العنوان أإفلاس عالمي «في القيادة» و«رصيد النبوة» بين ظهرانيهم؟!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1976
مشاهدات 49
نشر في العدد 290
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 09-مارس-1976
يعجز الناس عن هداية أنفسهم، هذه حقيقة لا تبديل لها. أو «معجزة» واقعية. شوهدت بالأمس وتشاهد اليوم. وستشاهد غدًا.
في الأرض اليوم ألوف الجامعات. وملايين العلماء والخبراء في الاجتماع والنفس والاقتصاد والسياسة والتخطيط.، وفيها من البرلمانات- المعينة والمنتخبة- ما لم تشهد له نظيرًا من قبل. في السعة والتنظيم.
وفيها من الشعارات ما يستطيع- لو جمع- أن يملأ عشرات المجلدات بجميل الكلام. وأناقة المصطلحات، وفيها من الرؤساء والزعماء. أعداد ضخمة تصدر عنها مئات القرارات يوميًا.
وفيها من أجهزة الإعلام. ما يخاطب العالم كله- على مدار الـ٢٤ساعة- بالكلمة والصورة. وشتى المؤثرات.
وفيها. وفيها. وفيها.
لكن. رغم هذه الإمكانات المذهلة. ما فتيء الناس في ضلال مبين. وكرب عظیم.
بطبيعة الحال. لا نحط من قيمة هذه الجهود البشرية. وبطبيعة الحال. لا نبني كلامنا على أساس انتفاء الشرور والأخطاء من حياة الناس.
إنما المقصود هو: أن الذين يمسكون بقيادة البشرية. قد أسلموا- بحكم النية الفاسدة أو بحكم التربية العقيم- رقابهم للضلال. وخطاهم للشر.
إننا نواجه اليوم ظاهرة: الإفلاس العالمي الشامل في القيادة.
• منذ أيام عقد الحزب الشيوعي السوفيتي مؤتمره الخامس والعشرين.
وقبله بقليل عقد الحزب الشيوعي الفرنسي مؤتمره الثالث والعشرين.
• وبعد أسابيع ستحتفل الولايات المتحدة الأمريكية بمرور مائتي عام على استقلالها.
• والعالم الثالث- وفي نطاقه يقع العالم الإسلامي- يقلد في سلوكه الداخلي والخارجي: إما الزعامة الشيوعية. وإما الزعامة الرأسمالية.
وإذا نظرنا إلى أحوال «الأصل» و«الصورة»، أي القيادة الشيوعية والرأسمالية. ومقلديها. فماذا نجد؟
أولًا: القيادة الشيوعية
في القيادة الشيوعية نشهد إفلاسًا وبوارًا.
• في الجانب الفكري. وجه الحزب الشيوعي الفرنسي ضربة جوهرية إلى «أساس» النظرية الماركسية في مفهومي. الحرية. ودكتاتورية الطبقة العاملة.
ولا يمكن أن يدرج هذا التحول الجذري في مقولة «الاجتهاد» وتجديد الأساليب. لأن تجديد الأسلوب يتناول الوسيلة. لا أساس الفكرة.
وما فعله الحزب الشيوعي الفرنسي يعتبر رجوعًا إلى أفكار فيلسوف الحزب السابق «روجيه جارودي».
فهذا المفكر الشيوعي أحس من قبل بأن النظرية الماركسية تتأكل مع مرور الزمن فألف كتابه الشهير: «ثورة داخل الثورة». وفيه يخير الشيوعيين ويقول لهم: إما ثورة داخل النظرية. وإما الموت والفناء.
وبسبب أفكاره هذه طرد من الحزب وها هو المؤتمر الثالث والعشرين يرجع إلى أفكاره!
وجارودي في كتابه «نموذج وطني للاشتراكية» يقترح بناء «اشتراكيات متنوعة متعددة» وهو في الحقيقة يقترح- بطريقة لا تسمح المرحلة الراهنة بأكثر منها- التخلي عن المذهب الماركسي.
ومن الواضح أن الحزب الشيوعي السوفيتي في مؤتمره الأخير لم يركز على الجانب الفكري لسببين تقريبًا.. الأول: العقم الفكري. فترديد المقولات القديمة صار مدعاة للسخرية والاستهزاء نظرًا للمحتوى الخرافي لتلك المقولات. من جانب آخر: التجديد ممنوع لأنه ذريعة إلى شقاق حزبي حاد ومروع.. والـسبب الثاني: أن روسيا تحولت إلى دولة «تقليدية». هدفها الربح الاقتصادي والسيطرة السياسية.
• في الجانب الاقتصادي والسياسي.
يمكن- باطمئنان فكري تام- سحب قاعدة لينين التي تقول: «الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية».. سحبها على روسيا ذاتها حيث تترجم هنا فتكون «الاستعمار الروسي أعلى مراحل الاشتراكية».
إن الروس يسيطرون تمامًا على اقتصاديات أوربا الشرقية ويأخذون منها ما يريدون لدعم الدولة الروسية..
إنه اختلال اقتصادي في الدرجة الأولى. وقد حدث في ظل الاستعمار السياسي- تبعية أوربا الشرقية لموسكو- وفي ظل الاحتلال العسكري فهناك عشرات الفرق الروسية تحتل المجر وبلغاريا وبولندا. إلخ.
والنفوذ السوفيتي في العالم الثالث سيكرر هذه القصة المحزنة.
ثانيًا: القيادة الأمريكية :
مما لا شك فيه أن أمريكا قد أخذت مكان الاستعمار الغربي وقامت بدوره في العالم.
إن أمريكا بلد استعماري. بكل المحتوي الاستغلالي البشع.. لهذا المصطلح.
مثلًا.. في كتابه «الإمبراطورية الأمريكية» ص ۳۰۹ يقول «كلودجوليان»: «تتخذ تدخلات واشنطن في المشاكل الداخلية للبلدان الأجنبية أشكالًا مختلفة حسب نوعية أنظمة هذه البلدان. وحسب درجة تبعية هذه البلدان الاقتصادية.
هناك قاعدة مشتركة لهذه التدخلات وهي أنه: ليس باستطاعة أحد التملص منها وعندما لا تكفي الضغوط والتهديدات.
تلجأ الإمبراطورية إلى إجراءات التأديب الاقتصادية».
وأورد المؤلف أمثلة على ذلك من تدخلات أمريكا في كندا. ومصر. والعراق. وأمريكا اللاتينية. وأوربا. و. و.
وسياسة أمريكا الاستعمارية. لا تحتاج معرفتها إلى الاستشهاد بالكتب. فتدخلات أمريكا من أجل الحصول على المواد الخام. والأسواق والقواعد الاستراتيجية . والجرائم التي تقترفها المخابرات الأمريكية المركزية في كل مكان. من الاغتيال. إلى الانقلاب واقع يراه العالم كل يوم.
في الداخل. فشلت القيادة الأمريكية في توجيه سلوك الأجيال. وفشلت في توفير الأمن النفسي والاجتماعي للناس. فالجريمة هناك رعب مقيم في القلوب والبيوت والشوارع والأسواق. وفي كل مکان.
والجنون والمخدرات وفوضى الجنس. تعبير عن «خيبة» القيادة وإفلاسها وعقم تفكيرها.
الإدارة السياسية نخرها الفساد. وفضيحة ووترجيت ليست سوى مثل معلق مما يجري في الإدارة السياسية الأمريكية من فساد وخراب ذمة.
الأسرة الممزقة. والعلاقات الاجتماعية والإنسانية المحطمة. والثقافة السطحية. كل ذلك دليل على فشل القيادة الأمريكية.
أما التقدم التكنولوجي فليس- بذاته- مقياسًا سليمًا. إنما المقياس هو: كيف يتم توجيه هذا التقدم؟
إن التقدم العلمى استغل كأداة لنشر المظالم. والتخويف السياسي. ونهب خيرات الأمم. كما استغل في توسيع رقعة الفساد بكل أنواعه.
هذا هو- في إيجاز- واقع القيادات العالمية الرئيسية. والحكم عليها يشمل المقلدين لها في العالم الثالث.. والعالم الاسلامي طبعًا.
إن المقلدين يكررون السلوك التعس ويسيرون في نفس طريق الضلال.
لقد قلنا في بداية هذا التعليق: إن عجز الناس عن هداية أنفسهم. إنما هو «إعجاز واقعي» ينطق بنبوة محمد- صلى الله عليه وسلم-.
هناك الإعجاز البلاغي. وهناك التشريعي. وها هو واقع العالم البائس يبرز «الإعجاز العملي» لرسالة الإسلام ونبوة محمد- عليه الصلاة والسلام-.
الإعجاز العملي الذي يتمثل في منهج القرآن والسنة. هداية للناس. وتوجيهًا لسلوكهم. وتطهيرًا لنياتهم. وتحديدًا لغاياتهم .
من يعمل وفق هذا المنهج. يستقم ویرشد.
ومن يزغ عنه. يعوج ويضل.
وعالمنا المعاصر زاغ عن منهج الله. فاعوج وضل: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (سورة فصلت: 53).
إن رصيد النبوة بين ظهراني عالمنا المكروب هذا. وسيفتش الناس كثيرًا عن الحلول. وعن المخرج. لكنهم لن يجدوا الهدى إلا في نبوة محمد- صلى الله عليه وسلم-.
•عقيدة التوحيد التي تفرد الله- سبحانه- بالألوهية والربوبية. وتؤاخي بين الناس بالعبودية له- جل شأنه-.
•العبادة التي تدعم عقيدة التوحيد بسلوك عملي. وتجارب روحية مستمرة.
•التشريع الذي يصون حقوق الناس وأعراضهم وأخلاقهم. ويوفر لهم الأمن النفسي والاجتماعي. ويهيئ لهم مناخ الترقي الدائم. والسمو المتواصل.
•المعايير التي تسقط كل مقياس للتفاضل غير مقياس «التقوى». نعم تسقط مقاييس المال. والعرق. واللون. واللقب. والمنصب.
•القيادة التي تستمد قيمتها ومكانتها من استقامتها على هدى الله. والتزامها بتطبيق شرعه. والحنو على خلقه.
لكن من يقوم رصيد النبوة للعالم؟
إن المسلمين اقترفوا جرمًا مركبًا بعصيانهم لله ورسوله.
•حرموا أنفسهم من نعمة الهدى.
•وحجبوا- بالتالي- هذه النعمة عن العالم.
والسبيل إلى التوبة هو: إقامة نموذج إسلامی- على مستوى الدولة- ينتصب أمام العالم.. قمة في الطهر. والشجاعة. والعدل. والاستقرار. والشورى. والإنتاج. والخلق. والقوة. والتآخي. وإقراض المحتاجين. بلا فوائد. وتقديم المساعدات بلا أطماع استعمارية.
نموذج إسلامي قائم بحق الله في كل شأن.. عظيم في دنيا الناس.
إن للرأسمالية نماذج تغري بتقليدها.
وإن للشيوعية نماذج تغري بتقليدها.
ونريد- من أجل أنفسنا ومن أجل العالم- نموذجًا إسلاميًا يدعو الناس بالمنطق العملي إلى الاقتداء- بسلوكه. والاهتداء بهداه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل