العنوان أيام في «قازان» (٤).. مؤتمر «علماء التتار في تاريخ الحضارة الإسلامية»
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 27-ديسمبر-2008
مشاهدات 91
نشر في العدد 1832
نشر في الصفحة 43
السبت 27-ديسمبر-2008
منسق المؤتمر أكد أن هدفه توثيق العلاقة مع التتار وإعادتهم إلى خريطة العالم الإسلامي
وزير التربية التتري ينحدر من عائلة إسلامية كبيرة والمفتي وأمه (٨٤عامًا) من حضور المؤتمر
٢٥ ألف مخطوطة عربية في «تترستان» لم يكشف عنها اللثام حتى الآن.
طالبت بتدريس «اللغة العربية» وتيسير قدوم المسلمين والتواصل بين المفكرين التتار والعرب.
قلت في الحلقة الأولى قدمت إلى «قازان» لحضور المؤتمر الدولي العلمي «علماء التتار في تاريخ الحضارة الإسلامية» وكان هذا القدوم هو الأول لهذا البلد، وقازان هي عاصمة جمهورية تترستان، وقد ذكرت تاريخ «تترستان» و «قازان» في الحلقات الثلاث الأولى فلا أعود لذلك هنا، وقد ابتدأ المؤتمر في يوم الخميس ٢٢ شوال سنة ١٤٣٩ هـ- ٢٣ أكتوبر سنة ٢٠٠٨م، في الساعة التاسعة وعشر دقائق متأخرًا عشر دقائق فقط عن موعده.
وكانت القاعة صغيرة وممتلئة بالباحثين والطلبة والطالبات المحجبات، وهذه نعمة من الله تعالي على هذا البلد الذي ابتلي قرونًا طويلة بالاحتلال الروسي والتخريب الشيوعي، وبدأ الحفل بآيات من القرآن الكريم تلاها أحد الطلبة، ثم تكلم سعادة الأستاذ الدكتور «محمد حرب زماني» المنسق العام للمؤتمر كلمة مرتجلة قصيرة أكد فيها أن المؤتمر أقيم من أجل توثيق العلاقة مع التتار، ولإعادتهم إلى حظيرة العالم الإسلامي، ثم تكلم وزير التعليم التتري بكلمة قرأها من أوراق أمامه، تحدث فيها عن عراقة الشعب التتري في الإسلام، وكثرة علمائه، وذكر أن «تترستان» تقع بين أوروبا وآسيا فهي ملتقى للحضارات، وذكر أنه ينحدر من عائلة إسلامية كبيرة، وأن هناك خطة لإنشاء جامعة اتحادية روسية إسلامية في «تترستان» إضافة لما في نترستان من جامعات ومدارس إسلامية، وذكر أن جمهورية تترستان حريصة على أن تقيم روسيا علاقات جيدة مع العالم الإسلامي، وختم كلمته بأن تمنى للمؤتمر النجاح.
۱۳۰۰ مسجد
ثم تحدث مفتي تترستان «عثمان بن عمر إسحاق» فرحب بالحاضرين ثم ذكر معلومات عامة عن «تترستان» وتحدث بنعمة الله تعالى في إرجاع الحق والإسلام إلى تترستان، وذكر أن هناك ۱۳۰۰ مسجد في «تترستان» وعشر مدارس إسلامية بعدها خلت قبل خمس وعشرين سنة من المساجد إلا القليل، ولم يكن فيها أي مدرسة إسلامية، وتكلم عن كل ذلك بالعربية، ثم تكلم بالتترية موضحًا أهمية بعض علماء تترستان مثل «شهاب الدين المرجاني» و«القرصوي»، وشدد على أهمية دراسة تاريخ البلد وعلمائه، وذكر بإيجاز تاريخ «شهاب الدين المرجاني» الذي ألف بالعربية والتترية، وكان يعرف اللغات العربية والفارسية والتركية إضافة إلى التترية، وكان يجمع بين العقل الرصين والإيمان العميق، ثم ذكر أن العلماء هم ورثة الأنبياء وأن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا؛ وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر، ثم ذكر أن هناك داعية اسمها «رشيدة» ظهرت قبل خمسين سنة، أسلم على يديها كثير من الرجال والنساء، وكتبت بعض الكتب عن الصلاة وغيرها.. ثم قال إنها «والدته» وأن عمرها ٨٤ سنة، وقد حضرت المؤتمر.
