; مستقبل منطقة البلقان: ومستقبل المسلمين فيها | مجلة المجتمع

العنوان مستقبل منطقة البلقان: ومستقبل المسلمين فيها

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر الأحد 05-يناير-1992

مشاهدات 72

نشر في العدد 983

نشر في الصفحة 32

الأحد 05-يناير-1992

  • حسم أحداث البلقان ونتائج الحربين العالميتين على حساب المسلمين في البلقان.
  • جميع مطالب المسلمين في النزاعات الراهنة.. دون صدى حتى الآن.

مستقبل منطقة البلقان مرتبط ارتباطًا وثيقًا بماضيها التاريخي واستيعاب الأحداث الجارية الآن فيها لاستشراف معالم مستقبلها رهن باستيعاب المؤثرات التاريخية على مجراها الحالي.. وهي ظاهرة المفعول، على المستوى المذهبي والديني والعرقي بالنسبة إلى انهيار حدود كانت مستقرة منذ الحرب العالمية الثانية أو بوادر نشوء محاور جديدة على الساحة السياسية الأوروبية أو تميز المواقف تجاه المسلمين الذين يشكلون في منطقة البلقان أكبر تجمع إسلامي أوروبي في القارة.

معالم تاريخية

وصل الإسلام إلى المنطقة قبل وصول العثمانيين إلى بلجراد وزغرب بزهاء مائتي عام وانتشر بين السلافيين من الشعوب التي هاجرت سابقًا من منطقة روسيا باتجاه الغرب، ومنها اليوم الصربيون والكرواتيون والسلوفينيون وكذلك المسلمون الذين عرفوا منذ ذلك الحين باسم البوشناق وإليهم تنسب منطقة البوسنة.

كما تحرك الإسلام مع التتار والعثمانيين على محورين فدخل عبر قفقاسيا وسيبيريا متجاوزًا موسكو وكييف حتى وصل إلى رومانيا والمجر وبولندا.. ودخل عبر اليونان ومقدونيا إلى بلغاريا وألبانيا ثم عبر بلجراد وزغرب حتى وصل إلى بودابست وفيينا.

وضعفت الدولة العثمانية فشهدت مرحلة المسألة الشرقية غزو فرنسا لشمال إفريقيا وتمرد اليونان واجتياح روسيا لمنطقة قفقاسيا وتركستان، وانتهت هذه المرحلة بحرب القرم بين عامي 1852 و1855م فبدأت الأحداث الرئيسية في منطقة البلقان على محورين محور الصراعات القومية والمذهبية في أوروبا ومحور الصراع مع الدولة العثمانية التي أصبحت تحمل اسم «الرجل المريض»، ويمكن النظر في هذه المرحلة من زاوية ما أسفرت عنه بالنسبة إلى المسلمين وأراضيهم حتى نهاية الحرب العالمية الثانية من خلال النقاط الموجزة التالية:

1- دار نزاع طويل بين روسيا ورومانيا على منطقة بوكوفينا وبيزاربيا وكان فيهما التجمع الأكبر للمسلمين وحسم الصراع في معاهدة باريس عام ١٩٤٧م فألحقت المنطقتان بالاتحاد السوفياتي وتتبعان حاليًا لمولديفيا وأوكرانيا الدولتين العضوين في رابطة الدول المستقلة وكان عدد المسلمين في رومانيا عام 1939م حوالي 260 ألفًا وعددهم الآن بين 70 و80 ألفًا ومركزهم الرئيسي في كونسطانطه جنوب شرق رومانيا عند ساحل البحر الأسود وأغلبية سكان رومانيا 85% من النصارى الأرثوذوكس.

2- كانت منطقة البوسنة والهرسك مركز الصراع الرئيسي منذ تمرد الهرسك على العثمانيين عام ١٨٧٥م وتبادل السيطرة على المنطقة بين الصربيين الأرثوذوكس والإمبراطورية المجرية- النمساوية الكاثوليكية، ومن سراجيف اندلعت عبر هذا الصراع شرارة الحرب العالمية الأولى فاستقرت السيطرة الصربية بعد الحرب ثم كانت أولى مراحل الحرب العالمية الثانية بتحالف ألمانيا مع النمسا وكرواتيا ضد الصربيين ومع انتهاء الحرب سيطرت صربيا على المنطقة مجددًا واستقرت تحت هيمنتها في عهد تيتو حدود الدولة اليوغوسلافية وحدود جمهورياتها الست ويبلغ سكان البوسنة والهرسك التي أعلنت استقلالها رسميًا زهاء ٥ ملايين نسمة ونسبة المسلمين 50% حسب المصادر الإسلامية و42% حسب المصادر الأخرى ونسبة الصربيين الأرثوذوكس (30- 31%) والكرواتيين الكاثوليك (14- 15%).

