، وقد كان هدف هذه الحركة
في البداية توحيد كل الألبانيين في يوغسلافيا وألبانيا، حيث يتوزعون -بالتساوي
تقريبًا- في دولة واحدة، بينما تغير هذا الهدف لاحقًا، وأصبحت الحركة تبحث عن الحل
في إطار يوغسلافي: الاعتراف بالألبانيين كشعب متساوي من بقية الشعوب في يوغسلافيا،
وضم الألبانيين في وحدة فدرالية واحدة عوضًا عن تشتتهم في أربع وحدات فدرالية
(جمهورية مكدونيا، جمهورية صربيا، جمهورية الجبل الأسود، وإقليم كوسوفا).
اعتقال
ديماتشي
ونظرًا لظروف
تلك الفترة فقد كانت الحركة مخترقة من قبل أجهزة الأمن منذ البداية؛ ولذلك فقد
اعتقل مؤسس الحركة أحمد ديماتشي سنة 1958م، وحكم عليه بالسجن لممارسته هذا النشاط
السياسي، وبعد الإفراج عن ديماتشي سنة 1962م اعتقل ثانية في عام 1964م، وحكم عليه
بالسجن لـ15 سنة، وفي مظاهرات عام 1968م، التي طالب فيها الألبانيون ببعض الحقوق
التي تعبر عن المساواة مع الآخرين، ردد المتظاهرون اسمه، وفي الواقع لقد أدت هذه
المظاهرات إلى تحسن في الوضع؛ إذ إن إقليم كوسوفا أصبح يتمتع بحكم ذاتي واسع،
وأصبح أخيرًا حسب دستور عام 1974م يعتبر وحدة فدرالية متساوية مع بقية الوحدات
الفدرالية في يوغسلافيا.
في هذا الظرف
الجديد خرج ديماتشي من السجن، ولكنه بقي يطالب بمساواة أوسع، أي بتوحيد الألبانيين
في وحدة فدرالية واحدة ترتقي إلى مستوى الجمهورية، وتكون متساوية مع الجمهوريات
الأخرى في يوغسلافيا، وفي الواقع لقد كان ديماتشي يلح على التغيرات الجديدة في
يوغسلافيا؛ إذ إن الألبانيين قد أصبحوا الآن الشعب الثالث من حيث الحجم في
يوغسلافيا، بعد الصربيين والكرواتيين، ولذلك لم يعد في الإمكان أن يقبلوا بوضعهم
في المرتبة الأخيرة، وفي هذه المرة أصبحت القيادة الألبانية في إقليم كوسوفا من
تأثير أفكار ديماتشي، ولذلك اعتقلته ثانية بعد سنة من إطلاق سراحه (في تشرين الأول
1975م) ورتبت له محاكمة لتحكم عليه في 7 شباط 1976م بالسجن لمدة 15 سنة.
مظاهرات
الألبان
وخلال وجود
ديماتشي في السجن كان الوضع في الخارج يتطور حول محور الأفكار التي كان يدعو
إليها، ففي ربيع 1981م خرجت للشوارع مظاهرات جماهيرية للألبانيين تطالب (جمهورية)
للألبانيين، ولم يكن من المستغرب أن يهتف المتظاهرون بحياة أحمد ديماتشي، وأن
يطالبوا بالإفراج عنه، وخلال الثمانينيات انتشرت أفكار أحمد ديماتشي كثيرًا خارج
السجن، وأصبحت الآن محور الأحداث في يوغسلافيا؛ إذ إنها قسمت يوغسلافيا إلى
طابورين متصارعين لتعبئة الفراغ بعد غياب تيتو، ففي هذه الفترة برز الاتجاه الصربي
التوسعي الذي أراد أن يعيد سيطرته على إقليم كوسوفا كخطوة أولى لإحكام سيطرته على
كل يوغسلافيا، كما كان الأمر خلال العهد الملكي (1918-1941م)، وفي مقابل هذا برز
الاتجاه الآخر (السلوفيني- الكرواتي) الذي يدعم الألبانيين والمسلمين لأجل إرساء
ديموقراطية ومساواة أكثر في يوغسلافيا، بحيث يكون من المستحيل أن تقع ثانية تحت
الحكم الصربي.
إلغاء
الحكم الذاتي في كوسوفو
وقد تعقد الصراع
بين هذين الاتجاهين في بداية 1989م حين لجأ الاتجاه الصربي إلى فرض واقع جديد في
إقليم كوسوفا (إلغاء الحكم الذاتي من الناحية الفعلية والعودة إلى وضع ما قبل عام
1966م)، ومن الطبيعي ألا يمر هذا دون ثمن باهظ، فقد أدى رد الفعل الأول (مظاهرات
آذار) إلى عشرات القتلى ومئات الجرحى، بينما أدت حالة الحصار (الأحكام العرفية بما
في ذلك منع التجول ومنع التجمهر) إلى اعتقال الآلاف خلال أقل من شهرين (نيسان-
آيار)، وضمن الفرز العميق الذي شمل يوغسلافيا، وبالتحديد المؤسسات اليوغسلافية،
نتيجة لهذه التطورات فقد أصبح في الإمكان أن تفتح بعض الجرائد صفحاتها لأحمد
ديماتشي، وأن تدعه يتحدث لأول مرة عن أفكاره، وفي الواقع لقد سبق وصاحب وأعقب هذا
مطالبة يوغسلافية، ضمن الصراع بين الاتجاهين المذكورين، للإفراج عن أحمد ديماتشي
على اعتبار أنه سجين رأي، وأن استمراره في السجن أصبح يحرج يوغسلافيا كثيرًا في
أوروبا وأمريكا، إلا أن أحمد ديماتشي رفض أن يخرج من السجن على الرغم من حالته
الصحية السيئة للغاية، على اعتبار أن الوضع خارج السجن أصبح أسوأ من السابق، وأن
وجوده في السجن هو أنفع لشعبه؛ لأنه يبقى يذكر العالم بهذا الشعب.
حوار
صحفي مع ديماتشي
في هذا السياق
كان من الأهمية بمكان الحوار الذي نشرته جريدة «بوربا» اليوغسلافية (24 مارس 1989م)،
الذي كان أول فرصة من نوعها للاطلاع على أفكار هذا السجين الذي أصبح محرجًا
ليوغسلافيا أكثر من أي وقت مضى.
في هذا الحوار
سئل ديماتشي أولًا عن رأيه بتبني بعض المنظمات اليوغسلافية لقضيته، والإلحاح على
إطلاق سراحه، فأجاب:
- إنني لا أحتاج
إلى حرية من هذا النوع، إن الاتجاه إلى الحرية هو ضرورة مطلقة، لقد أساءت
يوغسلافيا إلى نفسها كثيرًا حين تركتني في السجن كل هذه الفترة الطويلة.
وعن أفكاره
والحركة التي أسسها وتطورات الوضع أجاب ديماتشي:
- أسست منظمة بـ300
عضو، لم يكن حينئذ من الصعب أن نجد من يرغب في الكفاح في سبيل الحرية، كان في
صفوفنا جواسيس، ولذلك كان كل ما نقوم به يصل في اليوم التالي إلى الشرطة، لقد تطور
وعيي مع التطور النسبي للعلاقات الاجتماعية لشعبي نحو المساواة مع الآخرين (فترة
1966- 1974م)، لم أعد أؤمن بالانضمام إلى ألبانيا طالما استمرت بنجاح مسيرة
المساواة بين الألبانيين في كوسوفا وبقية الشعوب في يوغسلافيا، الآن أنا مستعد
لأضحي بحياتي في سبيل يوغسلافيا إذا تعرضت لخطر.
وفيما يتعلق
بتصوره للعلاقة بين الألبانيين والصربيين في يوغسلافيا والتصارع القومي أجاب
ديماتشي:
- إنني أحب شعبي
كثيرًا، ولكن لست قوميًا متعصبًا؛ لأن القومي المتعصب يكره الشعوب الأخرى، إنني لا
أكره الشعب الصربي، بل إنني أحترم هذا الشعب البطولي؛ لأننا تعلمنا الكثير منه،
لقد عشنا معًا عدة قرون، لا أعتقد أن الشعوب تتصارع فيما بينها، بل الأغواث
والأمراء والملوك، إذا ترك لي الخيار فسأختار جارًا صربيًا، إن البيروقراطية اليوم
هي المسؤولة عن الهوة بين الألبانيين والصربيين، إن الألبانيين والصربيين يقفون
اليوم معًا في الطوابير في انتظار الحصول على الخبز الأسود.
أما عن نفسه وعن
علاقته مع الآخرين فقد دافع ديماتشي عن نفسه قائلًا:
- إنني إنسان
متواضع، لا أعرف ماذا يقول الآخرون عني، لقد هتف المتظاهرون باسمي في المظاهرات
الأولى (1968) والثانية (1981)، وأعتقد أنهم أرادوا بهذه المطالبة إطلاق سراحي،
إنني بريء تمامًا، لقد اختلقت البيروقراطية منظمة من الأفراد الحكوميين سابقًا،
وقد كان منهم من لا أعرفه أبدًا، لقد كان الهدف من ذلك إزاحتي من المسرح السياسي،
ولكنهم خلقوا مني شهيدًا حيًا، إنني أحترق كشمعة، والشمعة حيث تحترق وتعطي النور
تقوم بدورها.
وعن مسألة
التداخل بين الشعوب داخل يوغسلافيا، وبالتحديد بين الوحدات الفدرالية، قال
ديماتشي:
- إنني في
كوسوفا سأكون إلى جانب الصربيين لأنهم أقلية، ولكن في إطار يوغسلافيا سأكون دائمًا
إلى جانب شعبي الشعب الألباني.
أما عن جوهر
المشكلة، أي المطالبة بجمهورية في كوسوفا تجمع الألبانيين، فقد أجاب ديماتشي:
- لقد أعلنت جمهورية
كوسوفا وهي الآن أمر واقع، لقد تجذرت هذه في وعي الشعب الألباني، أما متى ستبدأ في
العمل أجهزة هذه الدولة فهذه مسألة وقت وظروف، لا توجد هناك أية إجراءات، ولا حتى
سياسة قمعية، قادرة على تركيع الشعب الألباني.
وفي النهاية كان
السؤال لا بد أن يصل إلى الكتابة، إلى روايته الأولى، وإلى وضعه الآن:
- إن روايتي
الآن يمكن تلخيصها بجملة واحدة: ليست العظمة في المطالبة بالثأر، بل العظمة في مد
اليد للمصالحة، الآن لا أكتب شيئًا.
وفي الواقع أن
هذه الجملة الأخيرة تعبر عن عظمة أحمد ديماتشي في هذه اللحظة المصيرية التي تمر
بها يوغسلافيا؛ إذ إنه لا يزال بعد ثلاثين سنة من السجن يرفض الثأر من الجهات التي
سجنته، ويعبر عن استعداده للموت في سبيل يوغسلافيا، الذي أوصلته فعلًا إلى حافة
الموت.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل