العنوان المجتمع التربوي (العدد 1814)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 09-أغسطس-2008
مشاهدات 64
نشر في العدد 1814
نشر في الصفحة 52
السبت 09-أغسطس-2008
- أما أنذرك الشيب؟! الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت
- بياض الشعر نذير ينادي: هلموا إلى التوبة فلم يبق في العمر الكثير.
- الشيب خير نذير لكن.. ما زالت أمامك فرصة حري بالعاقل أن يفيق من غفلته وأن يعجل توبته.
إيمان مغازي الشرقاوي
نظر الطفل الصغير يومًا في رأس أمه، وهو جالس في حجرها، فإذا به يصيح: إنها شعرة بيضاء قد ظهرت في رأسك يا أمي.. شعرة بيضاء!
أحست الأم بإحساس غريب، يلفه الأسى والندم على ما فات. واستقر في وجدانها ذلك الإحساس المشوب بتمني العودة إلى الوراء، لاستدراك ما فات وتأرجح ميزان الخوف ليعلن قرب النتيجة ونهاية الامتحان، وإذا بكفة الرجاء ترجح وتقول: مازالت أمامك فرصة، إنما هذا هو النذير وكانت تلك الكلمات عند ظهور أول شعرة بيضاء في رأسها.
أخي المسلم.. أختي المسلمة.. أما أنذرنا الشيب ؟!
أما آن لنا أن نعود إلى الله ؟! أما آن لنا أن نصدق مع أنفسنا ونكون لها بالمرصاد؟ أو ما حان الوقت لنشري أنفسنا ابتغاء مرضاة الله؟! أو ما آن الأوان لنشتري جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين؟ إن الدنيا ليست بدار قرار والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت.. استمعوا معي إلى- ابن ضبارة- وهو يحدثنا عن الصبر على الطاعة فيقول: إنا نظرنا فوجدنا الصبر على طاعة الله تعالى أهون من الصبر على عذاب الله تعالى
فاصبروا- يا عباد الله- على عمل لا غنى لكم عن ثوابه، واصبروا على عمل لا صبر لكم على عقابه.
نعم فما أجدرنا أن نحسن لأنفسنا بإلزامها الحق والجامها بلجام التقوى والخير، لتخرج من ظلمات المعاصي والذنوب والجهل إلى نور الإيمان والطاعة واليقين وأعود فأتساءل.. أوما أنذرنا الشيبة أو ما جاءنا النذير؟ إنها لحظات آتية لا ريب فهل إذا جاءت أنذرتنا وإذا رأيناها في غيرنا ممن يكبرنا عمراً اعتبرنا وعرفنا أننا في نفس القطار تركب وفي نفس الطريق نسير، وعما قريب سنحط الرجال ، ألم يقل سبحانه وتعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ﴾ (اسم السورة: الروم: ٥٤). وعند هذه اللحظات يتمنى المرء أن يعود إلى الوراء ثم ليصحح ما فات ويصلح ما هو آت. إن أي شعرة بيضاء نراها في رأس أي منا إنما هي بمثابة المنذر والمحذر لنا جميعًا. وكأني بها وهي تناشدنا وترجونا أن نسترد أنفاسنا ونقف وقفة صادقة بلا تزييف أو خداع لنجد في سيرنا، ونستغل أعمارنا في مزيد من الخير والعمل النافع الصالح. إنها بمثابة الشاحن للقلوب لمن ظهرت في رأسه حتى يُصاب بالنهم إلى حد التخمة فيما يتقرب به إلى مولاه، وهي كالداعي إلى العمل لمن رأها في غيره ولم تصل إلى محطة رأسه بعد.
فأنعم بها حينئذ من شعرة ناصحة أمينة إذ تأتي لتنذر، وتظهر لتنبه أن هلموا إلى التوبة والإنابة فما عاد في العمر الكثير، فقد فات معظمه، وحري بمن هذا حاله أن يفيق من غفلته وأن يعجل توبته ويكتب وصيته، وينقي سريرته، والله تعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين.
