العنوان أنت الذي أحوجتني:
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-سبتمبر-1992
مشاهدات 39
نشر في العدد 1016
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 15-سبتمبر-1992
أنت الذي أحوجتني:
بقلم: محمد يوسف
الجاهوش
كان السلطان
جلال الدولة ابن السلطان ألب أرسلان السلجوقي في مجلس حكمه، إذ دخل عليه رجلان يستغيثان
من ظلم وقع عليهما، ولم يجدا ناصراً ولا معيناً ينصفهما. فلما استمع إليهما، قال:
خذا بيدي، واحملاني إلى الوزير. فامتنعا، فقال لهما: لا بد من ذلك. فأخذ كل واحد
منهما بيد ومشى معهما. فبلغ ذلك الوزير «نظام الملك»؛ فقام حافيًا، وتلقاه متعجبًا
مستفسرًا: ما هذا الذي أرى؟ قال السلطان:
أنت الذي أحوجتني إلى هذا، لقد عينتك لتدفع عني الظلم، فإذا لم تدفع عني أخذاني
يوم القيامة هكذا ليخاصماني أمام ربي، وما يدريني أن يأمر بي فأطرح في النار!!
«المنتظم لابن الجوزي بتصرف».
إنها صفحات
بيضاء ناصعة من تاريخنا الإسلامي، سطرها رجال مضوا على سنن الأسلاف، واقتدوا
بالرعيل الأول من الجيل القرآني الذي تربى في مدرسة النبوة، فكانوا امتدادًا لذلك
العهد المشرق، ومثلاً رفيعة تجسد تعاليم الإسلام في واقع الناس. على تعاقب الأجيال
واختلاف الديار، لتقول للدنيا وبصورة عملية: إن تعاليم الإسلام ستبقى النبع الفياض
بالخير والنماء، والعدل والمساواة، ما أخذت طريقها إلى التطبيق في واقع الحياة،
وسينعم الناس بالسعادة والهناء ما تربوا على تعاليمها واغترفوا من معينها، وسيجد
كل إنسان يستظل بظلالها الأمن والطمأنينة والحياة الكريمة.
فيحيا آمنًا على
جميع حرماته وممتلكاته، وما يقدس من قيم ومعتقدات: عرضه مصون، وماله محروس، وذمته
لا تخفر.
صفت القلوب،
وتعاقدت على المحبة والإخاء، فعم الرخاء، وانتشر العدل، وساد الأمان.
يغدو الرجل إلى
شأنه، ويروح مطمئن البال، ساكن الخاطر، لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه.
والسلطة الحاكمة
عين ساهرة على مصالح الرعية وحفظ البلاد، وحماية الثغور، لا يشغل بال رأسها الأعلى
- من خليفة أو سلطان - إلا ما يهم البلاد والعباد. كيف لا؟ وقد غرس الإسلام في
قلبه ووجدانه أنه مسؤول عن أمور الأمة كلها:
مسؤول عن الشاه
إن عثرت، كيف لم يمهد لها الطريق، وعن الرضيع يُفطم قبل أوانه لماذا حرم الحليب؟
وعن المريض الذي يعجز عن العلاج، والجاهل الذي لم تتهيأ له أسباب التعليم، وغيرهم
وغيرهم من فئات المجتمع على اختلاف مستوياتها، وينظر حوله فيجد نفسه فردًا من
أبناء الأمة، لكنه أثقلهم حملاً، وأكثرهم مسؤولية، فلا بد أن يكون من أحرصهم على
أداء واجبه، ليجتاز في القيامة الصراط، وينجو من سوء الحساب.
ولا يطيل مناقشة
الحساب - يوم القيامة - شيء مثلما يطيلها الظلم: ظلم الإنسان لنفسه بتفريطه
وإسرافه، وظلم العباد بعضهم بعضًا.
ولا شك أن أشد
أنواع الظلم وأبشعها ظلم القوي المتسلط للعاجز الذي لا يجد حيلة ولا وسيلة ليدفع
عن نفسه.
نعم إن الظلم
صِنْو الشرك، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
(لقمان:13). إنه يدمر المجتمعات، ويقوض أركان الحضارات، يُفْقِر الشعوب،
ويبدد مكاسبها، فيحصدها حصدًا؛ حتى لكأنها أثر بعد عين. أثبتت هذا شواهد الحال،
وحكاه القرآن وحيًا محكمًا.
قال تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً
وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا
هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا
أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَا
وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ
حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ (الأنبياء: 11-15).
فكان هذا جزاء
وفاقًا وقصاصًا عادلاً، لو لم يكن سنة ماضية وناموسًا إلهيًا لفسد نظام الكون
واضطرب مسيره، إذ بالعدل قامت السماوات والأرض، وبه تنتظم دورة الحياة حتى يرث
الله الأرض ومن عليها.
ومن عدل الله تعالى
أن النظم والأمم العادلة تعمر، ويُمَكَّن لها في الأرض، ولو كانت كافرة، فتحيا
حياة رخاء واستقرار، ويعم الخير شعوبها، وتنعم بالأمن والأمان، وتجني ثمرات جهدها
تقدمًا وازدهارًا في شتى مجالات الحياة.
ومن عدله كذلك
ألا يدوم الظلم ولا الظالمون ولو كانوا مؤمنين موحدين، ولِعِظَم منزلة المؤمنين
عند ربهم قص عليهم في كتابه الكريم من أحوال الظالمين ونهاياتهم ما تذرف منه
العيون، وتنفطر له القلوب، وتخشع الجوارح، ويصلح أن يكون زادًا للمعتبرين ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ
وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة:46).
فكم من أمم سادت
وبادت، وبنت ومضت في سلم المجد صُعُدًا، فغرست الأشجار، وشَقَّت الأنهار، وأنشأت
الشاهق من البنيان، والحصين من المعاقل والقلاع، ونعم الناس فيها بالعدل
والطمأنينة والرخاء، ومضى أمرهم على الخير والرشاد، يتناصفون فيما بينهم، ولا يضيع
لديهم حق لضعيف.
نعم كم من أمم
عاشت على هذا الحال حينًا من الدهر، ثم تنكبت طريق العدل، وسلكت سبيل الظالمين،
فنفذ فيهم بأس الله الذي لا يُرَدُّ عن القوم الظالمين فأهلكهم بذنوبهم، وأخذهم
بظلمهم. قال تعالى: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ
أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ
مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ (الحج: 45).
ذهب كل ذلك وغدت
حصيدًا كأن لم تَغْنَ بالأمس!
إنها النتيجة
الحتمية لمقدمات سلفت، وذنوب مضت، وأخلاق ضلت الطريق القويم، وحادت عن سُنَن رب
العالمين سبحانه وتعالى.
قال عز وجل: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ
فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ وَكُنَّا
نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: 58).