; أيام لا تنسي... القصة الحزينة لسقوط حيفا في قبضة الأعداء | مجلة المجتمع

العنوان أيام لا تنسي... القصة الحزينة لسقوط حيفا في قبضة الأعداء

الكاتب زياد أبوغنيمة

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1989

مشاهدات 80

نشر في العدد 920

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 13-يونيو-1989


مهداة إلى:

الذين أقسموا ألا ينسوا حيفا....

 الذين ما زالوا على عهدهم أن يعودوا إلى حيفا ليعيدوا إلى وجهها العربي المسلم الجميل بسمة الخلاص والتحرير

 

اليوم الأربعاء ۲۱ نیسان ١٩٤٨م.

 

الوقت الساعة الحادية عشرة والنصف صباحا.

 

المكان: قيادة اللواء ستوكويل قائد القوات البريطانية في حيفا، عروس الشاطئ الحبيب في فلسطين.

 

*لقاء عاصف...

 

لم يكن يخطر ببال النقيب أمين عز الدين، قائد الحرس الوطني العربي في حيفا، وهو يدخل باب مقر قيادة اللواء «هـ. من ستوكويل» أن هذا اليوم سيكون آخر أيامه في حيفا، مثلما سيكون آخر يوم لبضعة آلاف من سكان حيفا في مدينتهم ومنازلهم، وحين دخل النقيب عز الدين غرفة اللواء ستوكويل قابله هذا ببرود، وأبلغه بلهجة صارمة أن قواته قد أتمت انسحابها من جميع النقاط التي كانت تسيطر عليها في حيفا ولم يترك ستوكويل أية فرصة للقائد العربي ليبدي أي رأي، فقد أعلن بصفاقة انتهاء اللقاء ودخل إلى غرفة مجاورة، تاركا عز الدين وحده.

 

وأسرع قائد الحرس الوطني العربي في حيفا عائدا إلى مقر قيادته في أسفل جبل الكرمل حيث تتمركز مواقع العرب العسكرية الرئيسة، وكان عز الدين يحاول الوصول بأسرع ما يمكنه ليتمكن من التوجه بجنود الاحتلال للمواقع التي تخلت عنها القوات البريطانية ولكن أمله هذا غاب عندما علم من رجالات حيفا العرب الذين كانوا ينتظرون عودته أن القوات البريطانية لم تنسحب من أية نقطة إلا بعد أن اطمأنت إلى استيلاء رجال العصابات اليهودية عليها، وتمركزهم فيها.

 

منعت النجدات:

 

وإزاء هذا الوضع المفاجئ، وجد عرب حيفا أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه، وبدأ القلق يتسرب إلى نفوسهم ولكنهم رغم ذلك قرروا الاستمرار في التصدي للعصابات الصهيونية ومواصلة الدفاع عن مدينتهم.

 

واجتمعت اللجنة الوطنية التي شكلها عرب حيفا برئاسة رشيد الحاج إبراهيم لدراسة الموقف بعد التطورات الجديدة، وكان كل ما حولهم ينذر بالخطر فالعصابات الصهيونية عززت قواتها بنجدات كثيرة جلبتها من المستعمرات المجاورة وأحكمت سيطرتها على المواقع الحصينة التي انسحبت منها القوات البريطانية.

 

أما المدافعون العرب عن المدينة فلم يزد عددهم عن (٣٥٠) رجلاً معظمهم غير متفرغ للمهام العسكرية.

 

ولم تتمكن أي من النجدات العربية من الوصول إلى حيفا لأن المستعمرات اليهودية كانت تسيطر على منافذ المدينة وتمنع دخول أحد إليها، كما كانت القوات البريطانية تمنع دخول النجدات العربية من المنافذ التي ما زالت تسيطر عليها، وخاصة على طريق الناصرة – يافا.

 

وزاد الأمر تعقيدا أن النقيب أمين عز الدين قائد الحرس الوطني العربي في المدينة، وهو متطوع لبناني الأصل، قرر مغادرة المدينة إلى دمشق للتباحث مع القيادة العربية هناك بشأن الوضع الجديد الذي طرأ بعد انسحاب البريطانيين من مواقعهم.

 

وباختصار، فقد كان كل شيء يبدو بالنسبة لعرب حيفا قاتما لا يبشر بخير فقد وجدوا أنفسهم بشكل مفاجئ يخوضون معركة غير متكافئة في ظروف فرضتها القوات البريطانية، لصالح العصابات الصهيونية.