تاريخ موجز
وتحدث الدكتور «سعيد هبة الله كامل» وهو تتري قرمي على اطلاع واسع باللغة العربية وتاريخ الإسلام في تلك الديار، وقد ذكرت لقائي به في الحلقة الماضية وقد جاء ممثلًا عن «الإيسيسكو» «المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم»، «والإيسيسكو» إحدى المنظمات المسؤولة عن المؤتمر، وهناك من الهيئات المنظمة مؤسسة «نماء» ومقرها «ماليزيا» ومديرها سعادة الدكتور «صالح بادحدح» وقد تحدث الدكتور «سعيد هبة الله كامل» حديثًا موجزًا غلب عليه الطابع الرسمي «البروتوكولي» في بدايته: لكنه ختمه بذكر تاريخ موجز الشعب التتار، وطلبه من الخليفة المقتدر بالله سنة ٣٠٩ هـ / ٩٢١م أن يرسل بعثة لتفقيه وتعليم التتار، فأرسل «ابن فضلان» على رأس بعثة في العام نفسه، ثم ذكر انتشار الإسلام في المنطقة، ثم ذكر هجمات المغول على المنطقة، ومن ثم إسلامهم، وامتزاجهم يشعب المنطقة، ثم ذكر بسقوط «قازان» تحت الحكم الروسي وبداية العهد المظلم – كما سماه، وهو حق، ثم بين أن نهضة شاملة جرت في القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي، وأوائل العشرين، ثم ذكر كيف خدع الشيوعيون، وعلى رأسهم «لبئين» المسلمين، ودغدغوا مشاعرهم ثم قلبوا لهم ظهر المجن وعذبوهم وعطلوا مساجدهم أو هدموها، وهجروهم، ثم ذكر أحوال تترستان بعد سقوط الاتحاد السوفييتي الهالك، وأن المسلمين في نهضة شاملة الآن، ثم بين جهود منظمة «الإيسيسكو» في تمتين علاقات مسلمي روسيا مع مسلمي العالم الإسلامي، وجهودها في الحفاظ على تراث المسلمين ودينهم، وختم بأن تمنى للمؤتمر النجاح.
ثم تحدث مدير قناة النيل المصرية الإعلامي المفوه الأستاذ «جمال الشاعر» وقد سجلت القناة المؤتمر، تحدث حديثًا عاطفيًا مؤثرًا وأثنى على شعب التتار، وقدم أبياتًا من قصيدة «أحمد شوقي» نهج البردة، وذكر أن المسلمين علموا في المدارس أن التتار شعب مخيف: لكنه وجدهم أشداء على الكفار رحماء بينهم، وختم بهذا كلمته القصيرة اللطيفة.
عالمية الإسلام
ثم تحدث سعادة الدكتور «يوسف عبد الغفار» رئيس جامعة المملكة في البحرين فذكر بعالمية الإسلام وخلود الرسالة، وعدالة الإسلام وقيمه النبيلة وتقاليده الراسخة في السلوك والخلق، وحفظ حقوق الإنسان، وهذه كلها قيم يتطلع لها عالم الناس اليوم، ثم ذكر أن الأستاذ «مراد هوفما» وهو سفير سابق ل «ألمانيا» في «المغرب» وقد أسلم، وله مصنفات مهمة - قال بأن الانتشار العفوي للإسلام هو إحدى سماته على مدار تاريخه؛ لأنه دين الفطرة، الفطرة التي فطرها الله تعالى في الناس، وأكد الدكتور «يوسف» على أن الإسلام دين عالمي حفظ للعلم وظيفته وللعلماء مكانتهم، وأول آية فيه كانت: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: 1) وذكر بعد ذلك أن «تترستان» تجمع بين بعدين مهمين: البعد الإيماني الإسلامي الروحي، والبعد المعرفي العلمي المتمثل في تاريخها العميق، وذكر أن «تترستان» دخلها الإسلام بسماحة التجار وحسن أخلاقهم، وذكر سفارة الخليفة «المقتدر بالله» ورئيسها «ابن فضلان» وذكر أن الأحرف المستعملة على مدار ألف سنة كانت هي الأحرف العربية، ثم غيرت بعد ذلك، وقد ذكرت كل ذلك مفصلًا في الحلقات السابقة، وذكر أن «قازان» كانت أول مدينة إسلامية في روسيا تتولى نشر الكتب والصحف في التاريخ الحديث، وذكر بعض الجامعات الإسلامية في «قازان» وذكر بالمظالم التي وقعت على المسلمين وقد بلغت ذروتها في منتصف القرن الثامن عشر، ولم يحصل التتار على حريتهم الدينية إلا بعد سنة ١٩٨٥م، وهم الآن يعيشون حرية دينية جيدة، ثم أكد أن حضارة الإسلام قامت بالجمع بين الروح والمادة، وأن أي حضارة لا تستقيم إلا بهذا، وهذا هو الذي يصنعه التتار اليوم، كما ذكر سعادة الدكتور ثم أثنى على مكانة «قازان» والتقاء الثقافات المتنوعة فيها، وذكر «شهاب الدين المرجاني» وأثنى عليه، وكذلك أثنى على «عبدالله طوقاي» الشاعر العالم، وختم بالتذكير بمسؤولية المسلمين في أرجاء الأرض عن ميراث تترستان العلمي والمعرفي العظيم الذي أسهم في رقي الحضارة الإسلامية بل العالمية، ثم شكر القائمين على المؤتمر وتمنى للمؤتمر النجاح والتوفيق.
تعاون واجب
ثم تحدث الدكتور «عبد الرحمن آل محمود» نائب رئيس جامعة «كييف عالم الشرق، ب أوكرانيا» تحدث عن وجوب التعاون بين المسلمين وغيرهم، واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2) وذكر أن الإسلام قد تهي عن التعاون على الإثم والعدوان فهو إذن دين السلام، وذكر تجربته في «أوكرانيا» في التعاون على فهم الثقافات والحضارات، وقد أسس مركز هناك باسم «مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للحضارة الإسلامية» والذي سماه كذلك مستشرق أوكراني هو رئيس «جامعة كييف» وأستاذ كرسي في العلوم الإسلامية في «جامعة أوكرانيا» وذكر بأنه قد كان هناك تقصير من قبل المسلمين في الاتصال بمسلمي آسيا الوسطى والتتار وغيرهم، لكن هذا المؤتمر وأمثاله يسد شيئًا من هذه الثغرة، وذكر بأن في «تترستان» وحدها خمسة وعشرين ألف مخطوطة عربية لم يكشف عنها اللثام بعد، ثم ختم كلمته بالشكر المعتاد في مثل هذه المناسبات.
كلمتي في المؤتمر
ثم طلب مني الحديث فتكلمت عن نقاط عديدة أوجزها بالتالي:
الإقرار بأني لم أكن أعلم شيئًا عن تاريخ «قازان» و «تترستان» وهذا دال على تقصيري، هذا وأنا مهتم بالتاريخ فكيف بالآخرين البعيدين عن هذا المجال؟! ودعوت المجامع العلمية في «تترستان» وغيرها للاهتمام بتاريخ هذا البلد.
وطلبت من وزير التعليم الموجود في القاعة أن يعمل على تدريس اللغة العربية في المدارس لغة ثانية؛ لا لأنها لغة العرب، ولكن لأنها لغة الإسلام والقرآن.
وطلبت من القائمين على الشؤون الحكومية أن يسهلوا قدوم المسلمين عامة وأهل الخليج خاصة للسياحة في هذا البلد فهو أمن وجميل، وهذا يؤدي إلى تعميق الأخوة وانتعاش الاقتصاد، وأهل الخليج ينفقون المليارات في الغرب فأولى بهم أن ينفقوها في بلاد إسلامية مثل «تترستان».
وذكرت بما جرى على المسلمين الذين استثمروا أموالهم في الأزمة الأمريكية الأخيرة فخسروا، وكان أولى بهم أن ينفقوها في ديار الإسلام.
متحف شامل
وطلبت منهم إنشاء متحف شامل التاريخ تترستان: فإن هناك ثغرات في تاريخهم تمتد إلى قرنين أو تزيد لا نكاد نعرف عنها شيئًا، فعسى أن يكون هذا المتحف سادا لتلك الثغرات.
ودعوت إلى اتصال المشايخ والمثقفين والمفكرين التتريين بنظرائهم في البلاد العربية والإسلامية عن طريق الحج والعمرة، والمنح الدراسية للطلاب التتريين والمشاركة في الندوات والمؤتمرات التي تعقد في البلاد العربية والإسلامية.
وقد اختلفت الأنظار في بعض ما ذكرته، من حيث ذكري لبعض ما صنعه الروس في التتار في ثنايا كلمتي، فبعض الباحثين حدثني في استراحة الشاي ناقدًا لما ذكرته عن «روسيا» بحجة أن القوم ما زالوا تحت حكم الروس وينبغي تجاوز ذكرهم وعدم التركيز على جرائمهم السابقة، وبعض الباحثين التي ولم ير حرجًا والعجيب أن الباحثين الذين لم يروا حرجًا كانوا من أهل البلاد، والناقدين كانوا من خارجها!! فوعدت الناقدين أنني إذا ألقيت البحث في المؤتمر فسأذكر في المقدمة أن الروس قد أعطوا أهل البلاد الكثير من الحريات الدينية، وهذا حق وأن طرائق تعاملهم مع التتار أفضل بكثير مما مضى، وهذا حل وسط قد يعالج ما وقع في كلمتي، والله أعلم.