3- كانت مقدونية جزءًا من الدولة العثمانية حتى حرب البلقان 1912 و1913م التي أسفرت عن تقسيمها بين اليونان وبلغاريا وصربيا وأصبح الجزء الخاضع لصربيا جمهورية يوغوسلافية أعلنت الآن استقلالها أيضًا، وعدد سكانها 2.4 مليون نسمة تقريبًا ونسبة المسلمين 60% حسب المصادر الإسلامية و30% فقط حسب المصادر الأخرى وأغلبية بقية السكان من الأرثوذوكس.

4- لم ينقطع النزاع بين ألبانيا من جهة وصربيا والجبل الأسود من جهة أخرى على منطقتي كوسوفو وسانجيك الإسلاميتين وحسمت الحرب العالمية الثانية الصراع لصالح صربيا ويعيش في كوسوفو حاليًا زهاء 1.8 مليون مسلم ألباني (95%)، وتتبع لصربيا إداريا وفي سانجيك زهاء 250 ألف مسلم ألباني وهي مقسمة إداريًا بين صربيا والجبل الأسود الحليفتين في الحرب الدائرة حتى الآن على أرض كرواتيا.

5- توجد عدا ذلك الأقليات الإسلامية في صربيا وكرواتيا لاسيما في بلجراد وزغرب، فضلًا عن الأقليات والأراضي الإسلامية في اليونان وبلغاريا وفق ما أسفر عنه رسم الحدود في المعاهدات التي أنهت الحربين العالميتين.

ويصل مجموع عدد المسلمين في منطقة البلقان بذلك إلى 8.5- 12 مليون مسلم حسب المصادر الإسلامية وغيرها ويتوزعون كما يلي:

      ·       2- 2.8 مليون مسلم ألباني في ألبانيا.

      ·       250 ألف مسلم ألباني في سانجيك تحت سيطرة الجبل الأسود وصربيا.

      ·       1.7- 1.8 مليون مسلم ألباني في كوسوفو تحت سيطرة صربيا.

      ·       2- 2.5 مليون مسلم من البوشناق وسواهم في البوسنة والهرسك.

      ·       100 - 200 ألف مسلم في البوشناق والألبان في صربيا وكرواتيا.

     ·       800 ألف- 1.5 مليون مسلم من المقدونيين وسواهم في مقدونية 

     ·       200- 250 ألف مسلم من المقدونيين والأتراك وسواهم في مقدونية واليونان في اليونان.

    ·       1.2 2.5 مليون مسلم من الأتراك والبلغار في بلغاريا.

    ·       70- 80 ألف مسلم من التتار والأتراك في رومانيا.

أحداث بعيدة عن الأضواء

إن أراضي المسلمين وأوضاعهم في مجموع منطقة البلقان من أشد المناطق والأوضاع تخلفًا بين مجموع ما تركته الشيوعية المنهارة، وقد زلزلت أحداث الشرق الحدود المستقرة منذ الحرب العالمية الثانية فأسفرت عن سقوط الدولة السوفياتية وانهيار الاتحاد اليوغوسلافي واقعيًا وستسفر عن مزيد من التغييرات التي تسعى الجهود الغربية إلى توجيهها وفق سلسلة من الأهداف الصادرة عن مصالح مشتركة وأخرى عن مصالح التنافس بين القوى الرئيسية داخل كتلة الشمال في الوقت نفسه، ولا نفصل الحديث فيها إنما لا ريب في أن جميع هذه الجهود لا ترغب في أن يقوم للمسلمين كيان مستقل ذو تأثير في مستقبل البلقان أو على المستوى الأوروبي سواء من خلال دولة البوسنة والهرسك أو دولة ألبانيا على سبيل المثال، ومن المعروف أن الأولى معرضة حاليًا لأخطار كبيرة إذا اكتمل استقلال كرواتيا وسلوفينيا ووجهت صربيا الكبرى قوتها العسكرية إليها وإلى مقدونية، كذلك فمن المعروف أن ألبانيا تواجه محنة اقتصادية قاتلة وفوضى سياسية كبيرة تميزها عن سائر دول الشرق الأخرى بعد انهيار الشيوعية ويمكن ذكر بعض الوقائع الرئيسية من المرحلة الراهنة مما بقى بعيدًا عن الأضواء التي تركزت على أحداث كرواتيا:

1- طالب رئيس البوسنة والهرسك علي عزت بيكوفيتش الرابطة الأوروبية بالاعتراف بجمهوريته أسوة بالاعتراف المرجح بكرواتيا وسلوفينيا وتقدم لذلك بطلب رسمي ضمن الموعد الذي حددته الرابطة ولا يوجد صدى إيجابي حتى الآن.