 

حرب نفسية:

 

مضت الفترة ما بين لقاء ستوكويل وعز الدين وحتى غروب شمس ذلك اليوم والعرب يحاولون معالجة الموقف بكل إمكانياتهم المتوفرة، ولم تكد الشمس تبدأ بالغروب حتى بدأ الجنرال «موشي كأرمل» القائد العسكري لعصابتي الهاغاناه والأرغون بتنفيذ خطته للاستيلاء على حيفا.

 

وبدأ كأرمل المعركة بشن هجوم نفسي على السكان العرب، فوجه نداءات إلى سكان حيفا العرب للابتعاد عن «المتطوعين الغرباء» والتزام منازلهم.

 

وما إن بلغت الساعة السادسة والنصف حتى انهمرت نيران المدافع الرشاشة الثقيلة والقنابل على الأحياء العربية بدون تمييز وبكثافة كبيرة، وبدأ رجال العصابات الصهيونية هجومهم ضد المواقع العربية.

 

ومع احتدام القتال، وتزايد النيران الصهيونية على الأحياء العربية فقدت اللجنة الوطنية السيطرة على السكان فاندفع الآلاف منهم في جو من الذعر واليأس، نحو منطقة المرفأ حيث تسيطر القوات البريطانية التي كانت وربما باتفاق مسبق مع اليهود، تقوم بإرسال المهاجرين العرب إلى عكا، لتفريغ المدينة من سكانها العرب.

 

ورغم هذا الاضطراب في الأحياء العربية فقد صمد المدافعون العرب في معظم مواقعهم وكبدوا الصهاينة خسائر كثيرة، ففي منطقة «الحليصا» نجح المدافعون العرب في صد الهجوم الصهيوني، وفي منطقة المركز التجاري نجحوا في تأخير التقدم الصهيوني.

 

مسؤولية ما حدث:

وفي هذه الأثناء، كان وجهاء العرب يجتمعون مع اللجنة الوطنية في منزل عضو اللجنة السيد فريد سعد وهو أحد أصحاب البنوك في حيفا، وفي الساعة الواحدة من فجر الخميس ۲۲ نیسان ١٩٤٨ أصدر المجتمعون بيانا يحملون فيه القوات البريطانية مسؤولية كل ما حدث، ويطلبون منها التدخل الفوري لوقف المجازر التي يرتكبها رجال العصابات الصهاينة ضد السكان العرب لإجبارهم على مغادرة المدينة.

 

وفي الساعة الثالثة من فجر ذلك اليوم ۲۲ نيسان ١٩٤٨ تلقى السيد سعد خبرا مفاده أن العصابات الصهيونية نجحت في الوصول إلى قلب حيفا العربية عن طريق البرج، وأنها ترتكب في أثناء تقدمها المذابح الفظيعة، فاتصل بالقيادة البريطانية، وطلب إليها بإلحاح التدخل الفوري لوضع حد للمجازر وتذبيح النساء والأطفال العرب... ولكن القيادة البريطانية التزمت الصمت ولم تتدخل.

 

*المقاومة العربية تصمد:

 

ورغم كل ذلك، فقد نجحت المقاومة العربية حتى ذلك الوقت في الصمود في أكثر مواقعها. فبقيت مسيطرة على «الحليصا» ومركز البريد وعمارة خوري، والمركز التجاري، ومع أن قائد القوات البريطانية كان يعلم أن المقاومة العربية ما زالت مستمرة بشدة وتصميم إلا أنه سارع بالاتصال بالقيادة الصهيونية طالبا منها وضع الشروط التي توافق بموجبها على استسلام المدينة، وكان واضحا أن تصرف القائد البريطاني لم يكن يحظى بأي قبول من عرب حيفا، ولقد أدى هذا التصرف إلى ارتفاع معنويات اليهود، فضاعفوا جهودهم للسيطرة على الموقف، وتمكنوا مع حلول الساعة السادسة. من صباح الخميس ۲۲ نیسان ١٩٤٨ من شن هجومهم الكاسح، فتمكنوا أولا من السيطرة على عمارة «خوري» التي لم يتمكنوا من السيطرة عليها إلا بعد أن أحرقوها فاضطر المناضلون العرب إلى تركها، وبعد ذلك بساعة سقط مركز البريد ثم الحليصا، وأحرز الصهاينة تقدما في جبهة المركز التجاري.

 

وفي تلك الأثناء كان أكثر من خمسين ألف عربي يتجمعون في وسط المدينة، وعمت المدينة حالة رهيبة يسيطر عليها الرعب والفوضى، ولم تفلح نداءات فريد سعد في إقناع القائد البريطاني بإرسال سيارات إسعاف لنقل أكثر من ٣٠٠ جريح عربي معظمهم جراحهم خطيرة.

 

وازدادت الإصابات حين تدفق الآلاف من العرب نحو منطقة المرفأ فوجدوا نيران العصابات الصهيونية تحصدهم حصدا.

 

الهدنة المزعومة:

 

وفي غمرة هذه الفوضى وفي جو كان كل ما فيه يشير إلى قرب وقوع النهاية المأساوية لمعركة حيفا، شكل عرب حيفا لجنة طوارئ برئاسة «فريد سعد» لمقابلة القائد البريطاني ستوكويل ليطلبوا منه التدخل السريع لوقف المأساة، فيرفض طلبهم، ويؤكد لهم أن القوات البريطانية لن تتدخل من أجل وقف القتال، ولن تسمح للنجدات العربية بالوصول إلى حيفا، إلا اذا وافق العرب على الهدنة، ولم تكن الهدنة التي عناها القائد البريطاني تعني وقف القتال وبقاء كل فريق في مكانه كما تعنى كلمة الهدنة، ولكنها كانت تعنى استسلام العرب بدون قيد ولا شرط لليهود، وضمن شروط وضعها اليهود، وفي ذلك الوقت كانت المقاومة العربية لا تزال مستمرة بصمود في بعض الجيوب خارج المدينة القديمة وحولها، وفي الوقت نفسه كان الأسطول البريطاني ينشط في نقل الهاربين من المجازر اليهودية إلى عكا تنفيذا للخطة اليهودية التي تهدف إلى تفريغ حيفا من العرب، وأمام ذلك كله وجدت لجنة الطوارئ نفسها في موقف حرج، فهي لا تمتلك الإمكانيات لإنقاذ المدينة، وعبثا حاولوا الاتصال بالقيادة العربية السياسية التي كانت تتخذ من دمشق مقرا لها آنذاك، لاستشارتها فيما عرضه اللواء «ستوكويل» القائد البريطاني الذي طلب من العرب قبول تسليم حيفا

 

لليهود بدون قيد أو شرط.

 

ولم تجد اللجنة بُدًّا من دعوة كل من بقي في المدينة من أصحاب الرأي، فاجتمع في منزل السيد «فيكتور خياط» ثلاثون شخصا، وكان جو الاجتماع مشحونا بالتشاؤم واليأس ولم يجد المجتمعون أمامهم إلا خيارا واحدا، هو أن يقبلوا عرضا جديدا من القائد البريطاني، يدعوهم فيه إلى عقد اجتماع في مقره مع ممثلين للعصابات اليهودية فأرسلوا وفدا إلى مقر القيادة البريطانية، فلما وصلوا إلى المقر فوجئوا بنات من اليهود يستقبلونهم بالتصفير والسخرية والنكات البذيئة.

 

القيادة الصامتة:

 

وأدرك الوفد العربي أن اليهود يريدون أن يفرضوا على عرب حيفا شروط الاستسلام المهينة، ومارس القائد البريطاني الضغط على الوفد العربي حين هددهم بأنهم إذا لم يوافقوا على الشروط اليهودية فلن يكون مسؤولا عن ذبح مئات جديدة من العرب.

 

وإزاء هذه الضغوط طلب الوفد العربي مهلة ساعة ونصف للتشاور فيما بينهم وعادوا إلى منزل السيد «فيكتور خوري» حيث قرروا إعادة الاتصال بالقيادة السياسية العربية في دمشق لئلا يتحملوا وحدهم مسؤولية سقوط هذه المدينة العربية ولكن محاولاتهم للاتصال بدمشق باءت كلها بالفشل.

 

الوثيقة المشؤومة:

 

إزاء ذلك كله لم تجد لجنة الطوارئ بُدًّا من الرضوخ للأمر الواقع فعادت إلى قاعة المدينة لتجد اللواء «ستوكويل» والجنرال الصهيوني موشي كارمل وضباطه يطلبون إليهم التوقيع على وثيقة الاستسلام.

 

وفي الساعة السابعة والنصف من مساء الخميس ۲۲ نیسان ١٩٤٨ سقطت حيفا حين كانت دموع رجال لجنة الطوارئ العرب تختلط بالحبر الذي وقعوا به وثيقة استسلام حيفا.

 

أيها العرب... أيها المسلمون... لا تنسوا ذلك

 

اليوم الخميس ۲۲ نیسان ١٩٤٨... إنه اليوم الذي سقطت فيه عروس ساحل ثغركم الإسلامي المقدس فلسطين في أسر العصابات الصهيونية.

 

وستبقى «حيفا» في انتظاركم، فلا تخيبوا رجاءها، ولا تسلموها إلى ضياع لا رجعة

 

بعده...!

الرابط المختصر :