; أوراق من دفتر سيدة مسلمة | مجلة المجتمع

العنوان أوراق من دفتر سيدة مسلمة

الكاتب فاطمة عصمة زكريا

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1988

مشاهدات 67

نشر في العدد 861

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 05-أبريل-1988

اليوم هو الأحد الثامن والعشرون من الشهر السادس، أي بداية فصل الصيف. الساعة حوالي الحادية عشرة صباحًا، توجهنا إلى "توب كابي بالاس" واتخذنا الناحية اليمنى من القصر، مبتدئات بالتحف الصينية التي كان يملكها سلاطين الدولة العثمانية. وكان معي لفيف من الأخوات الملتزمات.

 

كان مدخل القصر آية في الإبداع، حيث جمال الطبيعة التي صاغها الله تعالى تفوق بتنسيقها وألوانها كل التحف النادرة على غلاء أثمانها، فالبساط السندسي الموشى بالأزهار المبعثرة بألوانها الزاهية تعجز ريشة أبرع رسام عن تقليدها، والأشجار الوارفة الظلال المتشابكة الأغصان التي تعانقت مع بعضها كأنها تقول لزوار القصر: أوصيكم بالتكاتف والمحبة، إلى جانب زغردة العصافير البريئة والطيور المزركشة التي تحط على الأرض لتأخذ بمناقيرها الصغيرة فتيتات مما فضل من أيدي الزوار، سكون الطبيعة الهادئ إلى جانب خرير الماء المتدفق من بحيرات متناثرة زادت في إبداع الخالق، حيث ما زالت قطرات الندى على الأوراق الخضراء كدموع ناسك بنفسه المطمئنة بتأمل إبداع الخالق. ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ (يونس:101).

﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الجاثية:13).

في هذه اللحظة تذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تفكر ساعة خير من عبادة عام".

 

في ذلك الصمت الجميل الهادئ، إلا من صوت الطبيعة الخلاب، برز صوت بعض الزوار الذي شد بصرنا السلم الموسيقي لضحكهم المائع، ويا لهول ما رأينا! مسكينة أيتها الطبيعة، كم هو قاسٍ عليك تشويه جمالك، فما أشبهك بعروس مزينة ترفل بأبهى حللها ليلة زفافها، ليأتيها مستهتر غاشم من بعيد فيلقي عليها زجاجة "مداد أسود". وهكذا كان منظر الزوار، ويا ليته كان كالمداد فالمداد صامت لا يتكلم لا يعبر، لا يؤثر ويؤذي بألفاظه.

وزوارنا الأكارم كانوا يضحكون من منظرنا الإسلامي وهم أكثر من عراة حيث لم يكن يستر من أجسادهم إلا بعض الخرق الباهتة بألوانها أطلقوا عليها اسم "الشورت" سترت ربع بل أقل من تقاطيع الجسد. اقتربوا منا بنظراتهم الساخرة المستهزئة بالاحتشام "طبعًا هم رجالًا ونساء" وكلمونا بالأجنبية متسائلين عن مصدر لباسنا المحتشم، وأجبناهم بالإنجليزية: إن الله تعالى فرض علينا نحن المسلمات ذاك اللباس المحتشم صونًا للمرأة، وحفاظًا على سمعتها وعفافها، ومثلنا لهم أن المرأة المسلمة كاللؤلؤة حفظها الله تعالى ضمن صدفتها الحجاب، لتبقى مصانة من نظرات العابثين، وذكرنا لهم الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (الأحزاب:59).

وأبدوا إعجابهم رجالًا ونساء، ولما سألناهم عن جنسيتهم وبلدهم ويا للأسف واستغراب الإجابة ويا ليتنا لم نسأل، لقد أجابونا بالعربية أنهم مسلمون ومسلمات من الجزائر، وهذا المنظر غيض من فيض.

 

مسكين أيها الإنسان، أنقذك الله تعالى من الانحطاط والتدهور والضياع وأرسل لك الإسلام والقرآن، وحباك الطبيعة الخلابة بكافة ملذاتها وجمالها، لتنعم بخيراتها: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف:32).

شتان ما بين المنظرين، إنهما كقطبي مغناطيس متنافرين، كيف يندمج عطاء الله الخلاب مع معاصي الإنسان المتهتك السافر؟ أهذه مكافأة البشر لله تعالى؟ أهذا هو الشكر لواهب النعم؟ العري والميوعة والانحلال والاستهزاء والخروج عن حدود الحياء؟ رحماك يا رب كم أنت حليم على عبادك، يعصونك وتمهلهم وتنتظر عودتهم إليك فكأني أستجمع قولك يا رب: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (نوح:10).

وقولك تعاليت: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (الزمر:53).

وأخيرًا طرق في أذني أرجى آية في كتاب الله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الحجر:49).

ما أكرمك يا إلهي وأحلمك، وفي نفس الوقت ما أصعب تمهلك ووعيدك، فإنك جلّت قدرتك تمهل ولا تهمل وأتذكر قولك يا رب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ (البروج:12).

وقولك: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود:102).

فارحمنا يا رب برحمتك، ولا تأخذنا بما فعل السفهاء من عبادك، ونسألك الله ثبات الأمر وعزيمة الرشد: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ (آل عمران:8).

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

151

الثلاثاء 07-أبريل-1970

بريد الأسرة 4

نشر في العدد 8

501

الثلاثاء 05-مايو-1970

الاحتشام سر الجمال