2- توجه بيكوفيتش في الوقت نفسه إلى مجلس الأمن الدولي مطالبًا بإرسال قوة سلام دولية قبل أن ينفجر الوضع المتوتر للغاية فتنتقل المعارك إلى البوسنة والهرسك فتتجدد حجة مجلس الأمن بعدم إرسال القوات إلا بعد وقف إطلاق النار ولم يصدر صدى إيجابي حتى الآن.

3- أعلنت الأقلية الصربية في البوسنة والهرسك بالمقابل عزمها على الاستقلال في 14/1/1992م أي قبل يوم واحد من الموعد المقرر للاعتراف الأوروبي بجمهوريات يوغوسلافية.. كما هدد زعيم الأقلية الصربية كراجيشينك المعروف بلقب «جزار الكرواتيين» باستخدام السلاح في البوسنة والهرسك إذا انفرد المسلمون بخطوة انفصالية.

4- أجرى المسلمون في كوسوفو استفتاء شارك فيها 87% من السكان وأيد 99% الاستقلال، فألغت السلطات الصربية الإدارة الذاتية واعتقلت الألوف وجندت عشرات الألوف من الشباب فأرسلتهم إلى ساحة المعارك في كرواتيا، وشكل المسلمون في كوسوفو حكومة سرية بزعامة الطبيب بوجار بوكوشي ولم تعترف بها سوى ألبانيا حتى الآن.

5- أجرى المسلمون في منطقة سنجيك- رغم معارضة السلطات- استفتاء شعبيًا أيد فيه 70% على الأقل الاستقلال عن صربيا والجبل الأسود، وتزعم الحركة رئيس المجلس الوطني للمسلمين في المنطقة سليمان أوجليانين كما وجه مؤتمر مشترك للمسلمين في كوسوفو وسانجيك خطابًا إلى المؤتمر الأوروبي للسلام في لاهاي ينكر على رئيسي صربيا والجبل الأسود تمثيل المسلمين وبقي ذلك دون صدى.

6- أجرى سكان مقدونية استفتاء في تشرين أول- أكتوبر الماضي- أسفر عن قرار الاستقلال، فهدد نائب رئيس الوزراء الصربي في بلجراد بوديمير كوزيفيتش باستخدام السلاح لتحرير الصرب في مقدونية علمًا بأن نسبتهم هناك لا تتجاوز 2%.

كما طالبت مقدونية الرابطة الأوروبية بالاعتراف بها على غرار الاعتراف المنتظر بكرواتيا وسلوفينيا ولا يزال هذا دون صدى إيجابي حتى الآن أيضًا.

الاحتمالات.. ودور تركيا

لا ريب أن الخلفيات التاريخية والمعطيات الراهنة ترجح أن تشهد البلقان نزاعًا متجددًا لا يقف عند الحدود اليوغوسلافية، وقد تولد محاور جديدة في الساحة الأوروبية، وقد برزت للعيان المخاوف الأوروبية من نشوء محور جديد تعتمد عليه ألمانيا في نفوذها الاقتصادي والسياسي المتزايد في أوروبا وعالميًا ويمتد حتى أوكرانيا عبر كرواتيا وسلوفينيا بدعم متزايد من جانب النمسا والمجر وإيطاليا، ونظرًا إلى العنف العسكري والتشدد السياسي من جانب صربيا لم تستطع الرابطة الأوروبية الاستمرار على المماطلة إزاء الضغوط الألمانية فاستجابت نسبيًا على صعيد الاعتراف المشروط ببعض الجمهوريات اليوغوسلافية.

وفي الوقت الذي كان تجاوب مجموع الدول الغربية مع دول البلطيق ثم مع بولندا والمجر وتشيكوسلوفاكيا والآن مع روسيا وأوكرانيا تجاوبًا كبيرًا يثبت تدريجيًا تكامل شريط الشمال ما بين أميركا وحدود الصين فإن التردد كان مشتركًا تجاه دعم التغيير في كل من رومانيا وبلغاريا- نسبيًا- وفي ألبانيا على وجه الخصوص.

أما بالنسبة إلى المسلمين في المنطقة لاسيما في كوسوفو والبوسنة والهرسك ومقدونية فمن الواضح أن ألبانيا التي تنفرد بتكرار إعلان التأييد والدعم لا تملك مجرد إنقاذ نفسها حاليًا فضلًا عن تقديم الدعم لسواها ولا نكاد نرصد بعد ذلك دعمًا يذكر من جانب مجموع البلدان الإسلامية بما يتجاوز مستوى الجمعيات والمؤسسات الخيرية إلى مستوى الدول السياسي ومستوى الطاقات الاقتصادية المؤثرة، وربما تستثنى تركيا على صعيد البلقان فإلى جانب نشاطها الملحوظ على صعيد الدول الإسلامية وسط آسيا وفي قفقاسيا توجد مؤشرات عديدة لرغبة تركيا في تجديد نشاطها في منطقة البلقان أيضًا، وقد بدأ ذلك بالزيارة التي قام بها رئيس البوسنة والهرسك بيكوفيتش إلى أنقرة في تموز- يوليو الماضي ويعبر عن نتائجها تصريح سليمان ديميريل بعد استلامه رئاسة الوزراء بقوله: لن تقف تركيا مكتوفة الأيدي إذا تعرض إخوة العقيدة في البوسنة إلى الخطر. ولا يمكن تقدير أشكال الدعم أو التعاون الحالية إنما يلفت النظر أن بيكوفيتش الذي كرر رغبته في زيارة بلدان إسلامية أخرى لم يتلق دعوة رسمية لذلك حتى الآن.

وعندما فاز حزب «حركة الحقوق والحريات» الذي يمثل المسلمين في بلغاريا بـ(24) مقعدًا في المجلس النيابي في صوفيا وأصبحت حركة التجمع الديمقراطي مضطرة إلى أخذ النواب المسلمين بعين الاعتبار في الحكم مقابل معارضة الشيوعيين داخل المجلس نشطت تركيا بشكل ملحوظ فقدمت لبلغاريا قرضًا ماليًا بقيمة ٢٠٠ مليون دولاًر وبلغ عدد الشركات التركية العاملة في بلغاريا في هذه الأثناء أكثر من ٤٠٠ شركة وسرى مفعول تسهيلات عديدة لصالح البلغار وتجارتهم داخل تركيا.

ويلعب من وراء ذلك حرص تركيا على التقارب مع بلغاريا وألبانيا في مواجهة اليونان الخصم التقليدي في أكثر من مجال، بما في ذلك مقدونية، وظهر التقارب مع ألبانيا خلال الزيارة التي قام بها الرئيس الألباني راميس عليا إلى أنقرة قبل أسابيع وعاد منها بقرض مالي فوري ومعاهدة للتعاون الاقتصادي وتردد آنذاك أن اتفاقًا سريًا للتعاون العسكري قد عقد بين الطرفين وعزز ذلك قيام رئيس الأركان التركي دوجان جوروش بزيارة إلى تيرانا استغرقت ثلاثة أيام في تشرين الثانينوفمبر الماضي.

وتتكامل هذه التوجهات التركية في البلقان معها في قفقاسيا ووسط آسيا وتلتقي أبعادها التاريخية والسياسية الواقعية في قول «تورجوت أوزال» قبيل الانتخابات الماضية: إن التطورات التاريخية الراهنة تعطي تركيا فرصة لتعكس مفعول عملية الانكماش التي بدأت على أسوار فيينا.

وبغض النظر عن عوامل المعركة الانتخابية وراء هذا الموقف وأمثاله فيبدو أن أنقرة تريد الاستفادة من ورقة البلقان من جديد وتعتبرها ورقة رابحة على أية حال.. إذ يمكن استخدامها مع العلاقات المتنامية في القوقاز كبديل يمكن أن تلوح به إزاء الرابطة الأوروبية المتنكرة للسياسة التركية الغربية عبر عشرات السنين الماضية ثم كورقة للضغط على اليونان في نقاط الخلاف العديدة بين البلدين فضلًا عن ظهور الحكومة التركية بمظهر المدافع عن المسلمين ومصالحهم في أوروبا، وهذا ما يفيدها على الصعيد الداخلي في إطار نمو التيار الإسلامي الرافض للعلمانية، وعلى الصعيد الخارجي في إطار الصبغة الإسلامية الأكثر رواجًا في العلاقات مع البلدان العربية والإسلامية الأخرى.

الرابط المختصر :