الشعرة البيضاء
ومع هذه الشعرة البيضاء كان هذا الحوار:
شعرة بيضاء قالت *** بعدما جالت وصالت
جئتكم والحق غاية *** جئتكم أحكي حكاية
جئتكم أحكي حكاية *** ظاهرًا، والحب بادي
كنت أرفل في ثيابي *** أتبختر في انسياب
كنت أتلقى الوصايا *** حين أنظر في المرايا
شعرك فالشعر زينة *** فاحفظيه يا أمينة
أكرميني بالحجاب *** بالتقى، فالحق بابي
فدخول الباب طاعة *** نغتنم للحب ساعة
وحجاب البنت عفة *** ما سواه فهو خفة
فاستري بنت الحياء *** شعرك كي لا تسائي
يا فتاة قد تعالت *** لم تقم حقًا بواجب
كنت يومًا ذا سواد *** وخصالي في ازدياد
بعدها مرت سنون *** وأنا أم حنون
لشعيرات صغيرة *** قد تلاقت في الضفيرة
عشت عمرًا اتمتع *** بالضحى ألهو وارتع
شعرة نادت علي *** أنظري حالًا إلي
قمت أنظر في المراية *** علني أجد الحكاية
فإذا باللون أبيض *** وأنا أجري وأنهض
قالت البيضاء مهلًا *** مرحبًا اهلًا وسهلًا
جئتكم أحمل نصيحة *** فاحفظيها يا فصيحة
فأنا عمر تولى *** قد مضى حقا وولى
فاسمعيني يا فصيحة *** واحفظي تلك النصيحة
لا تراعي من بياض *** سلمي دون اعتراض
تلك أقدار الإله *** تنحني منها الجباه
لوننا الأبيض نور *** لو درينا وسرور
شيبة في الدين كانت *** ليتها طالت وطالت
فأسمعيني يا أخية *** علني أجد الوصية
قد مضى شطر حياتي *** قد مضى والحق آتي
وأنا قد جئت أنذر *** ولفعل الخير أكثر
فاستعدي يا أخية *** وهذي مني الوصية
قد دنا يوم الرحيل *** فاغسلي القلب العليل
من المؤمنين رجال صدقوا
يقول الحق تبارك وتعالى في كتابه العزيز في سورة الأحزاب ﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ (اسم السورة: الأحزاب: ٢٣)
من هؤلاء الرجال سيدنا حنظلة بن أبي عامر، ففي يوم عرسه وبعد أن اجتمع بزوجته سمع منادي الجهاد ينادي حي على الجهاد حي على الجهاد فلبس رداءه دون أن يغتسل من جنابته حتى يلحق بالركب، وبعد أن شارك مع المسلمين في غزوة أحد وقاتل وأبلى بلاء حسنا حتى استشهد، وبعد أن انتهت الغزوة تفقد النبي هو وصحابته الكرام أحوال الجرحى والقتلى من المسلمين فوجدوا وجوه الصحابة كلها ملطخة بالدماء. إلا حنظلة بن أبي عامر وجهه مبلل بالمياه فتعجب الصحابة، وقالوا ما هذا يا رسول الله؟ فقال: لعل به خبرا اذهبوا إلى أهله فذهبوا إلى أهله، فقصت لهم ما حدث في ليلة عرس فرأى النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا، ورؤيا الأنبياء لا يتمثلها الشيطان رأى النبي صلى الله عليه وسلم سيدنا حنظلة تغسله الملائكة بين السماء والأرض لذلك سمي (بغسيل الملائكة).
مثال آخر سيدنا طلحة بن عبيد الله الصحابة تسأل من الذي قضى نحبه؟ فقالوا لأعرابي جاهل يا أعرابي اسأل لنا المصطفى صلى الله عليه وسلم من الذي قضى نحبه؟ فسأل الأعرابي المصطفى: يا رسول الله من الذي قضى نحبه؟ فلم يرد عليه ، يا رسول الله من الذي قضى نحبه؟ فلم يرد عليه، فيروي سيدنا طلحة عن نفسه فيقول: ثم خرجت من المسجد وعلي عباءة خضراء فأشار النبي وقال: من السائل فرد الأعرابي، وقال: أنا يا رسول الله، والصحابة كلهم آذان صاغية منتظرين الإجابة ، فقال وأشار بيده الشريفه إلى سيدنا طلحة وقال: هذا ممن قضى نحبه، ثم أكمل: من سره أن ينظر إلى شهيد حي فلينظر إلى طلحة، ومن سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على الأرض فلينظر إلى طلحة. ولله در الشاعر: فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالرجال فلاح رضا حسن على عثمان الكويت.
حقوق الإنسان في الإسلام (1) حق الحياة والحرية
أ.د. أحمد علي الإمام- مستشار الرئيس السوداني لشؤون التأصيل
- يتميز الإسلام برعايتهما أكثر من الصكوك الدولية باعتبارهما من الفروض الدينية التي يقوم عليها التكليف في الدنيا والجزاء في الآخرة.
- ضمان تأمين الحياة الكريمة للإنسان بسعي الدولة لتوفير حد الكفاية من المعيشة لسائر الأفراد والمجموعات
- نظام الشورى.. يؤديه المسلم استجابة للأمر الإلهي وتعبدًا لله تعالى
- حق الحياة والحرية.. من الحرمات الدينية التي يصونها الإسلام بأصول العقيدة وقواعد الشريعة.
معلوم أن حق الحياة وحق الحرية هما الأصل الذي تتفرع منه سائر حقوق الإنسان الأخرى كالحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وإنما يعرف مدى كفاية المرجعية وحقوق الإنسان من مدى رعايتها لحق الحياة وحق الحرية.. ولقد بلغ الإسلام في كفالتها شأوًا بعيدًا، تتقاصر دونه سائر الصكوك الدولية، وبما يقطع أي وجه مقارنة بينهما.
حق الحياة فقه القصاص الذي أقره الإسلام من شرع الكتب الإلهية قبل الإسلام: وقد أحاط الإسلام حق الحياة بسياج منيع من الحرمة لا ترقى إليه الصكوك الدولية قط، فبينما تعتبر هذه الصكوك قتل النفس البشرية بغير حق بمثابة جريمة فردية فحسب، يرفع الإسلام هذا الجرم إلى درجة العدوان على النوع البشري بأسره، قال تعالى: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ (المائدة: ٣٢). ففضلًا عن أن العدوان بالقتل على فرد جريمة فردية في القانون هو أيضًا بمثابة جريمة جماعية في الأخلاق، فكأن مرتكب هذه الجريمة يصادم الحكمة الإلهية بتمتعه بحق الحياة.
وبالقدر نفسه، فإن من ييسر سبل الحياة ويؤمن فرص استمرارها ولو لفرد واحد كأنه أتاح هذا الحق المجيد للإنسانية جمعاء وذلك عن معرفة بقدسية هذا الحق كهبة إلهية، ونعمة ربانية للإنسان بغير استثناء.
وفي الإسلام لا يقتصر حق الحياة على الاستمرار المجرد للحياة وإنما إلى تأمين الحياة الكريمة للإنسان، وذلك بسعي الدولة التوفير حد الكفاية من المعيشة لسائر الأفراد والمجموعات.
ومعلوم أن حد الكفاية أكبر من حد الكفاف كما الحكمة من فقه الصدقة هي الزكاة والنفقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم حتى يغنوهم، وذلك عن تأصيل الملكية المال، فالمال بحسب التعبير القرآني هو مال الله قال تعالى: ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النور: ٣٣)
وما الناس إلا مستخلفون يكرههن على المال يكسبونه بحق ويصرفونه بعدل وهم يؤدون وظيفته من إعمار الأرض وإصلاح حال الناس، ومن ذلك السعي لتوفير حد الكفاية لسائر الناس، قال تعالى: ﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ (الحديد: ٧).
أما لدى التشريع، فقد حمى الإسلام حق الملكية أوثق الحماية بعد أداء حقه، وهو ينسبه لكاسبه أو مالكه بقوله تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (التوبة: ١٠٣) حتى أن الإسلام يوقع أشد العقوبة على العدوان على حق الملكية بحد السرقة وحد الحرابة وما يتفرع منهما مما يدخل في باب التعازير وذلك بعد استيفاء ما على حق الملكية من واجب الصدقة والنفقة وهكذا يتصل التشريع بعقيدة التوحيد حول ملكية المال كسبًا وصرفًا في الإسلام حتى إنه يربط التقاعس عن توفير حق الكفاية للمسلمين أو التخاذل عن الدعوة لأدائه، وكأن التقصير في هذا الحق لا يتأتي من مؤمن بالله صحيح الإيمان قال تعالى: عمن استحق العذاب في الآخرة ﴿ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾( الحاقة٣٣، ٣٤). لذلك فرض الإسلام للمسكين والمحروم حقًا في مال الغني، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾( المعارج: ٢٤، ٢٥) كما فرض لولي القربى حقًا أوكد في هذا المال فقال تعالى: ﴿ فَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الروم: ٣٨).
ويقترن حق الحياة في الإسلام بالحياة الآمنة من سائر عوامل الخوف حتى جعل توفير الكفاية مع ضمان الأمن من نعم الله تعالى التي تقتضي أن نشكره عليها، وأن نسعى لبسطها بين الناس قال تعالى: ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ (قريش: ٣،٤).
حق الحرية
وحق الحرية أو طلاقة المشيئة للإرادة البشرية ينبع من أصل أصيل في الإسلام هو المسؤولية الفردية لهذه الإرادة قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (الطور: ٢١)، وقال تعالى: ﴿ مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ (الإسراء: ١٥)، وعلى هذه المسؤولية الفردية ينبني الجزاء في الدنيا والآخرة. ولذلك منع الإسلام الإكراه في الدين وذلك لحكمة الابتلاء المعبر عنها بقوله تعالى:
﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (المائدة: ٤٨)، فالحق سبحانه وتعالى يريد لعباده أن يأتوه طائعين مختارين وهم يحسبون هذه الطاعة وهذا الاختيار، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (النساء: ١٢٥).
فإذا كان الدين الذي تقوم عليه علاقة الإنسان بخالقه وبسائر خلقه مما يحدد مصير الإنسان في الدنيا والآخرة هو مناط الحرية، وما يترتب عليها من مسؤولية فما هو دونه من شؤون الحياة كنظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبخاصة إذا استمدت شرعيتها من هذا الأصل لهي أولى ببسط حق الحرية بين الناس.. ولذلك ربط الإسلام بين العقيدة والعبادة وبين نظام الحرية والعدالة ربطًا وثيقًا، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الشورى: ٣٨).. فنظام الشورى، وهو نظام الحرية يؤديه المسلم استجابة للأمر الإلهي وتعبدًا لله تعالى، كما يتعبد له بالصلاة والزكاة.. فأمر الناس كله فيما لم ينزل به أمر إلهي هو شورى بينهم كلهم فحق الحرية، ومنه حق الشورى أو بتعبير آخر حق المشاركة في الرأي والقرار، هو هبة إلهية تقتضي الشكر لله تعالى ببسطها وحسن أدائها.. ولذلك فإن حق الحياة والحرية هما من الحرمات الدينية التي يصونها الإسلام بأصول العقيدة وقواعد الشريعة، ليكونا معًا التزامًا فرديًا يجري مجرى الأخلاق قبل أن يكونا إلزامًا جماعيًا، بمقتضى القانون. ومن هنا يتميز الإسلام برعايتهما بأكثر من الصكوك الدولية، بحسبانهما من الفروض الدينية التي يقوم عليها التكليف في الدنيا والجزاء في الآخرة، أما الصكوك الدولية الوضعية بخلفيتها العلمانية التي تقطع صلة الدين بالحياة العامة، فتقصر حق الحياة وحق الحرية على ظاهر الدنيا: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ (الروم: ٧).. وهي لا تكلف الإنسان إلا بالإلزام القانوني القسري دون الالتزام الأخلاقي معًا كما قال تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾(الشورى: ٤٠).
وما ملك الإسلام هذه القدرة على تربية المسلم على الالتزام الأخلاقي جنبا إلى جنب مع الإلزام القانوني إلا بما توفر له من منهاج سلوكي لإيقاظ الضمير ليكون هو الرقيب الداخلي الدائم، وذلك عن إيمان يتسامى إلى اليقين بأن على الإنسان رقابة إلهية بمقتضاها هو مجازٍ على عمله في الدنيا والآخرة، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١).
وحدة الأصل
الإنسان في الإسلام خلق من نفس واحدة، فوحدة الأصل هي التي تسوي بين بني الإنسان في حقوق الحياة رية. قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ (النساء: ١) ، والنفس الواحدة هي نفس آدم، ولذلك يرد الخطاب القرآني ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ وزوجه المخلوقة من هذه النفس الواحدة هي حواء ومنهما جاء النسل الإنساني من رجال ونساء، وقد قرن الحق سبحانه وتعالى بين الدعوة إلى تقوى الله وتقوى الأرحام التي تناسل منها النوع الإنساني: ليذكرنا بتوحد الأصل، وتناسل فروعه، ومن ثم ليدعونا لرعاية أواصر القربي الإنسانية المعبر عنها بالأرحام ومن ذلك رعاية حقوق الإنسان أكثر من ذلك، فإن الحكمة من رعاية حقوق الإنسان في الإسلام، فضلا عن وحدة الأصل تمتد إلى تكريم الحق سبحانه للإنسان بين سائر خلقه ، وتفضيله على كثير من خلقه قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾( الإسراء: ٧٠)، أما التكريم فبفضل هبة العقل وهو مناط التكليف والتشريف، فقد خلق الله تعالى الملائكة وهم لا يعصونه قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم: ٦). وخلق في الطرف الآخر الشياطين وهم يعصونه ولا يطيعونه من حيث ما مردوا عليه من إضلال بني آدم.. قال تعالى: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (ص: ٨٢، ٨٣)
ثم خلق الحق سبحانه آدم عليه السلام وذريته في مقام بين الملائكة والشياطين لهم فيه حرية الاختيار بين الهدى والضلال.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل