العنوان أنا .. وهي.. ورمضان .. (۳) - حالات زوجية - النسيان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 28-يوليو-2012
مشاهدات 46
نشر في العدد 2013
نشر في الصفحة 8
السبت 28-يوليو-2012
د. أحمد عيسى .. و .. إيمان مغازي الشرقاوي
- أنا: في البيت المسلم علينا أن نصفح عن بعضنا للهفوات غير المتعمدة أو الواجبات المنسية..
- هي: رمضان يا زوجي فرصة ثمينة للتحلي بالنسيان الجميل والتخلي عن النسيان المذموم..
أنا..
هذه المقالات المشتركة تعبر عن حالات زوجية رمضانية تركنا القلم بين أيدينا ليفصح كل منا عن مشاعره، ولتشهد الصفحة الواحدة ذات الشقين المتعانقين مدى الاندماج الزوجي، الذي يرفع شهر رمضان قدره ويزيد أثره.
أتذكر وأنا طفل كبير قبيل أذان المغرب كنت أذهب يومًا إلى حقل الخضر القريب لآتي بجرجير السلاطة الطازج، ولم أشعر في يوم إلا وأنني تحت وطأة رائحة الجرجير أن أذوقه ناسيا! وكنت أكتم هذا الذنب في صدري حتى أزاحه الله تعالى لما عرفت أنه من رحمته لعباده الصائمين عفوه عن النسيان. فمن أكل أو شرب ناسيا وهو صائم فلا يفطر بذلك، وصيامه صحيح، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أكل وهو صائم فأكل وشرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه (متفق عليه) ولا فرق بين صيام رمضان أو القضاء أو النذر أو النافلة وإلى هذا ذهب الجمهور، وفي حديث رواه الحاكم «من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة».
يأخذني هذا الأمر يا زوجتي إلى أنواع أخرى من النسيان فانظري إلى مغفرة الله تعالى وعفوه إلى من لم يتعمد الفطر في رمضان وإن كان أكل وشرب!
في البيت المسلم علينا أن نصفح عن بعضنا بعضا للهفوات والزلات التي لم نتعمدها، أو الواجبات والمناسبات التي نسيناها !
بل هي التذكرة برفق، أو «نسيان» الهفوة بلطف.
أضحك من أعماق قلبي حينما أسمع عن خلافات زوجية لنسيان وضع الملح في الطعام، أو السكر في الشاي أو نسيان هدية يوم الزواج أو يوم الزواج نفسه!
إن شهر رمضان مدرسة يتقرب فيها العبد لربه على غير تقوقع من حياته وأقرب الناس إليه وإنما يكون التسامح عنوان العلاقة الوطيدة التي بنيت على الإيمان.
ونسيان آخر سيكون علاجه -إن صدقنا- في رمضان إنه نسيان العلم والقرآن.
كان الإمام أبو حنيفة إذا أشكلت عليه مسألة قال لأصحابه: ما هذا إلا لذنب أحدثته، وكان يستغفر وربما قام وصلى فتنكشف له المسألة ويقول: رجوتُ أني تيب عليّ، فبلغ ذلك الفضيل بن عياض فبكى بكاء شديدا، ثم قال ذلك لقلة ذنبه، فأما غيره فلا ينتبه لهذا.
ولما جلس الشافعي بين يدي مالك وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته وتوقد ذكائه فقال: إني أرى الله ألقى على قلبك نوراً ، فلا تطفئه بظلمة المعصية.
وقال الشافعي
شكوت إلى وكيع سوء حفظي
فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور
ونور الله لا يهدى لعاصي
إن عقوبة المعصية أن ينسى العبد نفسه وإذا نسي نفسه أهملها وأهلكها.. ﴿ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ (الحشر:۱۹)، فلما نسوا ربهم نسيهم وأنساهم أنفسهم كما في سورة التوبة ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (التوبة: ٦٧) .
ونسيانه سبحانه للعبد كما قال ابن القيم : «إهماله وتركه وتخليه عنه، أما إنساؤه نفسه فهو إنساؤه لحظوظها العالية وأسباب سعادتها وفلاحها وإصلاحها، وأيضا فينسيه نفسه ونقصها وآفاتها، وأمراض نفسه وقلبه فلا يخطر بقلبه مداواتها..».
أما طاعة الله المتراكبة المتعددة في رمضان فهي أداة التذكر والذكرى والبصيرة.
هي..
مع قدوم شهر رمضان تأتي بشائر المغفرة وسحائب العفو وأمطار الغفران «وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار».. تأتي تلك البشريات تحمل معها غيوث الإفاقة من سبات الغفلة، وتقدم الشفاء من مرض النسيان.. نسيان الذات وجلدها ومحاسبتها ، فرمضان فرصة ليتذكر الصائم نفسه فيعاتبها ويصارحها وينقيها ويهذبها، لتكون أهلا لرحمة الله تعالى وما أجمل أن أفعل ذلك أنا وأنت يا زوجي في رمضان.
ليس لنا يا زوجي أن نصوم رمضان وننسى الطعام والشراب نهاراً فنجوع ونعطش، ونفطر على عورات الناس حين نذكرها وتنشرها على الملأ، وتنطوي قلوبنا على بغضهم وكراهيتهم وتمني الشر والسوء لهم بسبب زلة كانت في حقهم أو إساءة منهم لصقت بجدار القلوب ولم تأخذ حيز النسيان حين جاء رمضان! فهلا غسل كل منا يا زوجي قلبه، وأفسح فيه مكانا لهذا النسيان ليعود له شفافيته ونقاؤه مع الصيام؟
وليس لنا يا زوجي أن يأتي علينا رمضان وكلانا أو أحدنا لأهله ناس، ولرحمه قاطع ولأبويه عاق، ولإخوانه مخاصم، ولحقوقهم مضيع، بل الأجدر بي وبك أن ننسى القطيعة والعقوق والخصام مع قدوم ضيفنا إلينا وحلوله بين يدينا لنرضي ربنا ونكرم ضيفنا.
وليس لنا يا زوجي أن يأتي علينا رمضان وأحد منا للأمانات مضيع، وفي جنب الله مفرط، وللطاعات مسوّف، وللإحسان جاحد يقابل الإساءة بمثلها وزيادة، لا يعفو فيغفر ولا ينسى فيصفح لا يقيل عثرة ولا يقبل عذرا ثم هو يطلب من ربه أن يعفو عنه وينسى أن الله تعالى يقول: ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُونَ أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النور: 22).
وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ارحموا تُرحموا واغفروا يغفر الله لكم..» رواه أحمد.
إن حبيبنا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم يقول: «رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (صححه النووي).. فلماذا لا نتخذ يا زوجي معاً هذا الحديث منهجاً وشعاراً لنا في حياتنا الزوجية والأسرية؟ ولماذا لا نتعلم تصحيح أخطائنا بدلا من اللوم والعقاب؟ ولماذا لا نذكر الناسي منا بدلاً من اتهامه؟ إنني أتعجب حين يُنسى النسيان فيما بيننا! ولا يعجبني أن يبذل أحد منا جهده في تذكّر أي إساءة صدرت من الآخر، وأتعجب أكثر حين لا يكون لها مكان للنسيان مع انتهائها وأتعجب أكثر وأكثر حين تتجدد عند كل خلاف وتصير موضعاً جديداً للنزاع إنما يعجبني أن نتغاضى عن الهفوات ونتناسى السيئات ونعفو عن الزلات؛ ﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ للتَّقْوَى وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصيرٌ﴾ (البقرة: 237).
أما من أراد منا أن ينبذ النسيان فلينبذه عن نفسه التي بين جنبيه، وليبدأ بها في رمضان، ففيه تحلو التذكرة، ومن نسي نفسه فأهملها وأوردها مورد السوء والهلاك فقد آن له أن يتذكرها الآن بلا نسيان.
وإذا أردتُ أنا وأنت أن يكون النسيان في جميع الأحوال فلن تستقيم لنا حال يا زوجي، فقد ذم الله تعالى بعض أنواع النسيان، فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ (الحشر: 19)، فليس لنا أن ننسى حق الله فنترك شكره وتعظيمه فينسينا حق أنفسنا أن نعمل لها خيرا وليس لنا أن ننسى الله تعالى عند الذنوب فينسينا أنفسنا عند التوبة، ولا أن ننساه في الرخاء فينسينا أنفسنا في الشدائد، وليس لنا أن ننسى لقاءه والاستعداد والعمل له فنكون ممن قال لهم: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ (الجاثية : ٣٤)، ولا شك يا زوجي أن من النسيان المذموم الغفلة عن آيات الله الدالة على وحدانيته وقدرته ومنه نسيان الذنب وهو محفوظ؛ ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهٍيٍدٌ﴾ (المجادلة: 7)، ونسيان حظ النفس من البر بتركه، والله تعالى يقول: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبَرَ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 44).
وثمة أمر عظيم ليس لي ولك أن ننساه وهو الموت، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أكثروا ذكر هادم اللذات» (الألباني، صحيح الترغيب)؛ يعني الموت.
ألا وإن رمضان يا زوجي فرصة ثمينة لي ولك للتحلي بالنسيان الجميل وفرصة عظيمة للتخلي عن النسيان المذموم حتى لا نكون ممن ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذكْرَ الله أَوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَان أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (المجادلة: 19) .. فهيا للعمل معاً في رمضان..﴿وَاذْكُر رَبِّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لَأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ (الكهف: 24).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل