العنوان أمريكا تؤسس لفوضى دولية لا سابق لها
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 24-أغسطس-2002
مشاهدات 65
نشر في العدد 1515
نشر في الصفحة 9
السبت 24-أغسطس-2002
بعد الحرب العالمية الثانية، برزت الولايات المتحدة كقوة كبرى في العالم الغربي ورثت الإمبراطوريات المنهارة في بريطانيا وفرنسا وبقية أوروبا، لكنها لم تكن صاحبة اليد الطولي على العالم، فقد كان توازن القوى بينها وبين الاتحاد السوفييتي يحد من سيطرتها المطلقة، ويتيح لدول العالم هامشًا من المناورة يضيق أو يتسع حسب الأحوال.
وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي قبل عقد من الزمان تغير الحال، وسيطرت على الإدارات الأمريكية المتعاقبة نشوة النصر المنفلت من أي قيود، وصاحبها غرور شديد بكل ما هو أمريكي، واحتقار وامتهان لما عدا ذلك. وتكاثرت التصريحات الأمريكية الرسمية وكتابات الكتاب والصحفيين، وتقارير مراكز الأبحاث حول الوضع الجديد، والذي يمكن إجماله فيما يلي:
أن أمريكا اليوم قوة عظمى لا نظير لها في العالم.
أنها بهذا الوضع -يحق لها- حسبما يرون بغرور أن تتصرف في أمور الكرة الأرضية دون رقيب أو حسيب.
أن المحرك الأساسي في ذلك هو المصلحة الأمريكية المطلقة بصرف النظر عن مصالح الآخرين أو عن قواعد الحق والعدل.
أن الفرصة مواتية الآن لترتيب أوضاع العالم وفق المصلحة الأمريكية، قبل أن تتبدل الظروف وتتغير الأحوال.
لا حجر عندهم كما يظنون على استخدام أي أسلوب أو طريقة للوصول إلى تلك الأهداف، فالغاية تبرر الوسيلة وفق المنطق السابق تسير السياسة الأمريكية هذه الأيام، وإذا استوعبنا ذلك المنطق يمكننا بسهولة تفسير المواقف الأمريكية:
- فلا بأس عندهم من استخدام سياسة الكيل بمكيالين.
- ولا وجه للاعتراض على الموقف الأمريكي المنحاز للاحتلال الصهيوني أو غيره.
- ويحق للأمريكيين أن يتميزوا عن بقية الخلق فلا يخضعوا مثلًا لأحكام المحكمة الجنائية الدولية مهما ارتبكوا من جرائم.
- وفي المقابل يحق للإدارة الأمريكية أن تتهم من تشاء بأي تهمة تراها وهي ليست ملزمة بتقديم الدليل على ذلك.
- كما يحق لأي أمريكي أن يقاضي من يشاء من الدول والمؤسسات والأفراد أمام القضاء الأمريكي، دون حق أو مبرر مقنع ويحق للمحاكم الأمريكية أن تنظر في القضايا وأن تصدر الأحكام.
في هذا الإطار يمكن أن نرى من الأمريكيين العجب العجاب، فقد رفع صاحب محطة وقود في ولاية الباما قضية ضد منظمة الأقطار المنتجة للبترول «أوبك»؛ طالبًا تثبيت أسعار النفط فما كان من القاضي إلا أن أصدر أمرًا قضائيًّا يحظر على أوبك إعداد أو تطبيق أو فرض اتفاقيات تتعلق بإنتاج النفط.
مثل هذا الحكم لم يكن ليصدر قبل ذلك، فحين رفعت الجمعية الدولية للميكانيكيين والعاملين في قطاع الفضاء قضية مماثلة عام ۱۹۷۸م ضد أوبك خسرتها، وأعلنت محكمة الاستئناف في سان فرانسيسكو عام ١٩٨١م أنها لا تملك السلطة للحكم على شرعية تصرف دولة أجنبية، لكن الأحكام تغيرت وفق المناخ الدولي الجديد الذي تسيطر عليه أمريكا، وقد لجأ الكونجرس إلى تأييد الوضع الأمريكي الجديد بمناقشة قانون يسمح لوزارة العدل الأمريكية وهيئة التجارة الفيدرالية اتخاذ إجراءات ضد دول أجنبية.
وقبل أيام سمعنا عن القضية الجديدة التي رفعها نحو ستمائة شخص من أقارب وأسر قتلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر ضد ۹۹ من المؤسسات الخيرية والإغاثية والبنوك (ستة منها إسلامية)، والأفراد، بل ودولة السودان للمطالبة بتعويض لم يسبق له مثيل في التاريخ، إذ يطلبون مليون مليار دولار من المؤسسات، وألف مليار دولار من الأفراد.
وبدلًا من أن يقاضي هؤلاء، الحكومة الأمريكية المسؤولة عن الأمن أو يكشفوا تقصيرها في ذلك، أو يطالبوا بكشف أسرار الأحداث وما يكتنفها من غموض لتحديد المسؤول عنها، نراهم يسارعون بتوجيه أصبع الاتهام إلى الدول والمؤسسات الإسلامية والأشخاص المسلمين ممن ليس لهم علاقة بتلك الأحداث من قريب أو بعيد.
ولا يُستبعد في ظل حالة الغرور الأمريكي السائد والخلل والفوضى في العلاقات الدولية أن تصدر أحكام قضائية ضد من وجه إليهم الاتهام زورًا وبهتانًا.
وبصرف النظر عن صدور الحكم من عدمه، فإن مجرد وجود تحركات بهذا الشأن، وما سبقها من تجميد أموال بعض الشركات والهيئات والأفراد دون دليل أو إثبات، وإنما إشباعًا لرغبة عارمة في الانتقام من شركات ومؤسسات وأفراد بأعينهم؛ مثل هذه التحركات لا يخدم بحال الأوضاع الاقتصادية الدولية، وسيخلق حالة من التوجس والريبة في الأسواق وحركة الأموال، كما سيثير المزيد من السخط على السياسات الأمريكية وستلجأ أطراف أخرى إلى محاولة تقليد النموذج الأمريكي وتحقيق المصالح من غير طريقها المشروع، مما يزيد الفوضى والاضطراب في العالم.
وبهذه المناسبة، فإننا نطالب الدول والشركات والأفراد أصحاب الأرصدة والاستثمارات العربية والإسلامية في الغرب التي تقدر بمئات المليارات من الدولارات - بأن يوجهوا استثماراتهم إلى البلدان العربية والإسلامية بدلًا من استثمارها في الغرب، كما ندعو الحكومات العربية والإسلامية -في المقابل- أن توفر المناخات الآمنة والتشريعات الواضحة التي تشجع على الاستثمار وجذب رؤوس الأموال.
إن مجالات الاستثمار في قطاعات الزراعة والصناعة والتعمير في العالم العربي والإسلامي واسعة، ويمكنها أن تستوعب أضعاف المتوافر من رؤوس الأموال، كما تأتي بمردود أفضل ولا يعقل أن نعتمد على الاستيراد في كل شيء تقريبًا، بينما أموالنا تعمر في بلاد غيرنا وتسهم في تحقيق رفاهية الآخرين، ودعم صناعات أقطارنا أولى بها ثم تبقى معرضة للتجميد أو المصادرة، أو الابتزاز والاستنزاف أو أحكام تعسفية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل