; أوروبا والمسلمون فيها مشكلة لجوء وأجانب، أم مشكلة مسلمين؟ | مجلة المجتمع

العنوان أوروبا والمسلمون فيها مشكلة لجوء وأجانب، أم مشكلة مسلمين؟

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر الأحد 26-أبريل-1992

مشاهدات 75

نشر في العدد 998

نشر في الصفحة 20

الأحد 26-أبريل-1992

لم نرصد حتى الآن تحركًا سياسيًا جادًا وكافيًا من جانب البلدان العربية والإسلامية على صعيد ظاهرة تتفاقم خطورتها في أوروبا يومًا بعد يوم وتهدد المسلمين الأجانب فيها، وتجري أحداثها تحت عنوان خادع، وهو معالجة مشكلة اللجوء السياسي.

وقد طرح نجاح الأحزاب اليمينية المتطرفة في سلسلة من الانتخابات الأخيرة في البلدان الأوروبية الغربية قضية الأجانب مجددًا، دون أن يؤثر تأثيرًا إيجابيًا على المواقف الرسمية الراهنة، بل على العكس من ذلك أصبحت الأحزاب الكبيرة لا سيما اليمينية المحافظة تميل إلى التشدد في سياستها على صعيد الأجانب، لأغراض حزبية بحتة، إذ تعتقد أن هذا هو السبيل لاستعادة ما فقدته من أصوات الناخبين لصالح اليمين المتطرف. وبتعبير آخر، أصبحت السياسة الرسمية تتبنى التطرف بحجة أن أصوات الناخبين تستدعي ذلك، بينما كانت السياسة الرسمية نفسها سببًا مباشرًا في إثارة القضية على المستويات الشعبية بصورة غير موضوعية تنشر المخاوف العامة، وتزيد من انتشار ظاهرة كراهية الأجانب وما ينبني عليها من أعمال عدوانية متصاعدة خطورة وحجمًا، وسط تأييد علني أو صامت من جانب قطاعات شعبية يزداد اتساع نطاقها مرحلة بعد أخرى، ورغم الإدانة الرسمية المتكررة لأعمال العنف العنصرية في الأصل.

والوضع في ألمانيا مثال على هذه التطورات الجارية بدرجات متفاوتة في البلدان الأوروبية الغربية جميعًا، فارتفاع اللجوء السياسي إلى ألمانيا هو المنطلق لدى الجهات الرسمية في طرح القضية تحت عنوان «استغلال حق اللجوء السياسي لأغراض اقتصادية»، وهذا ما يثير بطبيعة الحال ردود الأفعال المعاكسة لدى الفرد الألماني العادي، الذي ينطلق من الموازين المادية في الدرجة الأولى.

ويتناقض طرح القضية على هذه الصورة تناقضًا مباشرًا مع المعطيات الموضوعية، ومن ذلك على سبيل البيان أن ارتفاع عدد طلبات اللجوء في الفترة الأخيرة كان نتيجة مباشرة لأحداث الشرق ولا سيما في نطاق القضية اليوغوسلافية، إذ يبلغ عدد طلبات اللجوء من المهاجرين مما كان يسمى الاتحاد اليوغوسلافي زهاء ثلثي مجموع الطلبات. وواضح لجميع الأطراف المعنية، أن هؤلاء لم يهاجروا لأغراض اقتصادية ولا يريدون في الأصل البقاء في ألمانيا، وإنما كان اللجوء إليها فرارًا من الحرب الأهلية الدائرة وعودتهم إلى بلادهم في حكم المؤكد عند استقرار الأوضاع من جديد. وأيًا كان الأمر بالنسبة للقوانين السارية في ألمانيا فلن تخفض عدد هؤلاء المهاجرين. أما الذي أدرج مشكلتهم تحت عنوان "اللجوء السياسي" فهو أن القانون الألماني لا يفسح المجال لدخولهم البلاد إلا بعد التوقيع على طلب لجوء، وتعلم السلطات أن هذه الطلبات تنتهي إلى الرفض، ولكن بدلًا من إيجاد معطيات قانونية للتعامل مع هذه الفئات الكبرى من المهاجرين مؤقتًا بسبب الحرب، تسعى الأحزاب اليمينية عبر الطرح السياسي الحزبي المذكور إلى تعديل الدستور تعديلًا يفرغ حق اللجوء السياسي من مضمونه الأصلي، وتدافع هذه الأحزاب عن مواقفها على الصعيد الداخلي بضرورة مكافحة ظاهرة استغلال حق اللجوء السياسي.

وعلاوة على ذلك، فإن استهلاك الطاقات المتوفرة على صعيد المعونات الاجتماعية كان إلى حد كبير نتيجة أزمة المساكن التي ترتبط بالأوضاع الاقتصادية عامة وبالوحدة الألمانية على وجه الخصوص. ونتيجة تدفق مئات الألوف من ذوي الأصل الألماني من البلدان الشرقية خلال السنوات القليلة الماضية والاضطرار إلى إنفاق مبالغ باهظة لاستيعابهم، ولكن الخطاب السياسي للأحزاب اليمينية يطرح هذا الجانب أيضًا وكأنه مرتبط بارتفاع عدد طلبات اللجوء السياسي فقط فيعزز النقمة الشعبية تجاه الأجانب عامة.

وإلى هنا يبدو الأمر وكأنه لا علاقة له بأوضاع المسلمين في ألمانيا أو في أوروبا عامة، ولكن أحداث الاعتداءات التي أصبحت نقطة دائمة على جدول الأعمال اليومي تثبت عكس ذلك، فهي لا تميز ابتداء بين لاجئ سياسي وأجنبي مقيم بقصد العمل أو الدراسة، ونظرًا إلى أن الأجانب المسلمين يتميزون عن سواهم من الأجانب الأوروبيين بمظهرهم، فقد أصبحوا أكثر من سواهم عرضة للاعتداءات العنصرية، مما أصاب العديد من المسلمين الأتراك واليمنيين والفلسطينيين واللبنانيين من العمال والطلبة والخريجين في ألمانيا وأمثالهم من الجزائريين والمغاربة في بلدان أخرى.

ولا تخفى على الصعيد الأوروبي الجهود المبذولة على أوسع نطاق لتحقيق هدفين رئيسيين: أولهما إلغاء الحدود بين العديد من البلدان الأوروبية الغربية مع اقتران ذلك بتوحيد السياسة نحو الأجانب، وهو ما يميل إلى الأخذ بأشد القوانين السارية في بعض البلدان دون سواها. والهدف الثاني هو الانفتاح على البلدان الأوروبية الشرقية مما بدأ بإلغاء جوازات السفر مع بعضها، ويمكن أن ينتهي إلى إلغاء الحدود مع الزمن وتعميم قوانين حقوق المواطنة مع إقامة وعمل وعلى غرار ما يجري في الرابطة الأوروبية.

هذه التطورات بالذات ستستقر خلال فترة وجيزة نسبيًّا عن وضع يتميز بمعالم رئيسية في مقدمتها قوانين متشددة على صعيد الأجانب عامة، وسط ظروف سلبية على المستوى الشعبي مع تحول كل أوروبي إلى مواطن في أي دولة أوروبية وبقاء فئة المسلمين في الدرجة الأولى من بين الأجانب من العالم الثالث هي المستهدفة بالقوانين المتشددة وبظاهرة الكراهية والاعتداءات العنصرية، وقد انتشرت في فرنسا وألمانيا وبريطانيا والسويد ووصلت حتى سويسرا.

ومن المؤلم على هذا الصعيد ألا يصدر تحرك جاد من البلدان الإسلامية المعنية لصالح أبنائها المسلمين في البلدان الأوروبية في الوقت المناسب. ولعل من الأسباب الرئيسية لذلك تصوير المشكلة على أنها مشكلة لجوء سياسي، فهذا ما يمكن أن يجعل حكومات البلدان الإسلامية تعزف عن التصرف انطلاقًا من الظن بأن المعنيين هم من الأصل أفراد معادون لأنظمة بلادهم. والواقع أن تصوير الأمور على هذا النحو، أشبه بزراعة وتد بين حكومات البلدان الإسلامية وما لا يقل عن 10 ملايين مسلم مقيم في أوروبا لأغراض الدراسة والعمل، ولا ينبغي إغفال وجود مشكلة "لجوء سياسي"، أيضًا قد تحتاج إلى علاج على أكثر من صعيد، ولكن القضية المطروحة هنا تتجاوز هذا النطاق وتتجاوز تعدد الاقتناعات السياسية وتؤكد على أن عامة المسلمين الأجانب في بلدان أوروبية في حاجة إلى مواقف رسمية وفعالة من جانب حكومات بلادهم من شأنها أن تزيد ارتباطهم بأوطانهم الأصلية، بينما يمكن أن يساهم التخلي عنهم وعن مصالحهم المهددة، وقد بلغت درجة التعرض المباشر للاعتداءات الجسدية، أن يؤدي هذا التخلي إلى توليد مواقف عدائية لديهم تجاه الأنظمة الحاكمة في بلادهم.

ومن هذا المنطلق على الأقل توجه الدعوة الملحة إلى الحكومات في البلدان العربية والإسلامية إلى الاهتمام الحقيقي بالمشكلة بما يتجاوز الاعتبارات الجانبية ويغلب المصالح البعيدة المدى على السياسات المؤقتة، بما يعود بالفائدة على البلدان الإسلامية وعلى علاقاتها مع الدول الأوروبية على المدى البعيد، كما يعود بالفائدة على العلاقة بين عامة المسلمين وأنظمة الحكم.



 

الرابط المختصر :